تعنى باللاجئين والنازحين

اللاجئون السوريّون في الأردن: واقع ومشكلات

0

يتّسم واقعُ اللاجئين السوريّين في الأردن بسماتٍ خاصّةٍ تميّزه عن واقع نظرائهم في باقي بلدان الجوار، لأسبابٍ جغرافيّةٍ واجتماعيّة؛ من ذلك، على وجه المثال لا الحصر، العلاقات الاقتصادية المتشابكة بين محافظة درعا (ومنها النسبة الأكبر من اللاجئين السوريين إلى الأردن) مع الشمال الأردنيّ (محافظتي إربد والمفرق)، والتي تعزّزها صلاتُ القرابة، والأصول العشائرية المشتركة.

وهو ما يفسّر الاستقبال الذي حظيت به الدفعات الأولى للاجئين الذين بدؤوا بالتوافد إلى الأردن، ولاسيّما إلى مدينتي المفرق والرمثا الحدوديّتين، في وقتٍ مبكّرٍ منذ 15-11-2011. حيث استُقبل هؤلاء اللاجئون في بيوت الضيافة، والمساجد، ومساكن قدّمها السكّان إليهم مجّانًا.

وتولّت عدّة جهاتٍ، من بينها مؤسّساتُ المجتمع المدنيّ وهيئاتٌ شعبيّةٌ، جمع المساعدات وتقديم المعونات والتبرّعات والطرود الغذائيّة للاجئين. وبلغ عدد اللاجئين في حينه 1800 لاجئٍ وفق تقرير المفوّضيّة العليا للاجئين (تفاصيل خطّة المفوّضيّة لاستقبال اللاجئين السوريّين في الأردن 15-11-2011 تصريح نائب المفوّضيّة في عمّان “عرفات جمال”). وحتّى ذلك الوقت، لم تكن المفوّضيّة والحكومة الأردنيّة تتوقّعان أن تتواصل عمليّات اللجوء لتأخذ طابع الهجرة الجماعيّة كما حدث في عامي 2012 و2013، وهو ما دفع الطرفين إلى التفكير الجدّيّ في البدء ببناء المخيّمات؛ فبُني مخيّما “الزعتري” و”مريجيب الفهود” (المخيّم الإماراتيّ) بقدرةٍ استيعابيّةٍ لـ 200 ألف لاجئ.

الموجة الكبيرة والرئيسة: 2012-2013

مع ارتفاع حدّة الصراع التي أخذت في عامي 2012-2013، بعدًا كارثيًّا، شهد الأردن تدفّقًا يوميًّا للاجئين قُدِّر بـ 1500 – 2000 لاجئ يوميًّا، ما أدّى إلى ارتفاع أعداد اللاجئين في أواسط عام 2013، لتصل إلى 530 ألف لاجئٍ وفق تصريح وزير الداخليّة الأردنيّ “حسين المجالي”، وهو ما أكّده منسّق شؤون اللاجئين في وزارة الداخليّة الأردنيّة “صالح الكيلاني”. واستُوعب القسم الأكبر منهم في مخيّمي “الزعتري” و”مريجيب الفهود”، ومخيّماتٍ أخرى سنأتي على ذكرها لاحقًا.

ومع تطوّر الأحداث العسكريّة والاشتباكات على الحدود السوريّة، والتي امتدّت لتطال مدينة “نصيب” التي تقع قرب المعبر الرئيس للأردن ومعبر الرمثا، أُغلقت الحدود السوريّة الأردنيّة لأوّل مرّةٍ منذ بدء الاحتجاجات في سورية، وذلك في 25-4-2011، ليعاد فتحها بعد أسبوعين وبعد سيطرة فصائل المعارضة على معبر الرمثا، ثم معبر نصيب (معبر جابر). بعدها أُغلقت الحدود بين البلدين في تاريخ 27-9-2012، ولا تزال مغلقةً حتى تاريخه, وهو ما دفع اللاجئين إلى سلوك معابرَ غير شرعيّةٍ خصّصت لهذا الغرض. إلّا أنّ استمرار تدفّق اللاجئين دفع الحكومة الأردنيّة، ومنذ منتصف عام 2013، إلى التشدّد في استقبال اللاجئين؛ حيث توقّف السماح للاجئين بدخول الأردن باستثناء حالاتٍ خاصّةٍ ومحدودةٍ جدًّا. وهو الإجراء الذي فُسّر من الجانب الأردنيّ بعدم قدرة البلاد على استيعاب المزيد من اللاجئين، إضافة إلى وضع مبرّراتٍ ذات طابعٍ أمنيٍّ ميّزت السياسات الأردنيّة منذ ذلك الوقت، ولا تزال مستمرّةً إلى الآن. إلّا أنّ الحكومة الأردنيّة، وعلى الرغم ممّا سبق، لا تزال تؤكّد عدم وجود قرارٍ بوقف استقبال اللاجئين السوريّين؛ وهو ما يعني أنّ الإجراء سابق الذكر يطبَّق من دون قرارٍ رسميٍّ بالمنع.

ولقد أدّت هذه التدابير إلى انخفاض أعداد اللاجئين إلى الأردن من معدّل 1800 لاجئ يوميًّا إلى أقلّ من 200 لاجئ في أواخر عام 2014.

وتؤكّد المفوّضيّة العليا للاجئين أنّ عددَ اللاجئين الذين دخلوا الأردن، في الفترة الممتدّة من تشرين الأوّل/ أكتوبر وحتى كانون الأوّل/ ديسمبر من عام 2014، لم يتجاوز 2900 لاجئ.

وأكّدت تقاريرُ صادرةٌ عن مكتب الأمم المتّحدة لتنسيق الشؤون الإنسانيّة، معتمدةً على ما رصدته الأقمار الصناعيّة، أنّ الحدود السوريّة الأردنيّة مغلقةٌ بصورةٍ غير رسميّة.

الواقع الراهن للاجئين السوريّين: جغرافيًّا وديموغرافيًّا

بلغ عددُ اللاجئين السوريّين المسجّلين لدى المفوّضيّة العليا للاجئين ومنظمة العمل الدوليّة  655334 لاجئًا، في حين أنَّ الرقمَ الرسميَّ الأردنيّ ارتفع إلى 657000 لاجئ، والفارق بين الرقمين مردّه –غالبًا- إلى أنّ عددًا من السوريّين من رجال الأعمال والمهنيّين والصناعيّين غير مسجّلين لدى المفوّضيّة، لأنّهم حاصلون على إقاماتٍ رسميّةٍ كونهم مستثمرين، وتتمتّع هذه الفئة بالقدرة على مغادرة الأردن والعودة إليه على عكس اللاجئين.

يصنَّف اللاجئون وفق مكان السكن إلى مقيمين خارج المخيّمات، ومقيمين داخل المخيّمات؛ ويترتّب على هذا التمييز حقوقٌ مختلفةٌ للاجئين.

المقيمون خارج المخيّمات:

تبلغ نسبة القاطنين خارج المخيّمات 82،2% من مجموع اللاجئين، ويتوزّعون على المدن والبلدات الأردنيّة وفق التالي:

عمان 27،7%      إربد 23،3%      المفرق15،4%

الزرقاء 8،5%      البلقاء 3،2%     جرش 1،8 %

مادبا 1،8%         عجلون 1،6%    الكرك 1،5 %

معان 1،2 %        العقبة 0،5 %     الطفيلة0،4 %

المقيمون داخل المخيّمات:

وتبلغ نسبتهم 18،8 من مجموع اللاجئين، ويتوزّعون على المخيّمات التالية:

مخيّم الزعتري 12،9% من مجموع سكّان المخيّمات

مخيّم مريجيب الفهود (الإماراتيّ) 0،8%

مخيّم الأزرق 2،2%          مخيّم الراجحي 0،4 %

مخيّم سايبر سيتي 0،06       مخيّم الحديقة 0،015

تكشف نسب توزّع إقامة اللاجئين في المخيّمات أو خارجها أيضًا أنّ هناك ميلًا عامًّا إلى مغادرة المخيّمات، وهو ما تعكسه الأرقام، ولاسيّما في مخيّم “الزعتري” الذي صُنِّف في عام 2013، على أنّه من أكبر المخيّمات في العالم، ورابع تجمّعٍ سكّانيٍّ في الأردن؛ حيث وصل عدد سكّانه في حينها إلى أكثر من 150 ألف لاجئٍ، في حين أنّه لا يضمُّ الآن سوى نصف هذا العدد. إنّ ما يدفع اللاجئين السوريّين إلى مغادرة المخيّمات، على الرغم من تكاليف السكن والكهرباء والمياه المرتفعة خارجها، هو رغبتهم في العمل وتحسين ظروفهم المعاشيّة في الدرجة الأولى، مع علمهم المسبق بصعوبة إيجاد فرصة عمل. إضافة إلى رغبتهم في الانعتاق من نظام المعسكر، وهو ما يحتاج إلى إذنٍ رسميٍّ لمغادرته. ومن أسباب انخفاض نسب المقيمين داخل المخيّمات أيضًا هو نظام “الكفالة” الذي يسمح للمواطن الأردنيّ أن يكفل لاجئًا، أي يتحمّل مسؤوليّته بحكم القرابة. وعلى الرغم من أنّه جرى التشدّد لاحقًا بتطبيق نظام الكفيل واشتُرط فيه أن تكون القرابة من الدرجة الأولى، إلّا أنّ الإجراءات الأردنيّة، ولاسيّما في عام 2016، باتت تسمح للاجئين بمغادرة المخيّم من أجل العمل. وفي الأسبوع الأخير من شهر آب/ أغسطس الماضي، افتُتح في المخيّم مكتبٌ للعمل يساعد اللاجئين في الحصول على عمل.

وبالنسبة إلى توزّع اللاجئين بحسب مصدر اللجوء، نجد أنّ محافظة درعا تتصدّر المركز الأوّل بنسبة 42،1 في المئة من مجموع اللاجئين السوريّين، تليها محافظة حمص  بنسبة 15،86 في المئة. في حين تعود النسبة المتبقّية إلى محافظات دمشق وريف دمشق وحلب والسويداء وطرطوس.

والملاحظة الأبرز هنا هي أنّ لاجئي محافظة درعا يشكّلون النسبة الغالبة من اللاجئين السوريّين (276000)؛ أي ما يزيد على ربع مليون لاجئٍ لا يبعدون عن مدنهم وقراهم سوى بضعة كيلومترات فقط، وهو ما سهّل حركتهم وعودة بعضهم إلى بلداتهم وقراهم ما إن تهدأ الأوضاع ولو قليلًا. وهذا ما شهدناه في النصف الثاني من عام 2013؛ حيث عاد إلى سورية أكثر من 50 ألف لاجئٍ بشكلٍ منتظمٍ وعبر السلطات الأردنيّة، وأغلبيّتهم الساحقة من محافظة درعا. عمليًّا، لم تتوقّف حركة العودة، وإن خفّت وتيرتها، ولاسيّما أنّ السلطات الأردنيّة لا تسمح للاجئين الذين يغادرون الأراضي الأردنيّة بالعودة مجدّدًا، أي إنّه خطٌّ باتّجاه واحدٍ. لذا، فإنّ عودة اللاجئين ترتبط مباشرة بشعور اللاجئين بالأمان في حال عودتهم، وهو ما ينطبق على إعادة التوطين التي تنفّذها المفوّضيّة بالتعاون مع بعض بلدان الهجرة التي أبدت رغبتها في استقبال لاجئين سوريّين، وفي مقدّمتها كندا والولايات المتّحدة الأميركيّة؛ حيث استقبلت الولايات المتّحدة نحو 2000 لاجئٍ، بينما استقبلت كندا نحو 2500 لاجئٍ قبل نهاية عام 2016. خلاصة القول هنا: إنّ أرقام اللاجئين السوريّين متحرّكةٌ وتحتاج دومًا إلى تحديث. وقبل أن نختم هذه النقطة، لا بدّ من التنويه إلى أنّ الأمم المتّحدة والمفوّضيّة العليا للاجئين علّقت على اتّفاق خفض التوتّر بالقول: إنّه لا يزال الوقت مبكّرًا لعودة اللاجئين، وعلينا أن ننتظر إلى حين التأكّد من أنّ عودتهم ستكون آمنة. وبالمقابل تردّدت أنباءٌ غير موثّقةٍ بعد عن آلاف اللاجئين السوريّين الذين يعدّون العدّة للعودة إلى محافظة درعا هذه الأيام (آب 2017)، بل إنّ العديد منهم قد عاد فعلًا، وهو ما ينبغي متابعته وتوثيقه استنادًا إلى جهاتٍ رسميّة. وهذا يفصح عن رغبةٍ عميقةٍ لدى اللاجئين السوريّين في العودة إلى بلدهم. وهذا ما تأكّده العديد من المقابلات مع اللاجئين أنفسهم في مختلف مناطق الأردن.

أخيرًا، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ عدد اللاجئين السوريّين في الأردن بات معروفًا بدقّةٍ مقبولةٍ الآن. فبعض الجهات الرسميّة الأردنيّة، وبفعل ضغط اللجوء السوريّ على البنية التحتيّة وافتقاد الموارد، إضافة إلى الأزمة الاقتصاديّة الناتجة من عواملَ متعدّدةٍ، أبرزها إغلاق الحدود السوريّة والعراقيّة وما تسبّبه من خسائر للاقتصاد الأردنيّ، تعطي أرقامًا وإحصاءاتٍ عن السوريّين في الأردن، وليس عن اللاجئين السوريّين في الأردن لتصل نسبة اللاجئين وفق إحصاءاتهم إلى 20 في المئة من سكّان الأردن. وهو رقمٌ متداولٌ في العديد من المؤتمرات الخاصّة باللاجئين ولدى بعض المؤسّسات. وإذ تؤكّد وزارة الداخليّة الأردنيّة أنّ عدد السوريّين الذين كانوا يقيمون في الأردن قبل 15-2-2011، يصل إلى 700000 سوريٍّ (مع العلم أنّ ذلك تمّ عبر موجات هجرةٍ منذ عشرينيّات القرن المنصرم)، نجد أنّ إحصاء مفوّضيّة اللاجئين دقيقٌ، وهو رقمٌ يعادل 10 في المئة من سكّان الأردن، وهو رقمٌ كبيرٌ بلا شكٍّ بالنسبة إلى دولةٍ مواردها محدودةٌ كالأردن.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: