“منرجع عالمخيّم؟!”

0

“يا ترى، منرجع على فلسطين؟!” سؤالٌ لم يفارق الحاجّة الفلسطينيّة السبعينيّة التي لجأت إلى سورية، وهي طفلةٌ صغيرةٌ بصحبة أمّها وأخواتها مع أفواج اللاجئين الفلسطينيّين الذين هُجّروا من فلسطين عام 1948، وتشتتوا يحملون مفاتيحَ بيوتهم وحلم عودةٍ لمّا يتحقّق.

“يا ترى.. منرجع عالمخيّم؟!” تغيّر المكانُ وبقي السؤال الذي لازم الحاجّة الفلسطينيّة، التي تشتّت أبناؤها وأحفادها في أرجاء الأرض، منذ أن نزحت عن مخيّم اليرموك في أواخر عام 2012، وحتى وفاتها بعد أربعة أعوامٍ بعيدةً عن كلا الحبيبين.

هذا السؤال يلخّص قصّة مخيّم اليرموك بين محنتين، كلّ واحدةٍ منهما أكثر إيلامًا من الأخرى. فالمحنة الطارئة التي ألمّت بمعظم الفلسطينيّين في سورية أجبرتهم على النزوح والهجرة بعد تعرّضهم لعمليّات القتل والقصف والاعتقال والحصار والتجويع والتهجير القسريّ، وهو ما عانوه منذ بدء الاحتجاجات في سورية في منتصف  آذار/ مارس 2011، والتي تحوّلت لاحقًا إلى صراعٍ مسلّحٍ متعدّد الأطراف والأهداف والولاءات، ومن ثمَّ إلى حربٍ بالوكالة بين قوًى إقليميّة ودوليّة تتصارع على النفوذ والمصالح في المنطقة، كان للاجئين الفلسطينيّين منها حصّة توازي نسبة تعدادهم بين السوريّين.

كان يعيش في مخيّم اليرموك قبل احتجاجات عام 2011، نحو مليون نسمة، منهم نحو 200 ألف لاجئ فلسطينيّ من أصل نحو 600 ألف لاجئٍ في مختلف أنحاء سورية، أمّا بقيّة سكّان المخيّم فكانوا من السوريّين القادمين من مناطقَ مختلفة.

مرَّ مخيّم اليرموك منذ بدء الأحداث في سورية بالعديد من المحطّات الفارقة، بدأ معظمها منذ الربع الأوّل من عام 2012؛ حينما تعرّض المخيّم بشكلٍ متواترٍ للقصف بالقذائف العشوائيّة والقنص، فيما استمرَّ الناشطون واللجان الأهليّة في تقديم الدعم الإغاثيِّ والإنسانيِّ للسوريّين النازحين من مناطق الجوار الساخنة. كما جرت في المخيّم بعض المظاهرات المحدودة والصغيرة نجم عنها سقوط العديد من الضحايا، أبرزها مظاهرةٌ حاشدةٌ جرت في الشهر السابع من 2012، شارك فيها آلاف الفلسطينيّين والسوريّين، ليعقبها في شهر رمضان الذي صادف وقوعه في آب/ أغسطس 2012، استهداف المخيّم بقذائف الهاون العشوائيّة التي سقط فيها عشرات الضحايا والجرحى، فيما عرف بمجزرة “شارع الجاعونة”.

العلامة الفارقة في تاريخ مخيّم اليرموك كانت في يوم 16 كانون الأوّل/ ديسمبر 2012، والذي كان يومًا مأسويًّا بالغ القسوة على أهالي المخيّم، حين قصفت طائرات “الميغ” السوريّة بالصواريخ جامع “عبد القادر الحسينيّ” وجوار مدرسة “الفالوجة” التي كانت تأوي نازحين سوريّين من مدينة “الحجر الأسود” وحيّ “التضامن”، وهو ما نجم عنه عشراتُ الشهداء الفلسطينيّين والسوريّين. وحصل ذلك القصف الجويّ بالتوازي مع دخول كتائب من “الجيش الحرِّ” إلى المخيّم عقب بعض الانشقاقاتِ بين عناصر اللجان الشعبيّة التابعة للجبهة الشعبيّة – القيادة العامّة المؤيّدة للنظام، لتسود حالةٌ من الذعر والفزع بين أهالي المخيّم، ليتزامن هذا مع شائعاتٍ روّجتها بعض المجموعات المؤيّدة للنظام السوريّ في مساء اليوم نفسه، عن إعطاءِ الجيش السوريّ مهلة 24 ساعة لأهالي المخيّم لإخلائه، ممّا سبّب في صباح اليوم التالي حالة نزوحٍ جماعيّةً  بائسةً للأهالي من الفلسطينيّين والسوريّين، وبقي في المخيّم وقتها بضعة آلاف من سكّانه.

هذا اليوم الحزين الذي سمّاه كثيرون بالنكبة الجديدة، حفر في وجدان فلسطينيّي المخيّم جرحًا غائرًا لم يندمل حتى اللحظة؛ فمخيّم اليرموك كان ملجأهم الصغير في طريق حلم عودتهم إلى فلسطين. عاشوا من قبله يحملون مفتاح العودة إلى فلسطين، ليضمّوا إليه مفتاح العودة إلى مخيّم اليرموك، وهم الآن في المنافي لا يزالون يتساءلون “يا ترى منرجع عالمخيّم؟!”.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: