ملاحظاتٌ عن النزوح

0

ترفرف راية المجلس العسكريِّ لمدينة “منبج” وريفها على مدخل المدينة، التي تضجُّ أسواقها بالحركة أكثر من المدن الأخرى الواقعة تحت سيطرة “قوّات سوريا الديمقراطيّة”؛ فموقعها الإستراتيجيّ منحها ميزة أن تكون صلة وصلٍ بين مناطق سيطرة النظام جنوبًا، ومناطق درع الفرات غربًا.

وتضمُّ المدينة آلاف النازحين من المناطق المجاورة، ولاسيّما تلك التي سيطر عليها النظام السوريّ. لكنّ الملاحظ فيها أنّ تسمية “نازح” وحدها لم تعد تعبّر عن تعدّد أوضاع المشمولين بهذا الوصف؛ فليس حال النازحين المقيمين في المخيّمات كحال من يسكن خارجها. لذلك هناك حاجةٌ إلى تعريف كلِّ حالةٍ على حدةٍ، وهو ما يتطلّب نحت مصطلحاتٍ جديدةٍ، تعبّر عن الاختلافات. وهذا ينطبق على جميع النازحين في المناطق الأخرى، سواء كانت تحت سيطرة النظام، أو تحت سيطرة فصائل درع الفرات.

فقد حوّلت الحرب الدائرة في سورية منذ ستِّ سنواتٍ، المناطق المأهولة بالسكّان إلى دوائرَ متّصلةٍ مباشرة بالوضع الأمنيّ. ويشكّل “النازحون خارج مخيّمات النزوح” الجزء الأحدث من التركيبة الأهليّة في المناطق المحرّرة من تنظيم “داعش”. وتنتشر مقرّاتٌ وهيئاتٌ عديدة في “القامشلي”، و”منبج”، و”كوباني” لتنظيم حركة الناس، وضمنها حركة النزوح، دخولًا وخروجًا. والأمر ذاته ينطبق حتّى على سكّان الدائرة السياسيّة الواحدة، فالشخص الذي يحمل قيد القامشلي يحتاج إلى موافقةٍ للسكن في “كوباني”، كذلك الأمر بالنسبة إلى النازحين من “جرابلس” إلى “منبج”.

وقد خلقت الاختراقات الأمنيّة إجراءاتٍ جديدةً، تولّدَ عن بعضها قلقًا دائمًا عند المنتقلين من منطقةٍ إلى أخرى من إمكان إعادتهم إلى حيث أتوامن قبل الحواجز على الطرق الرئيسة ومداخل المدن. ما يدفعهم في رحلةٍ للبحث في الدوائر المعنيّة عن بعض الأختام لوضعها على أوراقٍ تسمح لهم بالبقاء والتنقّل.

ففي حالة “النازحين إلى خارج مخيّمات النزوح”، يحتاج كلُّ واحدٍمنهم إلى توثيق اسمه للسماح له بالإقامة، ويُشترط عليه أيضًا أن يكفله أحد سكّان المدينة، وهي كفالةٌ أمنيّةٌ وليست تجاريّة، تشبه إلى حدٍّ بعيدٍ صيغة “شهادة حسن سلوك”. ويبدو أنّ الأمر ليس صعبًا في ظلِّ شبكة العلاقات الاجتماعيّة بين السكّان؛ ففي القامشلي تقيم آلاف العائلات القادمة من مناطق سورية الداخليّة، ولاسيّما محافظة دير الزور.

وممّا لفت انتباهي، خلال رحلةٍ استغرقت ثمانية أيام، قادتني إلى “القامشلي”، و”كوباني”، و”منبج”، أنّ شبكة العلاقات بين الأقارب باتت تواجه ضغطًا كبيرًا بسبب الأعباء الكبيرة؛ فعلى الرغم من أنّ العلاقات الاجتماعيّة لا تزال نشطةً للغاية من ناحية تقديم الخدمات الصغيرة، والمساعدة في ترتيب الأوراق المطلوبة للسكن، إلّا أنّ فداحة الخسائر التي لحقت بالسكّان القادمين من مناطق سيطرة “داعش” لا طاقة لشبكة الأقارب على تحمّلها لفترةٍ طويلةٍ، فمعالجة وضعهم بات أمرًا لا تقدر عليه سوى الحكومات أو المنظّمات الدوليّة.

هذه الملاحظات لا تعني أنّ العلاقات الاجتماعيّة تواجه أزمة، فلولا التضامن الاجتماعيّ القائم على صلات القرابة والعشيرة، لكان الوضع كارثيًّا

بالفعل، إنّما القصد هو أنّ هذه الشبكة الاجتماعيّة تتحمّل أعباءً لا تقدر دائمًا على الاستمرار فيها إلى ما لا نهاية. والواقع أنّ في مناطق سيطرة “قوّات سوريا الديمقراطيّة” هناك غيابٌ واضحٌ للمنظّمات الدوليّة. يقول مسؤولون ومطّلعون على الوضع هناك: إنّ غياب المنظّمات الإغاثيّة قضيّةٌ سياسيّةٌ، وليس ناتجًا من ضعف التواصل مع “الإدارة الذاتيّة” التي تدير المناطق التي تحرّرها “قوّات سوريا الديمقراطيّة”. ويشير هؤلاء إلى أنّ جهاتٍ سياسيّةً معارضة، ومن خلفها دولٌ، تقوم بتوجيه المساعدات إلى مناطقَ أخرى، وتحول دون توزيعها بشكلٍ عادل. هذا الغياب خلّف وراءه مخيّماتٍ تفتقر إلى الخدمات الأساسيّة، والهيئات الإغاثيّة التي تعمل تابعةً للمجالس المدنيّة، ولا إمكانات كبيرة لديها لتغطية الحاجات، ولاسيّما في الجانب الطبيّ.

يبدو أنّ التحيّزات السياسيّة تؤدّي دورًا أيضًا في مفاقمة مشكلة “الرافضين للعودة”؛ ففي بلدة “تل رفعت” غربيّ حلب، يرفض معظم سكّانها العودة، على الرغم من نداءات “قوّات سوريا الديمقراطيّة” لهم وتواصلها مع وجهاءَ وإرسالها تطميناتٍ للسكّان، حتى لمن كان منهم في صفوف مقاتلي المعارضة. الأمر ذاته ينطبق على القرى والبلدات الكرديّة التي سيطر عليها النظام في أنحاء حلب، حيث ترفض أغلبيّة سكّان هذه المناطق العودة على الرغم من استقرار الوضع الأمنيّ فيها.

الواقع أنّ قضيّة “العودة إلى المنزل” ملفٌّ كبيرٌ في سورية، ولا يمكن حلّه إلّا ضمن مصالحةٍ شاملةٍ برعايةٍ دوليّة، وربّما عبر انتداب قوّاتٍ دوليّةٍ تكون بديلًا من القوى المحلّيّة في مناطق التوتّر.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: