من يهتمّ للمهجّرين والنازحين داخليًّا؟

0

تعدّ “أزمة اللجوء” واحدةً من المعضلات التي تثقل كاهل المجتمع الدوليّ في عالمنا المعاصر، حتى إنّها غدت بندًا رئيسًا على جدول أعمال العديد من الحكومات المعنيّة بها، ولاسيّما في الدول التي استضافت على أراضيها الأعداد الأكبر من اللاجئين خلال السنوات القليلة الماضية، فضلًا عن وجود عشرات المنظّمات الدوليّة وأخرى غير حكوميّةٍ، نشأت في الأساس بغرض التعامل مع مسائل اللجوء. من أجل هذه القضيّة تُعقدُ المؤتمرات، ويجتمع المانحون وتُبرم الاتفاقيّات بين الدول، وتحت عنوانها تنفق سنويًّا مليارات الدولارات.

صحيح أنّ ذلك كلّه لم يؤدِّ إلى إيجاد الحلول الجذريّة الناجعة لهذه المعضلة أو الحدّ من آثارها حتى الآن، غير أنّها فرضت نفسها في دائرة الضوء، ولم يعد من الممكن لقادة المجتمع الدوليِّ تجاهلها، إذ لا يعود ذلك إلى “الدوافع الإنسانيّة” فحسب، وإنما بشكلٍ أكبر بسبب تحوّلها إلى “مشكلةٍ داخليّة” بعدما عبرت حدودهم، فأقلقت راحة مجتمعات دولهم، واندرجت في سوق التجاذبات السياسيّة والانتخابيّة فيها.

أمّا شقيقتها الأكبر، “أزمة النازحين”، فكان حظّها أقلّ من ذلك بكثير. نقول: إنّها الأكبر نظرًا إلى كونها، من ناحية الحجم على الأقلّ، تشكّل ضعف الأولى. ذلك أنّه وفقًا لما تضمّنه “التقرير العالميّ لعام 2017 بشأن النزوح الداخليّ (GRID2017)”، فإنّ عدد النازحين داخليًّا في العالم يفوق عدد اللاجئين بنسبة شخصين إلى واحد. كما أشار التقرير نفسه إلى حالة التهميش والإهمال التي تطال مشكلة النزوح الداخليّ في عمليّات السياسة العالميّة، مقابل التركيز في الآونة الأخيرة على اللاجئين والمهاجرين.

هذا القصور في التعامل مع مسألة النزوح لا يقتصر على الجانب العمليّ وسياسات الدول تجاهها فحسب، وإنّما يشمل أيضًا البنية القانونيّة والتشريعيّة المتّصلة بالموضوع. فالمعاهدات والاتفاقيّات الدوليّة، والقانون الدوليّ والدوليّ الإنسانيّ، بوجهٍ عامٍّ، ركّزت على اللجوء وكلِّ ما يتعلّق باللاجئين، حيث هناك العديد من القوانين والمعاهدات والاتفاقيّات الدوليّة التي تنظّم حقوقهم وتحدّد مسؤوليّات الدول تجاههم وكيفيّة حمايتهم وما إلى ذلك، في حين أنّ الموضوع يختلف في حالة النزوح الداخليّ، وبالكاد يوجد إطار قانونيٌّ بمرجعيّةٍ دوليّةٍ يتناول المسألة.

لعلّ من أهمّ الوثائق في هذا الشأن “المبادئ التوجيهيّة بشأن النزوح الداخليّ”، التي قُدّمت إلى الأمم المتّحدة عام 1998، وحدّدت بموجبها المبادئ الخاصّة بحقوق النازحين داخليًّا، والتزامات الحكومات والجهات غير الحكوميّة تجاه هؤلاء المواطنين. تهدف هذه المبادئ إلى القضاء على أسباب النزوح القسريِّ وتوفير الحماية الوطنيّة والدوليّة للنازحين بمجرّد حدوث النزوح، وهي تعتمد معايير القانون الدوليّ لحقوق الإنسان والقانون الدوليّ الإنسانيّ، بحيث تبيّن بشكلٍ مفصّلٍ المسؤوليّات المنوطة بالحكومات المعنيّة والمنظّمات الدوليّة، وكذلك الأشخاص والمجموعات الأخرى (كالجماعات المقاتلة والميليشيات) في علاقتهم مع النازحين داخليًّا. غير أنَّ ما يُفقد هذه “المبادئ التوجيهيّة” فاعليّتها هو أنّها ليست وثيقةً قانونيّةً ملزمةً بذاتها كالمعاهدات الدوليّة مثلًا، وليس هناك آليّاتٌ تنفيذيّةٌ تدعمها لتلزم المعنيّين بالتقيّد بها، أو تقود إلى محاسبتهم على مخالفتهم لها.

تزداد الأمور تعقيدًا بالنظر إلى وجود صعوباتٍ جمّةٍ تعترض سبل العمل على التخفيف من معاناة النازحين داخل بلادهم، ابتداءً من صعوبة الوصول إليهم نتيجة الظروف الأمنيّة وبيئة العمل المحفوفة بالأخطار، ولاسيّما في مناطق النزاعات المسلّحة، وكذلك العوائق ذات الطابع البيروقراطيّ، إن جاز التعبير، مثل إمكان عقد اتفاقيّاتٍ وتفاهماتٍ تتيح للمنظّمات الدوليّة العمل على الأرض وتوفير الحماية لكوادرها، أكان ذلك بالتنسيق مع الحكومات أو مع سلطات الأمر الواقع، من منظّماتٍ ومجموعاتٍ عسكريّةٍ غير نظاميّة (ميليشيات)، قد يكون بعضها مدرجًا على لوائح الإرهاب، وهذا من شأنه أن يجعل إمكان وصول المنظّمات الدوليّة إلى النازحين أمرًا شبه مستحيل.

على أنّ الركون إلى هذه الحجّة لن يصمد، وسيفقد مبرّراته إذا ما جرت مقاربة قضيّة النزوح الداخليّ من منظار القانون الدوليّ لحقوق الإنسان، فهذا القانون يشكّل منظومةً من القواعد الدوليّة المصمَّمة لحماية وتعزيز حقوق الإنسان للجميع، أي إنّ شموله لا يتحدّد وفقًا لأيِّ نطاقٍ جغرافيٍّ معيّنٍ أو وضعيّةٍ قانونيّةٍ محدّدةٍ للأفراد، فقد نصّ على حماية الحقوق الطبيعيّة لدى بني البشر كافة، بصرف النظر عن جنسيّتهم أو مكان إقامتهم، أو نوع جنسهم، أو أصلهم القوميّ أو العرقيّ، أو لونهم، أو ديانتهم، أو لغتهم، أو أيِّ مكانة أخرى، حقوق مترابطة ومتداخلة وغير قابلةٍ للتجزئة. وبالتالي، لا يختلف في هذا أن تكون حالة الشخص هي “اللجوء” أو “النزوح”، فكلاهما في البلاء سواء، ولا يقلّل من وطأة الكارثة أنّها دفعت بالمرء إلى مغادرة داره إلى خارج بلاده أو إلى مناطق أخرى منها. ولو أنّ هناك إرادةً دوليّةً جادّةً في حماية النازحين أو التقليل من معاناتهم، لن يكون من الصعب استصدار القرار الأمميّ اللازم والتدخّل مباشرة لدواعٍ إنسانيّة، استنادًا إلى القانون الدوليّ.

* كاتب سوري. باحث في مركز دراسات الجمهورية الديمقراطية.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: