النزوح الساحليّ المحلّيّ

0

على خلاف النزوح الناجم عن كوارثَ طبيعيّةٍ، يحمل النزوح الناجم عن الحروب والصراعات ظلالًا سياسيّة وانحيازاتٍ مسبقةً، تضاف إلى موقف الأهالي المستقرّين من الأهالي الوافدين إلى مناطقهم، فتجعل الوافدين محلَّ ترحيبٍ أو رفض، مثقلةً بذلك على البعد الإنسانيّ لقضيّة النزوح.

أشدّ أنواع النزوح إيلامًا هو النزوح الناجم عن الصراعات الداخليّة، إذا ما قيس بالنزوح الناجم عن الحروب بين الدول. في هذه الحالة الأخيرة، ينزح الأهالي من المناطق الحدوديّة إلى داخل بلدهم. إذًا، فهم يتحرّكون في بيئةٍ بشريّةٍ متفهّمةٍ ومتضامنةٍ بعد أن جعلتها الحرب متجانسةً سياسيًّا في وجه عدوٍّ خارجيّ. كما أنّ أجهزة الدولة “الوطنيّة” تحافظ على وظيفتها العموميّة تجاه النازحين، وتجتهد في تأمين المأوى والمستلزمات الضروريّة. هذا النوع من النزوح يحتفظ، إلى حدٍّ بعيدٍ، بكونه قضيّةً عامّةً يتبنّاها المجتمع والدولة.

أمّا الصراعات الداخليّة، فإنّها تسبّب نزوحًا أكثر مرارة، لأنّه يتحرّك على أرضٍ سياسيّةٍ زلقةٍ ومكهربة، تسحب من النزوح عموميّته وإنسانيّته وتتركه عبئًا على أصحابه؛ ليس بوصفهم منكوبين فحسب، بل، في كثير من الأحيان، بوصفهم مذنبين. وتزداد المرارة أكثر مع طول الصراع وتردّد نتائجه العسكريّة بين تقدّمٍ وتراجع، وما يحمل ذلك من تكرار النزوح وأفول الأمل.

النزوح الناجم عن صراعاتٍ داخليّةٍ يكون مختلطًا، منه ما يعود إلى السبب العسكريّ؛ أي الهرب من مناطق نزاع عسكريّ، ومنه ما يعود إلى أسبابٍ سياسيّةٍ أمنيّة؛ أي هرب أفرادٍ وعائلاتٍ من بطش الجهة التي تسيطر على منطقةٍ معيّنة، هذا فضلًا عن التهجير الذي يُفرض على الأهالي تنفيذًا لسياساتٍ، لها غاياتٌ ديموغرافيّةٌ أو انتقاميّة.

شكّل الساحل السوريّ مستقرًّا لموجاتٍ عديدةٍ من النزوح الناجم عن الصراع الداخليّ، نتناول منها الآن موجات النزوح المحلّيّة؛ أي التي خرجت من الساحل واستقرّت فيه أيضًا. أوّل هذه الموجات كان نقل أهالي الرمل الجنوبيّ إلى المدينة الرياضيّة في صيف عام 2011، تمهيدًا لاقتحامه من قبل الجيش، بعد أنّ ظلَّ عدّة أشهر خارجًا عن سيطرة النظام. حينها كان النظام لا يزال يحرص على تقديم نفسه للعالم على أنّه يفصل بين الأهالي والمسلّحين، ويقدّم سبل الحماية للمدنيّين ويؤمّن لهم إقامةً آمنةً خارج مناطق القتال.

هذا ما حصل بالفعل، وقد عادت العائلات إلى مساكنها بعد انتهاء المعركة في الرمل الجنوبيّ، التي انتهت بمحاصرة نحو 400 شابٍّ مسلّحين بسلاحٍ خفيف، تقصّد النظام الحفاظ عليهم بأن فتح أمامهم طريق اللجوء إلى جبال اللاذقية الشماليّة الشرقيّة (جبل الأكراد) ليطوّروا هناك تشكيلاتٍ عسكريّةً إسلاميّةً، ستكون مسؤولةً عن دفع موجة لجوءٍ أخرى، ضحاياها عائلاتٌ من أصولٍ علويّةٍ هذه المرّة.

نزحت هذه العائلات العلويّة من قرى شمال اللاذقية التي اجتاحتها تنظيماتٌ جهاديّةٌ في آب/ أغسطس 2013، في ما سمّي “معركة أحفاد عائشة أمّ المؤمنين”، إلى مدينة اللاذقية. وكما في الحالة الأولى، كان النازحون محطَّ اهتمام أجهزة الدولة والمجتمع المحلّيّ من دون مواقفَ عدائيّة. والحقيقة أنّ هؤلاء الوافدين لم يشكّلوا ضغطًا على الأهالي المستقرّين؛ لأنّه جرى احتواؤهم في مرافقَ عامّةٍ من جهة (مدارس)، ولأنّ نزوحهم لم يدم طويلًا من جهةٍ أخرى. يمكن القول: إنّ الدولة، في هاتين الحالتين المذكورتين، حافظت على دورها العموميِّ تجاه النازحين.

لم يكن نزوح أهالي البيضا وراس النبع في بانياس التابعة لمحافظة طرطوس، إثر المذبحة التي ارتُكبت بحقّ أهالي المنطقتين في أيار/ مايو2013، شبيهًا بالنزوحين السابقين، فقد حمل ملمحًا أساسيًّا قذرًا من ملامح الصراع؛ سواء من حيث سبب النزوح، أو من حيث تعامل الدولة مع النازحين. السبب هو المذبحة التي ارتُكبت بيد عناصرَ تابعةٍ بصورةٍ غير رسميّةٍ للنظام (شبيحة)، وبتواطؤٍ وتسهيلٍ من قيادة الجيش التي رفعت يدها عن حماية الأهالي تاركةً لتلك العناصر أن تتحرّك بحرّيّةٍ لتنفيذ جريمتها. حمل الناجون من البيضا وراس النبع مصيبتهم، ورحلوا عن بلداتهم من دون معونة  أحد، وكأنّ نزوحهم شأنٌ خاصٌّ بهم، لا يد للدولة فيه، ولا يد تقدّمها الدولة لهم. حتى إنّ الدولة عاقبت المنظّمات المدنيّة التي سارعت لتقديم العون، مثل جمعيّة العاديات في طرطوس. غير أنّ الجانب الأكثر إيلامًا في هذا النزوح الساحليّ المحلّيّ، هو بروز الشرخ الطائفيّ على المستوى الشعبيّ؛ فقد لجأ المنكوبون، الذين هم من أصولٍ سنّيّةٍ، إلى قرى “المتراس” و”الزارة” و”الحصن” السنّيّة البعيدة عنهم قياسًا بقرى علويّة مرَّ بها النازحون، ولكنّهم لم يفضّلوا اللجوء إليها رغم محاولات عددٍ من الناشطين المستقلّين في هذه القرى.

موجة النزوح الناجمة عن مذبحة “البيضا” و”رأس النبع”، وتلك التي نجمت عن مذبحة قرى شمال اللاذقية، أظهرتا أنّ طرفي الصراع العسكريّ (نظام الأسد والتشكيلات الإسلاميّة) يعاملان المدنيّين كأهدافٍ عسكريّةٍ من دون احترامٍ لأيِّ قانونٍ أمميٍّ أو قيمةٍ إنسانيّة. وسرعان ما أكّد النظام هذا في استخدام السلاح الكيمياوي في غوطة دمشق، بعد أقلّ من ثلاثة أسابيع من قيام التشكيلات الإسلاميّة بمجزرتها في ريف اللاذقية الشماليّ.

تمركز التشكيلات العسكريّة الإسلاميّة في جبلي الأكراد والتركمان شمال وشرق اللاذقية، وما نجم عنه من قصفٍ ومعاركَ مستمرّة، دفع موجات نزوحٍ جديدةٍ لأهالي هذه المناطق، تميّزت هذه الموجات بلجوئها إلى مناطقَ جبليّةٍ غير مأهولة؛ أي لم تكن هناك بيئةٌ مستقبلةٌ لهؤلاء الذين نصبوا الخيم وعاشوا في أسوأ حالٍ يمكن تصوّرها من الحرِّ والبرد والوحول ونقص الموادّ، بما في ذلك ماء الشرب، من دون أيِّ مساعدةٍ تذكر.  هؤلاء كانوا الطرف الأضعف في حالة النزوح، وهم متروكون من الجميع إلى بؤسهم الطارئ، بين دولةٍ تعاملهم كأعداء ومجتمعٍ ممزّقٍ عاجزٍ عن احتضانهم.

هكذا يبدو أنّ الساحل نفسه، الذي بقي بعيدًا إلى حدٍّ كبيرٍ عن الدمار والعنف قياسًا على الأماكن الأخرى من البلاد، يلخّص في موجات نزوحه المحلّيّة الملامح الأساسيّة في الصراع السوريّ المزمن، هذه الملامح التي غدت، مع الوقت، أكثر بشاعةً وانحطاطًا.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: