نازحو السويداء: بين الغربة والاغتراب

0

لم يكن شعار “الشعب السوريّ واحد” الذي أُطلق في بداية الاحتجاجات السوريّة في آذار/ مارس 2011، حقيقةً مستقرّةً في وعي السوريّين لذاتهم بوصفهم شَعبًا لا شُعبًا، بقدر ما كان هدفًا ورغبةً عندهم في تجاوز أزمة “التشظّي” المجتمعيّ التي وصلوا إليها. فكان هناك مستويان متجذّران في بنية المجتمع السوريّ: ظاهرٌ وباطنٌ؛ ظاهرٌ يحكي عن “اللحمة الوطنيّة” و “حوار الأديان” وإلى ما هنالك، وباطنٌ يمور بالانقسامات الإثنيّة والطائفيّة والعشائريّة التي تعشّش في عمق البنية النفسيّة والفكريّة واللغويّة و”المثيولوجيّة” للمجتمع. وهذا ما تشير إليه التجمّعات السكنيّة المتجانسة في مدينةٍ غير متجانسةٍ كدمشق؛ فهناك مناطقُ يسكنها العلويّون، وأخرى يسكنها الدروز، وهكذا، وهي تتداخل مع الانقسامات الطبقيّة. كما كان هذا ظاهرًا في “الشلليّة” التي كانت تحكم العلاقات في المنشآت العامّة التعليميّة والخدميّة؛ فأبناء السويداء يتعرّفون إلى بعضهم في المدينة الجامعيّة في دمشق، وهكذا أبناء السلمية ودير الزور والحسكة… ويبقون –غالبًا- كجزرٍ معزولةٍ عن بعضها؛ كلُّ “شلّةٍ” تكتفي بذاتها وتنغلق على نفسها، وهو ما غذّته السلطة الأمنيّة عبر قمعها السياسة الوطنيّة الديمقراطيّة والفرز المغاير الذي تشترطه وتؤدّي إليه.

وبقيت الحال هذه إلى أن ضربت البنى الاجتماعيّة “الفوضى الخلّاقة”، متجسّدةً باحتجاجاتٍ كسرت جدار الصمت والخوف، فطفا إلى السطح ما كان مسكوتًا عنه، وظهرت الثنائيّات الضدّيّة التي تتحكّم في تكوين العقل السوريّ. فبدا لنا ما كانت تخفيه حقبة الاستبداد وتغذّيه في آن.

يقول الباحثون في علم النفس: إنّ أوّل مرحلةٍ لعلاج المرض هو اكتشافُ المشكلة، ثمَّ الإقرار فيها، ومن بعدها يصبح العلاج ممكنًا؛ وهذا ينسحب على المجتمعات المريضة أيضًا.

أمّا في ما يتعلّق بموضوعنا يقول “أبو محمد” من سقبا وهو نازح في مدينة السويداء: “نعم، بدأنا نتعرّف إلى بعضنا كسوريّين، فلا يمكنك أن تدرك فعل السوس في الخشب، ما لم يفعل المنشار فعله، الثورة كشفت السوس فينا”.

وعن تصوّراته عن مدينة السويداء قبل النزوح إليها قال: “لم تكن السويداء خيارًا في البداية إلّا أنّنا اضطررنا إليها بعد أن تقطّعت بنا السبل، فلا المجتمع يناسبنا؛ حيث نخاف الانحلال فيه، والتطبّع بعاداته. إضافة إلى ما علق في أذهاننا من خلال موروثنا (تغدّى عند الدرزي ونام عند المسيحيّ)، كنّا نعرف أنّ خصلة الكرم موجودةٌ لديكم، أمّا الآن فشعرنا بالأمان أيضًا”. وعن حالة القلق والخوف التي عاشها عند وصوله إلى السويداء قال: “على الرغم من الحفاوة التي استقبلنا فيها أهالي محافظة السويداء عند وصولنا، إلّا أنّنا كنّا في غاية الخوف والحذر. وفي قرارة نفسي كنت أقول: إنّ هؤلاء مدسوسون من المخابرات يريدون أن يُلحقوا بنا الأذى، وذلك بناءً على تصوّراتي المسبقة عن مدينة السويداء كمدينةٍ مواليةٍ للنظام، وبقيت ترافقني تلك الوساوس إلى أن توضّحت الصورة لديّ”.

“فاطمة” نازحة من درعا إلى السويداء تقول: “تركت بيتي هناك، ما زلتُ في نومي أسقي “القرنفل” و”الختمية” في الحديقة. أحلامي دائمًا تكون حيث كنت لا حيث أنا الآن. ثبّتت مخيّلتي تلك اللحظة التي فارقتُ فيها قطعةً من روحي التي بقيت هناك؛ في صحون “روميو وجولييت” التي ورثتها عن أمي، وأطباق القشّ، التي ساهمت في صنعها (أذكر أنّ وظيفتي كانت –آنذاك- مقتصرةً على تليين القشّ بالماء)، وفناجين “السجادة” و… تفاصيل تسكنني وتأبى الرحيل، وجهي ما زال معلّقًا في مرآة بيتي”، وتجهش في البكاء.

نعم يا “فاطمة”، كان الحدث فجائيًّا وصادمًا ومؤلمًا بحجم كارثة، تلك التفاصيل لا تُنسى فهي حياتنا. ومن يُقتلع من أرضه تبقى فيه ذاكرة الجذور التي، وإن أصبحت خارجها، تأخذ لون ترابها. لكن، هل تؤجّلين الحياة إلى أن تعودي؟

تخرج “فاطمة” من حزنها بسرعة غريقٍ لحظة النجاة: “إلّا أنّ هذه التجربة لم تكن سيّئة في المطلق، فقد جعلتنا نتعرّف إلى عاداتٍ غير عاداتنا ونتعامل معها، واستطعنا أن نثبت أنفسنا ونغيّر التصوّرات المسبقة عنّا”. وعند سؤالي لها: ما هو أفضل ما وجدته في السويداء؟ ضحكت “كالبكاء” وهي لا تزال تحاول التغلّب على حزنها، وقالت: “طبعًا، هو كأيِّ مجتمعٍ في سورية، فيه كثيرٌ من العادات الجيّدة، ولكن ما خطر في ذهني الآن هو أنّ الأسر هنا تكتفي بولدين أو ثلاثة أولاد، ولو كانوا إناثًا”.

لم يكن المجتمع في السويداء أفضل حالًا من ناحية تصوّراته عن باقي مكوّنات الشعب السوري؛ حيث كان هناك قسمٌ ليس بالقليل من أبناء محافظة السويداء ينظر إلى هؤلاء النازحين على أنّهم قد يجلبون خرابًا إلى المحافظة، ولاسيّما أنّ دخولهم إلى السويداء ترافق مع شائعاتٍ أطلقتها ماكينة سلطة الأسد الإعلاميّة، مفادها “أنَّ هؤلاء النازحين بينهم خلايا نائمةٌ قد تُحدث خللًا أمنيًّا في المحافظة”.  وعلى الرغم من هذا كلّه طغى الجانب الإنسانيّ على الموروثات الاجتماعيّة والدينيّة وعلى الانقسام السياسيِّ أيضًا. فلم تبق إغاثة النازحين حكرًا على ناشطي المحافظة فحسب، بل شارك فيها قسمٌ كبيرٌ من الأهالي بمختلف انتماءاتهم السياسيّة، وظهرت حملاتٌ تعنى بإغاثة النازحين كحملة “بيتي أنا بيتك” ولجان “المواطنة والسلم الأهليّ” وكثير من الفعاليّات المدنيّة التي نشطت في هذا المجال.

أمّا الآن، بعد مرور ستِّ سنواتٍ من الأحداث المتغيّرة. يدرك الناظر إلى المجتمع في السويداء أنّ الناس بدأت تتقبّل بعضها على ما هي عليه؛ فلم يعد يضحكهم اختلاف اللهجة أو يزعجهم اختلاف اللباس. باتوا الآن يستعيرون من بعضهم فنون الطبخ، وبعض الكلمات التي بدأت تتسرّب إلى الحقل المعجميّ لكلّ لهجة. كما لم تعد النظرة السائدة تعطي النازحين صفة “إرهابيّين” والمضيفين صفة “كفّار أو منحلّين أخلاقيًّا”.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: