تعنى باللاجئين والنازحين

مقاربة حقوقيّة للجوء السوريّ إلى لبنان

0

في مواجهة اللجوء السوريّ إلى لبنان، حصل إجماعٌ رسميٌّ وسياسيٌّ وإعلاميٌّ لبنانيٌّ (فيما عدا قلّة من الناشطين ذوي الرأي المستقلّ والعلميّ) على استبدال صفة اللجوء بـ “النزوح”. نحاول في زاويتنا الأولى التعامل مع هذه المغالطة المقصودة، بناءً على القانون الدوليّ الإنساني، والنظر في بعض الملابسات المتعلّقة به.

لاجئون وليسوا نازحين

وفق اللجنة الدوليّة للصليب الأحمر “اللاجئون هم أشخاصٌ عبروا حدودًا دوليّة ومعرّضون لخطر الاضطهاد في بلدهم الأصلي أو وقعوا ضحيّةً له، في حين أنّ النازحين لم يجتازوا حدودًا دوليّة ولكنّهم فرّوا أيضًا من ديارهم لسببٍ من الأسباب.” وتؤكّد اللجنة في تقرير على موقعها الإلكتروني بعنوان “اللاجئون والنازحون” أنّ اتفاقيّة عام 1951 توفّر “الإطار الرئيس لحماية اللاجئين ومساعدتهم. ويتمتّع اللاجئون بالحماية أيضًا بموجب قانون حقوق الإنسان العامّ، والقانون الدوليّ الإنسانيّ، إذا وجدوا أنفسهم في دولةٍ مشاركة في نـزاعٍ مسلّح”. وتضيف اللجنة: “تنصّ الأحكام العامّة للقانون الدوليّ الإنسانيّ على حماية اللاجئين المدنيّين في الدول التي تشارك في نـزاعٍ مسلّح، إلّا أنّهم يحظون أيضًا بحمايةٍ خاصّةٍ بموجب اتفاقيّة جنيف الرابعة والبروتوكول الإضافيّ الأوّل”. وتقرُّ هذه الحماية الإضافيّة “بضعف اللاجئين بصفتهم أجانبَ في يدي أحد أطراف النـزاع”.

وتقول اللجنة الدوليّة للصليب الأحمر: إنّه “لا توجد اتّفاقيّةٌ تتناول مسألة النازحين تعادل اتّفاقيّة 1951 المتعلّقة بوضع اللاجئين. إلّا أنّ القانون الدوليّ يحمي الأشخاص من النزوح ويوفّر لهم الحماية عندما ينزحون بموجب مجموعةٍ من القوانين، وهي:

– القانون الدوليّ لحقوق الإنسان والقانون الوطنيّ.

– القانون الدوليّ الإنسانيّ في حالة نزاعٍ مسلّحٍ.

– المبادئ الإرشاديّة المتعلّقة بالنزوح الداخليّ التي تقوم على هذين القانونين، والتي توفّر إرشاداتٍ مفيدةً بشأن جوانبَ محدّدةٍ للنـزوح”.

وعلى الرغم من أنّ مسألة النزوح غيرُ مشارٍ إليها في معاهدةٍ منفردة، إلّا أنّ القانون الدوليَّ الإنسانيَّ، ولاسيّما اتّفاقيّة جنيف وملحقاتها، تشدّد على حماية السكّان من النزوح وأثناءه بصفتهم مدنيّين. “ويضمن القانون الدوليّ الإنسانيّ وصولَ منظّمات الإغاثة والمنظّمات الإنسانيّة إلى اللاجئين والنازحين في حالات النزاع المسلّح. ويجب على أطراف النـزاع تسهيل توفير موادِّ الإغاثة مثل الأدوية والموادّ الغذائيّة والبطانيات والخيم”.

لبنان: خرقٌ “محميٌّ” للقانون الدوليّ

شهد لبنانُ انقسامًا على كيفيّة التعامل مع اللاجئين السوريّين منذ أن بدأت موجات اللجوء الجماعيّة جرّاء استهداف القرى والبلدات والمدن السوريّة بالأسلحة الثقيلة وبقصف الطيران، ابتداءً من أواخر 2011، ومطلع 2012؛ وهو انقسامٌ مبنيٌّ على الانحياز لأحد طرفي الصراع في سورية. فمعارضو الأسد اللبنانيّون، طالبوا بإقامة مخيّماتٍ للاجئين، وتسليمها إلى الأمم المتّحدة؛ ومؤيّدو النظام منهم رفضوا ذلك مطلقًا، الأمر الذي أوجد فوضى عارمةً في مسألة اللجوء وتأمين متطلّبات اللاجئين، ولاسيّما مع انتشار المخيّمات العشوائيّة، واضطرار أعدادٍ من اللاجئين إلى السكن في القرى والمدن، وتوجّهِ اللاجئين الفلسطينيّين من سورية إلى مخيّمات اللاجئين الفلسطينيّين في المناطق اللبنانيّة.

لكنّ المعارضين والمؤيّدين لنظام بشار الأسد توافقوا مع أدواتهم الدعائية والإعلامية، على توصيف هؤلاء بالنازحين، في تعميةٍ مقصودةٍ للقانون الدوليّ الإنسانيّ، وهربًا من الالتزامات بموجب القانون الدوليّ الإنسانيّ المنصوص عليها في اتّفاقيّة 1951؛ بل إنّ هذا التهرّبَ تمّت تغطيته من قبل الدول الغربيّة (أوروبا على وجه الخصوص)، من خلال التهرّب من الضغط على الحكومة اللبنانيّة للكفِّ عن التعامل غير اللائق وغير القانونيّ، بل غير الإنسانيّ في كثيرٍ من الأحيان، مع اللاجئين السوريّين في لبنان، بسبب الهلع الأوروبيّ من تدفّق اللاجئين إلى القارّة العجوز. وقد بدا ذلك واضحًا من خلال تلافي مندوبي تلك الدول في مجلس حقوق الإنسان، خلال المراجعة الدوريّة الأخيرة لوضع حقوق الإنسان في لبنان، من توجيه أيِّ لومٍ إلى لبنان، بل إشادة تلك الدول بما يقدّمه لبنان للاجئين، وذلك وفق مشاركين من منظّمات المجتمع المدنيّ السوريّ والفلسطينيّ في إعداد أحد التقارير الموازية لوضع حقوق الإنسان في سورية.

يقول الصحافيّ اللبنانيّ والناشط السياسيّ والمدنيّ ثائر غندور في مقالة نشرها موقع “رصيف 22” الإلكتروني: “تُصرّ الحكومات اللبنانيّة المتعاقبة منذ عام 2011 (ثلاث حكومات) على تسمية اللاجئين السوريّين في لبنان بالنازحين”. يظهر هذا الأمرُ واضحًا في البيان الوزاريّ لحكومة الرئيس سعد الحريري الذي جاء فيه: “إذ تؤكّد الحكومة التزامها مواصلة العمل مع المجتمع الدوليّ لمواجهة أعباء النزوح السوريّ واحترام المواثيق الدوليّة، فإنّ الدولة تشير إلى أنّها لم تعد تستطيع وحدها تحمّل هذا العبء الذي أصبح ضاغطًا على وضعها الاجتماعيّ والاقتصاديّ والبنيويّ بعدما وصل عددُ النازحين إلى أكثر من ثلث مجموع سكّان لبنان”. ويضيف: “صحيحٌ أنّ لبنان لم يوقّع هذه الاتّفاقيّة، لكن هذا لا يعفيه من تطبيق مبادئها الأساسيّة، مثل: وجوب عدم طرد اللاجئ أو إعادته إلى أوضاعٍ تهدّد حياته وحرّيّته، وتأمين السكن والتعليم والإغاثة والأوراق الثبوتيّة”. ويؤكّد أنّه “لهذه الأسباب، يُصرّ المسؤولون اللبنانيّون على استخدام مصطلح نازحٍ بدل لاجئ، رغم كونه خاطئًا. هل هي رغبةٌ بعدم تحمّل المسؤوليّة؟”

وقال لي متطوّعٌ غربيٌّ في إحدى المنظّمات الدوليّة المعنيّة بمسألة اللاجئين السوريّين: إنّ مندوبي الحكومة اللبنانيّة يفرضون على الوكالات التابعة للأمم المتّحدة، استخدام وصف “نازحين” على اللاجئين السوريّين، ولا يقدّمون أيَّ تسهيلاتٍ ما لم تلتزم تلك الوكالات بهذا التوصيف.

وسمح الغطاء الدوليّ للبنان بارتكاب الكثير من التجاوزات بحقِّ اللاجئين، وقد أحصت الشبكة السوريّة لحقوق الإنسان، في تقريرٍ أصدرته في 27 شباط/ فبراير 2017، عنوانه “بلا حماية بلا حقوق: اللاجئون السوريّون في لبنان بين العنصريّة وحرمان الحقوق وخطر الطرد والتسليم للنظام”، مشيرةً في عناوينَ فرعيّةٍ للتقرير إلى أنّ تلك التجاوزات للاجئين السوريّين الذين يقدّرون بـ 1,7 مليون لاجئ، هي على النحو التالي: الاستغلال في العمل، والتعامل العنصريّ، والاستغلال الجنسيّ، والحرمان من الحماية القضائيّة، والحرمان من الرعاية الصحيّة، والحرمان من التعليم، والتسوّل، وولادات غير مسجّلة، واعتقال وخطف وتعذيب وتسليم إلى النظام السوريّ.

كما سعت الأجهزة اللبنانيّة ذات الصلة إلى الإيحاء بالتخفيف من الإجراءات غير القانونيّة بحقِّ اللاجئين

السوريّين من خلال قرارٍ اتُّخذ أخيرًا بتخفيض الرسوم على إقامة السوريّين في لبنان، وقالت “هيومن رايتس ووتش” بهذا الشأن في بيانٍ: “إنّ قرار إلغاء الرسوم الباهظة التي منعت العديد من السوريّين من الحفاظ على وضعٍ قانونيٍّ في لبنان هو خطوةٌ إيجابيّةٌ. لكن يبدو أنّ القرار يستبعد عددًا من اللاجئين الأكثر عرضة للخطر”. وأضافت المنظّمة الحقوقيّة الدوليّة أنّ “مكاتب الأمن العامّ تطبّق سياسات الإقامة بشكلٍ غير متّسق، بما في ذلك عن طريق الاشتراط على اللاجئين المسجّلين لدى المفوّضيّة الحصول على كفيل، وتوقيع السوريّين على تعهّدٍ بعدم العمل حتى بعد إلغاء هذا الشرط في 2016. [….] على السلطات اللبنانيّة ضمان تطبيق السياسة الجديدة القاضية بالإعفاء من الرسوم بشكلٍ متّسقٍ من قبل جميع مراكز الأمن العامّ في لبنان.” وتابعت “يأتي إعلان تجديد الإقامة هذا وسط تصريحاتٍ علنيّةٍ مقلقةٍ بشأن احتمال إعادة اللاجئين، منها تقاريرُ عن مفاوضاتٍ بين حزب الله وقوى المعارضة السوريّة لإعادة اللاجئين من لبنان إلى سورية”. قد تخلق هذه السياسة فئةً راسخةً من اللاجئين من دون إقامةٍ، تتعرّض لخطر الإعادة الجبريّة بشكل كبير. لا تسمح الأوضاع في سورية بإنشاء مناطقَ آمنة، وأيّ إعادةٍ قسريّةٍ للاجئين ستكون غير قانونيّةٍ بموجب القانون الدوليّ، بغضّ النظر عمّا إذا كان السوريّون يتمتّعون بإقامةٍ أو مسجّلين لدى المفوّضيّة أم لا، فاللاجئون محميّون، وينبغي عدم إجبارهم على العودة إلى البلدان التي قد يواجهون فيها اضطهادًا.

ومن مظاهر التعدّي على اللاجئين السوريّين وحقوقهم، ما جاء في موقع “المدن” الإلكترونيّ، الذي أورد: “نتيجة ازدياد التوتّر بين الشعبين اللبنانيّ والسوريّ، وبسبب شكوك اللبنانيّين بانتماء السوريّين إلى خلايا إرهابيّة، وقعت في السنوات الماضية حوادث

اعتداءٍ وضربٍ على السوريّين. كما أنّ التحرّش الجنسيَّ والاغتصاب هما من أكثر أنواع العنف انتشارًا، نظرًا لهشاشة واقع النساء في أوقات النزاع، إضافة إلى تفاقم ظاهرة تزويج الفتيات السوريّات القاصرات، ما عرّض عددًا من اللاجئات السوريّات إلى الاستغلال والإتجار بهن”.

خرق بالجملة للقوانين والمعاهدات الدوليّة

ختامًا، إنّ تعاطي السلطات اللبنانيّة مع قضيّة اللجوء السوريّ إلى لبنان، والتداعايات الاجتماعيّة والإنسانيّة والاقتصاديّة على اللاجئين، بسبب تلك الإجراءات والتعبئة العنصريّة ضدّ هؤلاء، يخرق عددًا يكاد لا يحصى من القوانين والمعاهدات والاتّفاقات والعهود الدوليّة، سنذكر بعضها في البحث الموسّع الذي سينشر في الموقع الالكترونيّ للمجلة لاحقًا.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: