تعنى باللاجئين والنازحين

النزوح وآثاره النفسيّة

0

إنّ تأثير الحرب على الصحّة النفسيّة للواقعين تحت وطأتها، ولاسيّما النازحين منهم، يمتدّ عبر الزمن، نتيجة التهديد الأمنيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ والنفسيّ الذي تفرضه الحرب؛ إذ تطرأ تأثيراتٌ واضحةٌ ومشتركةٌ على الصحة النفسيّة للوالدين بدايةً، ومن ثَمّ على جميع أفراد العائلة، ومن ضمنهم الأطفال الذين لديهم استعدادٌ لتطوير اضطراباتٍ سلوكيّة نفسيّة أكثر من الكبار.

وفي سورية اليوم، التي أصبحت ساحة معركةٍ للنزاعات الدوليّة والإقليميّة، طالت الحرب مجملَ التركيبة الاجتماعيّة في البلاد، ولاسيّما الفئات ذات الدخل المحدود.

وكان لانخراط الذكور المديد في النزاع، إن كان بسبب التحاقهم بالجهات المسلّحة، أو اعتقالهم، أو فرارهم خارج البلد، أو موت الكثيرين منهم، واختفاء بعضهم، دورٌ كبير في التأثير على الأسرة من حيث تماسكها المعنويّ الاجتماعيّ والماديّ. أمّا بالنسبة إلى العائلة النازحة، فأضيف إلى ذلك كلّه مرارات النزوح ممّا انعكس في زيادة الأعباء عليها، وأضعف بنيتها، وزاد احتمال تفكّكها، ولاسيّما تلك التي فقدت معيلها الذكر.

فالنزوح والتهجير من أقسى مجريات الحرب، من حيث الشعور بالاقتلاع وفقدان المجال الحيويّ المطمئن والمألوف، حيث يتعرّضون للانتقال المفاجئ والاضطراريّ إلى عالمٍ غريبٍ لا يتيح للكثيرين منهم مقوّمات الحياة العاديّة؛ ويعرف الفرد، في هذا الظرف القاهر الجديد، اضطرابًا على صعيد رؤية المستقبل. ويتعرّض مجتمع النازحين للهامشيّة على صعيد التعليم، كما العمل المهنيّ. فتطحن الصعوبات الاقتصاديّة (الناجمة عن البطالة بمختلف أشكالها) الأسرة، وتنعكس على تماسكها وخيارات أبنائها، فنجد بعضهم ينحو باتجاه الجماعات الجانحة، سواء كانت مسلّحةً أم غير مسلّحةٍ، غاضبًا ومحبطًا.

والإحباط، مفهومٌ رائجٌ بصيغةٍ “عاميّةٍ” فضفاضةٍ، كغيره من المفاهيم النفسيّة التي دخلت منظومتنا الحياتيّة، لكن إن أردنا تعريفه علميًّا فهو:

“وهو مجموعةٌ من مشاعرَ مؤلمةٍ تنتج من وجود عائقٍ يحول دون إشباع حاجةٍ من الحاجات أو معالجة مشكلةٍ من المشكلات لدى الشخص”.

وعليه، يوصف الإحباطـ على أنّه اضطرابٌ نفسيٌّ رائج كنتيجةٍ وليس كعلّة؛ ولنفهم جوانب هذه النتيجة، وجب علينا دراسة إحدى علله الأكثر تفشّيًا في الحالة السوريّة، ألا وهي اللجوء والنزوح، وصولًا بنا إلى أدوات النهوض عن هذه العتبة والارتقاء لعتبةٍ تبدو حاليًّا عتبة النجاة الأولى.

إنّ انعكاسات النزوح والتوتّرات المصاحبة لها، من غموض المستقبل والأزمات الحياتيّة المصاحبة لها من حيث المسكن (داخل المخيّمات وخارجها)، وصعوبة تأمين العمل، وكيفيّة تعليم الأطفال وعدم توفّر المدارس أو قلّتها، صبغَ الجوَّ الأسريّ للأسرة النازحة بهالةٍ من التوتّر الدائم، (صراع الأفكار حول العودة أو البقاء، وتبلّد في الجوّ الأسريّ، وكآبة وضيق، وفورات غضب بين الوالدين تنعكس على الأطفال على شكل إحساسٍ بالقلق والعجز، وأخيرًا القلق من الأخطار المفاجئة، وما تؤدّي إليه من تحديد حرّيّة الطفل بشكلٍ مرضيٍّ، وتضييق مجاله الحيويّ، ومن ثَمّ انكفاؤه إلى دائرةٍ مغلقةٍ تفتقر إلى المثيرات الحياتيّة)

وتتأثّر وظائف الأسرة التقليديّة حينما تفقد قدرتها على إشباع حاجات أبنائها الماديّة والمعنويّة، ومن ثمّ تفقد انتماءهم إليها، لأنّ الانتماء عمليّةٌ نفسيّةٌ جدليّة، تتكوّن بين الفرد والجماعة التي تحقّق له الإشباع، ويؤدّي عدم توفّر ذلك إلى شحوب الانتماء إلى الأسرة، ثمّ الانتماء إلى الوطن، وتهديد الهويّة كمحصّلةٍ نهائيّة.

هذه الظروف النفسيّة كلّها المحيطة بالمكوّن الاجتماعيّ الأساسيّ (الأسرة)، أدّت إلى حالةٍ من اليأس المزمن والعجز عن إيجاد حلولٍ لمسألةٍ تعدّت المسكن والوطن، وتخطّتها إلى أزمة الوجود الفرديّ بحدّ ذاته، وللشكّ بالقدرة على الاستمرار ببدائل في معظم الحالات.

وهنا يصبح العجز بحدّ ذاته علّةً وسببًا حتميًّا لحالةٍ من الإحباط المستديم، وعدم القدرة على النهوض إلّا بحلولٍ حقيقيّةٍ لكلِّ أسرةٍ سوريّة تجد نفسها الآن في مهبِّ الريح، فلا ثوابتَ تنتمي إليها ولا واقع تصبو إليه، مجرّد تأرجحٍ بين الاثنين.

أخيرًا نورد عوامل تأقلم الأسر مع الظروف القاهرة للنزوح واللجوء، وذلك عبر عمل هذه العوامل على تخفيف المشكلات النفسيّة التي تحدث بشكلٍ آليٍّ لدى النازحين واللاجئين.

  • عامل التكيّف والتأقلم مع الحرب، وتشكيل شبكات احتضان الأهالي في النزوح واللجوء، وذلك من خلال أعمالٍ تطوّعيّةٍ تقوم بها بعض الفئات لتسهيل أمور اللاجئين الجدد، وكيفيّة تدبير احتياجاتهم الأوّليّة، وفتح صفوفٍ دراسيّة مثلًا بأدواتٍ ووسائلَ بسيطةٍ وبشكلٍ تطوّعيٍّ من قبل الأهالي.
  • عامل الأسرة، سواء كانت الأسرة نوويّةً أو ممتدّة (الأسرة النوويّة: وتتكوّن من الزوج والزوجة والأولاد، والأسرة الممتدّة: هي الأسرة التي تقوم على عدّة وحداتٍ أسريّة تجمعها الإقامة المشتركة والقرابة الدمويّة)، ووجود إرث من التضامن والتعاضد، يشكلّ عامل حمايةٍ من كلّ الظروف (عامل القضيّة)، وهي الفكرة التي يمكن أن تجتمع عليها الأسرة أو الجماعة كمقاومة النظام الظالم أو تحدّيات خلق وسائل تكاتف في وجه قسوة الأوضاع، يسهم هذا العامل في بلورة المجتمع المتكاتف ضدّ الظلم، والذي يشكّل نوعًا من التكيّف والمرونة.
  • عامل الغربة، والذي يحمل جانبًا إيجابيًّا، وهو تقرّب فئات المجتمع المناطقيّة والطائفيّة من بعضها، وفتح خطوطٍ من التآلف والامتزاج بين عادات هذه الفئات المختلفة، والتي تعمل على نوعٍ من المساندة، وإن كانت مبطّنةً بأهدافٍ بعيدة المدى.

هناك بعض التجارب والمجموعات التي تعمل وفق جهدٍ شخصيٍّ عمومًا، ولا تستطيع على قلّتها وفقر إمكاناتها أن تغطّي كثافة الكارثة المقبلة، وما أمسّ الحاجة إلى أن نوحّد أهداف هذه المجموعات في إطارٍ واحد، ونوحّد العمل في البحث عن حلول للخروج ممّا أسميناه سابقًا العتبة الأخيرة للحالة النفسيّة، لنخرج بحلولٍ تقارب الواقع، وإن لم تجارِه حقيقة.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: