في نقد الاستجابة الإقليميّة لمنظّمة الهجرة الدوليّة للأزمة السوريّة

0

وفقًا للمنظّمة الدوليّة للهجرة، فإنَّ كلَّ لاجئٍ مهاجر. وبناءً على هذا التعريف، تعمل المنظّمة بين النازحين السوريّين واللاجئين في الدول المجاورة، ولها خطّةٌ تسمّيها «الاستجابة الإقليميّة لمنظّمة الهجرة الدوليّة للأزمة السوريّة». في هذه الخطّة تدّعي المنظّمة الدوليّة للهجرة أنّها تقدّم المساعدة للسكّان المتضرّرين داخل سورية، وللاجئين السوريّين في البلدان المجاورة أيضًا. وتهدف المنظّمة إلى توفير الاحتياجات المنقذة لحياة المشرّدين واللاجئين السوريّين، وتقديم المساعدة للمجتمعات الضعيفة المضيفة.

ومع استمرار الصراع في سورية، فإنّ أوضاع السوريّين الذين يحتاجون إلى المساعدة تستمرُّ في النموّ. ووفقًا لأرقام المنظّمة الدوليّة للهجرة، هناك ما يقرب من 6.3 مليون سوريٍّ مشرّدٍ داخليًّا يحتاجون إلى المأوى والغذاء والخدمات الصحيّة. ويقدّر أنّ نحو 13.5 مليون سوريٍّ سوف يكونون في حاجة إلى مساعداتٍ إنسانيّةٍ في عام 2017. وإضافة إلى ذلك، هناك أكثر من 5 ملايين سوريٍّ لجؤوا إلى البلدان المجاورة (تركيا والأردن ولبنان والعراق ومصر). يواجه اللاجئون السوريّون تحدّياتٍ في الحصول على العمل، والمساعدة الصحيّة، والتعليم لأطفالهم. وخلال عام 2017، ستقوم المنظّمة الدوليّة للهجرة بتوسيع نطاق الحماية الحرجة، وعمليّات إنقاذ الأرواح والإنعاش المبكّر والقدرة على الصمود لتلبية احتياجات السوريّين، وهم يكافحون للتغلّب على الأزمة التي طال أمدها.

وفي ظروفٍ معقّدة كهذه، تعمل المنظّمة الدوليّة للهجرة بين اللاجئين السوريّين، وتنشر تقاريرَ شهريّةً عن أنشطتها، تتناول حجم وطبيعة عمليّاتها. على سبيل المثال، ذكر تقريرٌ نشر في شباط / فبراير 2017، أنّ المنظّمة الدوليّة للهجرة قدّمت مساعدةً فرديّةً لـ 330,289 سوريًّا، منهم 189,831 سوريًّا موجودون داخل سورية، في حين أشار التقرير إلى أنَّ العدد الإجماليَّ للأشخاص المحتاجين إلى المساعدة خلال ذلك الشهر كان 17.3 مليون شخص. وهذا يعني أنّ المنظّمة الدوليّة للهجرة ساعدت أقلّ من 2 في المئة من العدد المستهدف. في حين قُدّرت الاحتياجات التمويليّة لعام 2017، بنحو 223 مليون دولارٍ، فإنّ التمويل الذي تلقّته المنظّمة كان 7.7 مليون دولارٍ أميركيّ أو ما يقرب من 7 في المئة من الرقم المقدّر. وأشار التقرير أيضًا إلى أنّ قطاعات المساعدة الرئيسة هي كما يلي: توزيعات الموادّ غير الغذائيّة، والمأوى، والصحة، والمساعدة في النقل، والدعم النفسيّ الاجتماعيّ، وسبل العيش.

ووفقًا لهذه الأرقام، فإنّ المنظّمة تعاني من فجوةٍ هائلة؛ من حيث النسبة المئويّة التي يغطّيها العدد الإجماليّ للأفراد المستهدفين، وكذلك من حيث مقدار التمويل المطلوب لتغطية عمليّاتها. وهذه ليست هي العوائق الجوهريّة الوحيدة التي تحدُّ من أهميّة العمل الذي تقوم به المنظّمة داخل سورية، أو حتى في الدول المجاورة؛ فهناك عقباتٌ تكمن في طبيعة الهيكل التنظيميّ للمنظّمات الدوليّة نفسها والقوانين التي تحكم عملها الذي أعتزم مناقشته في الفقرات التالية.

بصورةٍ عامّة، تعاني المنظّمات الحكوميّة الدوليّة من تضخّمٍ مفرطٍ في بيروقراطيّتها؛ من حيث عدد الموظّفين الكبير مقارنة بحجم عمليّاتها، ومن حيث إجراءات الاستجابة للأزمات العاجلة أو الطويلة الأجل. فالمنظّمة الدوليّة للهجرة لديها نحو تسعة آلاف موظّفٍ! وهذا الرقم يشمل عدد الموظّفين الدائمين، ومع إضافة الموظّفين المؤقّتين (عندما تتعامل المنظّمة مع الأزمات) إليهم، فإنّ العدد سيزداد كثيرًا. على سبيل المثال، وفقًا لتقرير المنظّمة المذكور أعلاه، فإنّ عدد الموظّفين العاملين في سورية هو 888 موظّفًا، منهم 85 موظّفًا دوليًّا. ووفقًا للتقرير الماليّ للمنظّمة لعام 2015، بلغت النفقات الإداريّة والتشغيليّة نحو 1.6 مليار دولار. وهو رقمٌ ضخمٌ بغضِّ النظر عن المبرّرات المحاسبيّة التي تقدّمها ميزانيّة المنظّمة السنويّة، إذا ما نظرنا إلى الأثر الذي يتركه عمل المنظّمة على الأرض. ولجعل هذه النقطة أكثر وضوحًا حول جيش الموظّفين البيروقراطيّين، فإنّ معظم عمليّات المنظّمة الدوليّة للهجرة تماشي عمليّات المفوّضيّة العليا لشؤون اللاجئين وتتداخل مع منظّماتٍ أخرى.

ومن خلال تعامل المنظّمات الدوليّة مع أزمة اللاجئين في سورية، يسهل ملاحظة أنّ معظم الموظّفين يسافرون في درجة رجال الأعمال، وينامون في فنادقَ فخمةٍ، وينظّمون فيها ندواتهم التي تهدف إلى خدمة اللاجئين، الذين ينامون في العراء أو الخيام، ويعانون من المجاعة. وقد يبدو ذلك مبرَّرًا فيما لو كان هؤلاء الموظّفون تابعين لصندوق النقد الدوليّ أو البنك الدوليّ أو منظّماتٍ أخرى تخصُّ قطاع الأعمال، أو على الأقلّ لا تتوجّه لجياعٍ ومشرَّدين.  ذلك أنّ هذه المبالغ تصرف من التبرّعات الواردة باسم المشرَّدين والنازحين واللاجئين والمحاصرين والجوعى.

وتهتمُّ المنظّمات الدوليّة، والمنظّمات الحكوميّة الدوليّة، ولاسيّما المنظّمات العاملة في دول الشرق الأوسط التي “تُصدِّر اللاجئين”، بصحة الدورة المستنديّة للفواتير. فإذا كانت هذه الفواتير أو النفقات تفي بالمعايير المحاسبيّة المقبولة عمومًا، فهذا يكفي؛ حيث لا توجد معاييرُ أخرى لتتبّع النفقات، مثل التفتيش والتدقيق، ولا توجد دراساتٌ تقارن بين حجم المخرجات الفعليّة وحجم المدخلات. وإضافة إلى ذلك، تهتمّ المنظّمات وتركّز على الحصول على الصور ومقاطع الفيديو التي تسلّط الضوء على موظّفيها وهم يسلّمون سلال الطعام إلى الجوعى “ومن الأفضل أن يبدو هؤلاء بائسين”. وتنشر هذه المنظّمات صورًا لموظّفيها، وهم يقفون أمام مجموعةٍ من الناس الأميّين أو الجياع في الغالب في البلد المستهدف يشرحون لهم “آليّات بناء القدرات لصنع قالبِ كيك بنكهةٍ فرنسيّة”. على سبيل المثال، تضمّن تقرير المنظّمة المذكور أعلاه هذا النشاط حرفيًّا “لبنان: في فبراير/ شباط، قام فريق الصحّة النفسيّة والدعم النفسيّ والاجتماعيّ التابع للمنظّمة الدوليّة للهجرة بأنشطةٍ نفسيّةٍ اجتماعيّةٍ مختلفةٍ للأطفال الذين يعيشون في ملاجئ جماعيّةٍ في لبنان، وتناولت هذه الأنشطة مواضيع المرونة في حلِّ النزاعات، القيادة والوعي الذاتيّ والمحفّزات”.

 

والشيء الأكثر فداحةً من وجهة نظري في ما يتعلّق بوضعٍ كوضعِ سورية، هو أنّ المنظّمات الدوليّة، وفقًا لقوانين الأمم المتّحدة أو دساتيرها الداخليّة، تتعامل مع الدول. وفي الحالة السوريّة، أدّى هذا الوضع إلى التعامل مع النظام الديكتاتوريّ نفسه الذي يقتل ويضطهد شعبه؛ فقد نشرت صحيفة “الغارديان” تقريرًا، ناقش كيف يتحكّم نظام الأسد في المساعدات التي تقدّمها الأمم المتّحدة للسوريّين. ويحدّد التقرير العشرات من الصفقات التي تثير تساؤلاتٍ جديدةً حول دور الأمم المتّحدة في سورية، ونزاهتها. وقد ذكر تقرير “الغارديان” أنَّ الأمم المتّحدة منحت عشرات الملايين من الدولارات لمساعدين مقرّبين لرئيس النظام في سورية كجزءٍ من برنامج المساعدات الإنسانيّة الذي ينظر إليه النقّاد على أنّه يتمّ التحكّم به من قبل بشار الأسد. وقد استفادت من هذه الصفقات، بحسب تحقيق “الغارديان”، شركاتٌ في سورية تخضع لعقوباتٍ من الأمم المتّحدة والولايات المتّحدة والاتّحاد الأوروبيّ، فضلًا عن وزارات حكومة الأسد والمنظّمات الخيريّة التابعة له، بما في ذلك منظّمة أنشأتها أسماء الأسد، زوجة بشار الأسد، وأخرى أنشأها قريبه رامي مخلوف.

وتقول الأمم المتّحدة: إنّها مضطرّةٌ للعمل مع عددٍ قليلٍ من الشركاء الذين وافق عليهم رئيس النظام السوريّ، وإنّها تبذل كلَّ ما في وسعها لضمان إنفاق الأموال والمساعدات في مكانها الصحيح. ويقول النقّاد: إنّ بعثة الأمم المتّحدة تخاطر بفقدان فاعليّتها، برؤية المساعدات تتّجه بشكلٍ أساسيٍّ إلى المناطق الخاضعة لسيطرة النظام، وإنّ الأمم المتّحدة تعزّز بالفعل نظامًا مسؤولًا عن مقتل مئات الآلاف من مواطنيه.

وذكرت صحيفة “الغارديان” أنّ الدراسة التي قام بها الأكاديميّ “رينود ليندرس” وشارك بعض النتائج التي توصّل إليها مع “الغارديان”، تعزّز هذه المخاوف، وتبيّن الأرقام أنّ 900 مليون دولارٍ من 1.1 مليار دولار في خطّة الأمم المتّحدة للاستجابة للأزمة السوريّة لعام 2015، أُنفِقت على المساعدات التي نُقلت عبر مدينة دمشق الخاضعة لسيطرة السلطات السوريّة إلى حدٍّ كبير. ووفقًا لتقرير “الغارديان”، تُظهر نتائج تحليل وثائق مشتريات الأمم المتّحدة أنّ وكالاتهم أقامت شراكاتٍ تجاريّةً مع ما لا يقلّ عن 258 شركةً سوريّة، دفعت فيها مدفوعات لكلِّ شريكٍ تتراوح بين

000 30 دولار و36 مليون دولار وحتى 54 مليون دولار.

وفي تقرير كتبه “غوتمان” ونشرته “فورين بوليسي”، أشار إلى “مفاجأةٍ كبيرةٍ” عند قراءة خطّة الأمم المتّحدة للاستجابة الإنسانيّة في سورية، والتي نُشرت في 29 كانون الأوّل/ ديسمبر 2016، فقد وجد أنّ الأمم المتّحدة، بعد التشاور مع نظام الأسد، غيّرت وحذفت عشرات المقاطع لمعلوماتٍ مهمّةٍ وأساسيّة من أجل رسم صورةٍ أكثر إيجابيّة للنظام السوريّ. وبالمقارنة مع الصيغة النهائيّة المنشورة لخطّة الأمم المتّحدة والمشروع الذي اطّلعت عليه “فورين بوليسي”، فقد حذفت عشر إشاراتٍ لكلمة “محاصرة” أو “مناطق محاصرة”، مثل مضايا، التي شهدت وفاة 23 شخصًا من الجوع خلال عدّة أشهر من الحصار قبل وصول قافلة مساعدات الأمم المتّحدة. كما لم يذكر تقرير الأمم المتّحدة أيَّ شيءٍ عن البراميل المتفجّرة التي أسقطها النظام بشكلٍ عشوائيٍّ على المناطق المأهولة بالسكّان، وحذف كلّ ذكرٍ للجماعات المدنيّة السوريّة التي توصل المساعدات إلى المحتاجين في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة.

وكانت بعض وكالات الأمم المتّحدة قد أعربت عن قلقها من أنّ حكومة بشار الأسد تسيطر على توزيع المساعدات الإنسانيّة. ووفقًا لمسؤولٍ في الأمم المتّحدة في دمشق، نُقل عنه قوله: إنّ فرق الأمم المتّحدة العاملة في سورية عرفت منذ البداية أنّ الحكومة السوريّة والمنظّمات التي اعتمدتها للعمل مع الأمم المتّحدة ليست ملتزمةً بمبادئ العمل الإنسانيّ أو الاستقلال أو الحياد. ويضيف أنّ هذه المبادئ وُضعت جانبًا لتلبية مطالب حكومة النظام للسماح بإدخال المساعدات الإنسانيّة.

هذا التقرير قدّم في نسخته الإنكليزيّة لقسم العلاقات الدوليّة في جامعة “مالمو”.

Bibliography

Hopkins, Nick and Beals, Emma (2016) ‘How Assad regime controls UN aid intended for Syria’s children’. The Guardian (29 Aug 2016). Online: https://www.theguardian.com/world/2016/aug/29/how-assad-regime-controls-un-aid-intended-for-syrias-children (last accessed: 28/05/2017).

IOM (2017) ‘IOM Regional Response to the Syria Crisis Sitrep February 2017’. Online: https://www.iom.int/sites/default/files/situation_reports/file/IOM_Regional_Response_to_the_Syria_Crisis_Sitrep_February_2017.pdf (last accessed: 28/05/2017).

IOM (2017) ‘IOM Appeals for USD 234 Million to Help Displaced Syrians, Host Communities in Syria and Region’. Online:  http://www.iom.int/news/iom-appeals-usd-234-million-help-displaced-syrians-host-communities-syria-and-region (last accessed: 28/05/2017).

IOM (2016) ‘Financial Report for the Year Ended 31 December 2015’. Online: https://governingbodies.iom.int/system/files/en/council/107/C-107-3%20-%20Financial%20Report%20for%202015.pdf (last accessed: 28/05/2017).

Gutman, Roy (2016) ‘How the U.N. Let Assad Edit the Truth of Syria’s War’ Foreign Policy (27 Jan 2016). Online: http://foreignpolicy.com/2016/01/27/syria-madaya-starvation-united-nations-humanitarian-response-plan-assad-edited/ (last accessed: 28/05/2017).

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: