مدخل إلى أطوار النزوح في الرقة

0

بدأ النزوحُ الكبير من الرقة في أواخر عام 2014، بعد أشهرٍ من هزيمة النظام الأسديّ فيها في 6 آذار/ مارس 2013؛ أي بعد استفراد داعش بحكم المدينة إثر صراعٍ مع الفصائل التي طردت النظام منها. ففي 4 كانون الثاني/ يناير 2014، بدأت المعركة الأخيرة بين التنظيم وجبهة النصرة، لتنتهي بعد ثمانية أيامٍ لمصلحة داعش.

بالعودة إلى ربيع عام 2011، وعلى الرغم من انحياز شباب الرقة إلى صفوف الثورة منذ أوّل مظاهرةٍ ضدّ النظام يوم 25 آذار/ مارس 2011، ظلّت مظاهراتها صغيرةً، و”طيَّارة”، وبعيدةً عن الإعلام، وكان عدد الاعتقالات بالمئات ليس أكثر، بينما تأخّر سقوط الشهيد “علي البابنسي”، كأوّل شهيدٍ في الرقة، إلى يوم الخميس 15 آذار/ مارس 2012، أي بعد عامٍ كاملٍ على انطلاق الثورة.

في هذا الجوِّ الآمن نسبيًّا، استمرّت الرقة في استقبال النازحين من مدن وأرياف حمص، وديرالزور، وريف دمشق، وحلب، هروبًا من بطش النظام، واشتداد المعارك بينه وبين الفصائل المسلّحة المعارضة، طوال أعوام الثورة حتى ما قبل بدء العمليات العسكرية باتجاه الرقة في حزيران/ يونيو الماضي من قبل “قوّات سوريا الديمقراطيّة” المدعومة من التحالف الدوليّ ضدّ داعش. ففي عامي 2015 و2016، استقبلت المدينة موجاتٍ من النازحين من “السخنة”، و”تدمر”، فضلًا عن لاجئين من “الموصل” و”تلعفر” و”القيارة” من العراق في أواخر عام 2016، بعد اشتداد المعركة ضدّ التنظيم هناك.

وفي الأشهر السابقة على هزيمة النظام في الرقة عام 2013، بعد قتالٍ استغرق ساعتين فقط، أمام “حركة أحرار الشام”، و”جبهة النصرة”، وفصائل أخرى، من بينها “لواء ثوّار الرقة”، قدَّر أصدقاء عدد السكّان في الرقة بمليون ونصف المليون نسمة، قياسًا على درجة الازدحام في الشوارع والأسواق، وليس برصدٍ أو إحصاءٍ حقيقيٍّ. تلك التقديرات تنخفض إلى نحو 800 ألف نسمةٍ استنادًا إلى قوائم الجمعيّات الخيريّة الموجودة مسبقًا، أو التي تشكّلت بشكلٍ طارئٍ لتقديم المساعدات للنازحين الذين هرب معظمهم من مدنهم وقراهم بأرواح أطفالهم فحسب.

وفي الأصل، عدد سكّان الرقة مختَلَفٌ عليه لأسبابٍ عديدة؛ منها أنّ مدينة الرقة مستقطبةٌ للسكّان منذ عشرات السنين، ولاسيّما بعد إتمام إنشاء سدِّ الفرات في بداية السبعينيّات، ويصل عدد المقيمين فيها إلى رقمٍ مماثلٍ لعدد سكّانها. وهؤلاء ليسوا فقط من المهاجرين إليها من ريفها الواسع (مساحة المحافظة 19.160 ألف متر مربع)، بل من جميع المحافظات السوريّة الأخرى، نتيجة تناقص نصيب الفرد هناك من المساحات الزراعيّة، واكتظاط الدوائر الحكوميّة بالموظّفين، في مقابل وفرة الأراضي الزراعيّة في الرقة، وعزوف أبناء الرقة عن الوظائف الحكوميّة، والمهن اليدويّة. لكن هذه النظرة إلى الوظيفة الحكوميّة تغيّرت منذ منتصف ثمانينيّات القرن الماضي، وأصبحت الواسطة، أو الرشاوى بعشرات أو مئات آلاف الليرات “ثمنًا” لوظيفةٍ حكوميّةٍ، راتبها لا يتجاوز ثلاثة آلاف ليرة سورية في أواخر الثمانينيّات.

النزوح الكبير من الرقة بدأ في أواخر عام 2013، عندما سيطر داعش على الرقة منفردًا، وبدأ بالتضييق على الناس، ووصل النزوح ذروته في عام 2014، وبلغ حدَّ الكارثة في عام 2015، على الرغم من أنّ الخروج من الرقة أصبح مخاطرةً بالنفس في مواجهة داعش، إضافة إلى دفع تكاليف خدمات مهرّبي البشر، بعد منع داعش خروج أيّ فردٍ، أو عائلةٍ إلى “بلاد الكفر” إلّا للاستشفاء.

التهريب وقتها كان في اتّجاه حلب وصولًا إلى تركيا، أو في اتّجاه حماة، والساحل، ودمشق، في رحلةٍ تستغرق أكثر من عشرين ساعة، على اعتبار أنّ “داعش” سيطر على محافظة الرقة كاملة.

وبلغ عدد سكّان محافظة الرقة، وفق المكتب المركزيّ للإحصاء عام 2011، مليونًا وثمانية آلاف نسمة، نقدّر أنّ 40 في المئة منهم يعيشون في الرقة، ولاسيّما بعد الهجرة الكبيرة من الريف إلى المدينة في الثلاثين سنة السابقة على عام 2011؛ أي إنّ العدد يقترب من 400 ألف نسمةٍ. ومع الإشارة إلى أنّ تقدير المكتب المركزيّ للإحصاء يستند فقط إلى المسجّلين في الدوائر المدنيّة في الرقة (النفوس)، يمكن إضافة ما لا يقلّ عن 200 ألف نسمةٍ مسجّلين في محافظاتٍ أخرى، ممّن لم يستقرّوا في الرقة نهائيًّا وينقلوا سجلّاتهم المدنيّة إليها، ليصبح العدد التقديريّ لمن يسكنون الرقة 600 ألف نسمة، في مقابل 608 ألف نسمةٍ على الأقلّ يسكنون خارج مركز المحافظة (قياسًا على أرقام المكتب المركزيّ للإحصاء).

أي إنّ سكّان المحافظة يتجاوز عمليًّا 1.2 مليون نسمةٍ، بل أكثر من ذلك، على اعتبار أنّ مدنَ وبلدات وقرى الرقة استقطبت عددًا كبيرًا أيضًا من سكّان المحافظات السوريّة الأخرى قبل عام 2011.

أمّا عن النزوح الكبير من المدينة في أواخر عام 2013، والأشهر الأولى من عام 2014، والذي شمل المحافظة كلّها بعد سيطرة التنظيم عليها، حين بدأ داعش يضيّق على تفاصيل حياة الناس، فبدأ من سكّان الرقة “الأصليّين”، على اعتبار أنّ هؤلاء لديهم صلاتٌ في ريف الرقة، أو يمتلكون ما يعينهم على النزوح إلى حماة، وريف حمص، واللاذقية، وطرطوس، ودمشق، أي إلى وجهاتٍ تحت سيطرة النظام الأسديّ، أو بالاتجاه للجوء إلى تركيا القريبة نسبيًّا، على الرغم من أخطار وصعوبات الرحلة.

أمّا النازحون من مناطق قتالٍ متوتّرةٍ إلى الرقة، فلم يمتلكوا خيار العودة إلى بيوتهم، لأنّ البيوت مدمّرةٌ أصلًا، أو لأنّهم لا يمتلكون ما يساعدهم على العودة والعيش، أو لأنّهم خائفون من العودة إلى مدنهم وقراهم التي كان القتال فيها مستمرًّا حتى الأشهر الأولى من عام 2017.

هذا يعني أنّ الأغلبيّة العظمى من النازحين من الرقة إلى مناطق يسيطر عليها النظام الأسديّ، واللاجئين منها إلى تركيا، كانوا من أبناء الرقة “الأصليّين”، حتى أصبح عدد من نزحوا من مدنٍ أخرى إلى الرقة أكثريّة، قياسًا على من بقي في الرقة من أهلها. وكقرينةٍ على ذلك، روى لي أكثر من صديقٍ أنّه كان يمشي في شوارع المدينة لأكثر من ساعةٍ من دون أن يصادف أحدًا يعرفه.

وفي أواخر عام 2016، كانت التقديرات المتداولة صحفيًّا لا تتكلّم عن أكثر من 150 ألف نسمةٍ في الرقة، أكثريّتهم من النازحين إليها ومن عناصر داعش المهاجرين، بعد خروج معظم أنحاء المحافظة من يد داعش، وتقدّم “قوّات سوريا الديمقراطيّة” في اتّجاه المدينة. هذا العدد التقديريّ تناقص بسرعةٍ نتيجة تزايد “تهريب” السكّان، حتى وصلت تكلفة تهريب الشخص الواحد إلى 300 دولار أميركيّ، مع وجود “أسعارٍ مخفّضة” للأطفال.

ومع اقتراب الأوّل من نيسان/ أبريل 2017، كبدايةٍ مفترضةٍ لمعركة الرقة، وتزامن ذلك مع إشاعة خطر انفجار سدّ الفرات، تزايد خروج السكّان المدنيّين من المدينة، من أبناء الرقة، ومن النازحين إليها هذه المرّة، فانخفضت تقديرات المقيمين في الرقة في أسابيعَ إلى ما دون مئة ألف نسمةٍ، ثمّ إلى خمسين ألف نسمة. والآن لا تتعدّى أكبر التقديرات ثلاثين ألف نسمة، مع تراجعٍ كبيرٍ في النزوح تصاعد العمليات الحربية ضدّ داعش، وألغام داعش المزروعة في أنحاء المدينة كلّها، ولاسيّما مخارجها.

روى لي أحد الأقرباء، أنّ الحياة في الرقّة هذه الأيام تساوت عنده بالموت بقذيفة مدفعٍ، أو برصاصة قنّاص، أو الموت جوعًا أو خوفًا، فخرج في الأسبوع الأخير من شهر آب/ أغسطس الماضي، من بيته في المنطقة التوسّعيّة (غربي وسط المدينة)، مع أفراد أسرته نحو شرقي مدينة الرقة، وصولًا إلى “دوّار الدلّة”، ثمّ ساروا في اتّجاه الجنوب وعبروا الفرات وصولًا إلى إحدى قرى الرقة جنوب الفرات. لم يشاهدوا خلال رحلتهم التي استغرقت أكثر من ساعتين مدنيًّا واحدًا، أو عنصرًا واحدًا من “داعش”، أو من “قوَات سوريا الديمقراطيّة”، داخل المدينة، ولم تلمس أقدامهم الطريق الإسفلتيّة، أو التراب، خلال تلك الساعات، فقط كانوا يمشون بصعوبةٍ فوق ركام البيوت المدمّرة، التي كانت تنفث غبارها في الساعات الأولى من ذلك النهار.

 

*كاتب وصحافي سوري.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: