إضاءات على النزوح إلى القامشلي

0

يشكر النازحون القدر لبقاء مناطقَ متعدّدةٍ في سورية بعيدةً عن الدمار والخراب، ومنها مدينة القامشلي التي استقبلت مطلع أيلول/ سبتمبر 2011، أعدادًا كبيرةً من النازحين السوريّين من مختلف المحافظات والمدن، ولاسيّما تلك القريبة منها، إثر اندلاع المواجهات بين القوّات الحكوميّة والمعارضة المسلّحة، أو نتيجة زيادة رقعة التظاهرات وتشديد القبضة الأمنيّة وارتفاع وتيرة الاعتقالات.

ولم يتسنَّ لأغلبيّة النازحين سوى حملِ ملابسهم، وما استطاعوا إخراجه معهم من نقودٍ؛ كما هو الحال مع حسن أبي محمد (49) عامًا الذي عثر على “حوش” صغيرٍ لا يتجاوز الـ 110م2، لإيوائه مع أبنائه وعائلة أخيه ووالديه؛ وبـ “رهنيّةٍ” معقولة، قياسًا على سوق العقارات، نتيجة علاقته الجيّدة مع أحد سكّان حيّ الأشوريّة. ولقد لجأ “حسن” إلى مدينة الرقة بدايةً، واستقرّ فيها لأسبوعين، لكنّه اضطرّ لتغيير وجهته نتيجة عدم توفّر السكن والعمل كما يقول.

يتحسّر “حسن” على حياته السابقة في مدينة دير الزور، الواقعة على بعد 265 كم جنوب مدينة القامشلي؛ فإلى جانب شققٍ واسعةٍ يملكها وسط مدينة دير الزور، كان يدير مطعمًا للوجبات السريعة، قبل أن تسوء الأوضاع على نحوٍ أجبره على الهرب من نيران القذائف.

معاناة نتيجة البُعد

رحلة العذاب والنزوح لم تكن الأولى من نوعها لعائلة حسن، فهو ينحدر من أصولٍ كرديّة، وكانت عائلته قدمت من تركيا منذ عقودٍ عديدة، وكانت دير الزور ملاذها الآمن. وفي القامشلي التي نزح إليها في أثناء الحرب الراهنة، لم يجد “حسن” أيَّ معاناةٍ للحصول على عملٍ، حيث أكسبته خبرته الطويلة في صناعة الفول والمسبّحة فرصةً للعمل كمشرفٍ على أحد المطاعم وسط المدينة، بأجرٍ يوميٍّ، مقداره عشرة دولارات. وبما أنّه يساهم في إعالة عائلةٍ متكافلة، فعمل أخيه لدى أحد المراكز الحكوميّة يخفّف العبء الماديّ عليهما.

ويصرُّ “حسن” في أثناء لقائنا على أن نسجّل شكره ومودته لأهالي حيّ الأشوريّة، لكرم استضافتهم وحسن جوارهم. في الوقت الذي يؤكّد ضرورة الإشارة إلى ضعف عمل الجمعيّات والمؤسّسات الإغاثيّة. الأمر الذي ننقله من دون أن نؤكّده بانتظار إجرائنا تحقيقًا صحفيًّا عن الموضوع نطّلع خلاله على عمل هذه الجمعيّات، وعلى رأي العاملين في هذا الحقل بالإمكانات والعوائق.

صدمة قاسية

أمّا الإعلاميُّ “آرام شوشوميان” (32 عامًا)، فكانت مشاهد ذبح المسيحيّين وسط عام 2012، على يد مُسلّحين مُلثّمين في مدينة الطبقة، كفيلةً بدفعه، مع كثرٍ مثله، إلى اتّخاذ قرارِ ترك المدينة. ولم تكن الطرق الواصلة بين مدينة “الطبقة” ومدينة “القامشلي” آمنةً؛ حيث سطت

جماعاتٌ مسلّحةٌ على عربته الخاصّة أثناء توجّهه صوب أقربائه، وبعد ستِّ ساعاتٍ قضاها على الطرقات استطاع الوصول إلى مشارف مدينة القامشلي.

 

بعدها مكث “آرام” نحو عامٍ من دون عملٍ، لكنّه مع تطوّر علاقاته بسكّان المدينة، والعاملين ضمن المجال الإعلاميّ فيها تحديدًا، استطاع تأمين عملٍ ضمن إذاعة “آرتا” لنقل الأخبار باللغة الأرمنيّة والتغطية الإخباريّة، إضافة إلى مساهمته في افتتاح مركزٍ لرعاية المسنّين برفقة أصدقائه.

وإذ ينفي “آرام” أيَّ شعورٍ بالغربة أو وجود عوائقَ أو مشكلاتٍ حيث يسكن، إلّا أنّه يُبدي انزعاجه من غلاء إيجارات البيوت.

وبعد تدمير، وسرقة أملاكه، وعقاراته، يتردّد “آرام” في العودة إلى مدينة الطبقة مُجدّدًا، فهو يفكّر بالبقاء في القامشلي، التي توقّع لها مستقبلًا جميلًا، لكنّه يبقى يتحيّن الفرصة للهجرة إلى أوروبا.

ويبقى أن نسجّل أنّه مع دخول الأزمة في سورية عامها السابع، تزداد المخاوف من سوء أوضاع النازحين، بسبب تقليص حجم السلال الغذائيّة للأشخاص المحتاجين، وهو ما برّره برنامج الأغذية للأمم المتّحدة بنقص أموال المانحين وتأخّرها.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: