تعنى باللاجئين والنازحين

السوريّون في محنتهم

0

بينما يعمل النظام، ليلًا ونهارًا، لإيهام نفسه والمجتمع بأنّ انتصاره العظيم والنهائيّ صار في
متناول اليد، وللإيحاء للعالم ككلٍّ بأنّه بطل مواجهة الإرهاب والجهاديّة الإسلامويّة، فهو لا يكلّف
نفسه بعض العناء للالتفات ولو للحظةٍ إلى ما خلّفه إصراره على الاستمرار في الحكم، وقد مارس
أشدّ أنواع الفتك وتوسّل مختلف أشكال الدعم الخارجيّ، من خرابٍ وضحايا ومعتقلين ومغيّبين قسريًّا
ومشرّدين، من خرابٍ معمّمٍ للمناطق الآهلة وللبنية التحتيّة، من تهتّك وتردّي مختلف القطاعات
الحيويّة وأهمّها الكهرباء والمياه، من وضع معيشيٍّ لم يعد يطاق مع الغلاء الفاحش وتوقّف أغلبيّة
المشاريع الإنتاجيّة، من شروخٍ وعداواتٍ مذهبيّةٍ أجّجها قاصدًا ليمرّر سياسات التهجير القسريّ، حتى
لو شرّع ذلك الأبواب أمام مشاريع التقسيم وتقاسم النفوذ، وعزّز تغييب دور الدولة العموميّ
ومؤسّساتها الخدميّة والتعليميّة والصحيّة عن ملايين المشرّدين واللاجئين، وعن مساحاتٍ مهمّةٍ من
الوطن باتت تكتظُّ بآلاف المقاتلين المهجّرين من مناطقَ محاصرة الذين يترقّبون في كلِّ لحظةٍ استعار
المعارك ضدّ النظام وحلفائه.
ثمّة سوادٌ أعظم من السوريّين المتضرّرين من الحرب ولغة السلاح باتوا منشغلين بلملمة
جراحهم وتسكين آلامهم وببذلِ أقصى الجهد من أجل الاستمرار في الحياة، سواء أكانوا مهجّرين خارج
الحدود أو نازحين داخل الوطن أو آثروا البقاء في بيوتهم ويحاولون التكيّف مع دوّامة العنف وتدبّر
لقمة العيش في ظلِّ ظروفٍ أمنيّةٍ واقتصاديّةٍ قاسية.
والحال، فإنّ طول أمد الصراع وتردّي الأوضاع الأمنيّة وما تجلبه من خرابٍ وتهجيرٍ يُفقد
أعدادًا ما فتئت تتزايد من السوريّين، القدرة على العيش كما كانوا، وتزيد الطين بلّة شدّة الحصار
المزمن عليهم والضغط على حاجاتهم، في محاولةٍ من قبل النظام لتخريب البيئات الشعبيّة المعادية له
وترك سكّانها في حالةٍ مأسويّة مراهنًا على خلق شرخٍ بين الثورة وحاضنتها الاجتماعيّة، ما يفسّر
إصراره على منع وصول أيِّ مساعدةٍ للمناطق المنكوبة قد تمكّنها من استعادة عافيتها.

وإذ يتعرّض اللاجئون السوريّون إلى أخطارٍ وانتهاكاتٍ جسيمةٍ منذ بداية رحلة الهروب من
نار المعارك المستعرة حتى تجاوز الحدود، فهم يُجبرون على العيش في معازل ومخيّمات بشروطٍ
سيّئةٍ لا تليق بالبشر تتفاوت شدّتها تبعًا لبلد اللجوء، أهمّها معاناتهم من الإقصاء والاستبعاد ومن
هشاشة حياتهم بلا مؤسّساتٍ ولا عمل، وخضوعهم تاليًا للمعونة المقدّمة من منظّمات الإغاثة الدوليّة،
التي تعجز عن تلبية احتياجاتهم، بدءًا بالغذاء والملبس، إلى الاستقرار والتعليم والحماية من جنون
الطبيعة كالبرد والصقيع، ومن الاستغلال الجسديِّ، ولاسيّما عند الأطفال والفتيات، إلى الواقع الصحيّ
الضنين، وهم الأكثر عرضةً للأمراض السارية والأوبئة، وتكتظُّ صفوفهم بالجرحى والمصابين
بإعاقاتٍ مؤقّتةٍ أو دائمة.
هو أمرٌ مفهومٌ ومشروعٌ، شعورُ السوريّين بمرارةٍ مضاعفة، وهم الذين فتحوا أبواب بيوتهم
لأشقّائهم في الحروب وأوقات المحن والأزمات، من مواقفَ نابذةٍ لهم وأحيانًا عدائيّة من بعض الأتراك
والعراقيّين واللبنانيّين، وتأفّفهم من زيادة أعداد اللاجئين إلى أراضيهم ومعاملتهم أحيانًا معاملةً لا تليق
بالبشر.
يشارك النازحون داخل الوطن اللاجئين المعاناة ذاتها بحثًا عن ملاذٍ يقيهم جحيم الحرب، وقد
باتوا اليوم بلا مأوًى، أو في حالة عوزٍ شديدٍ بعد أن فقدوا كلَّ ما يملكون ويدّخرون، وهم مرغمون
أحيانًا على التسوّل وغالبًا على قبول أعمالٍ وضيعةٍ ومذلّة لتأمين قوت يومهم، والأنكى من ذلك أنّ
عقدة الخوف من الملاحقة والاعتقال والتعذيب تتضاعف عندهم بسبب انتماء أغلبيّتهم إلى المناطق
المتمرّدة، حتى صار بعضهم يجد الموت أرحم ممّا يكابده من خوفٍ وقهرٍ وجوع.

ثمّة ما يصحُّ تسميته بعالم السلطة والمناطق الخاضعة لسيطرتها، وفيها تبدو الحياة، أو يُعمل
على أن تبدو، كأنّها تسير بشكلٍ طبيعيٍّ، وإذا استثنينا سقوط القذائف القاتلة على بعض الأحياء، وكثرة
الحواجز الأمنيّة المنتشرة في الشوارع والساحات، ثمّة ما يشي بأنّ البشر قد أدمنوا ظروف عيشهم
القلقة، فلم تعد تشغل بالهم حدّة المعارك وأصوات التفجيرات وقصف الطائرات وأعداد الضحايا، بينما
لا يوفّر النظام جهدًا لتكريس هذا الإدمان، مستقويًا، مرّة بالنتائج التي حقّقها عسكريًّا في حلب والريف
الدمشقيّ وحمص لبعث الثقة بسياساته وبجدوى خياره الحربيّ، ومتوسّلًا، مرة ثانية إثارة المخاوف
ممّا قد يحلُّ بالبلاد في حال انتصار الإسلامويّين المتشدّدين، ربطًا بتسخير الدولة وتفعيل مؤسّساتها
لتوفير أهمِّ مستلزمات الحياة في مناطق نفوذه، كمعاودة الالتزام بخدمات الماء والكهرباء والاتصالات،
والمساهمة في تأمين الموادّ الغذائيّة والأدوية، مراهنًا على مقايضة رضا الناس بما يلقونه من اهتمامٍ
وحمايةٍ أمنيّةٍ بغضّ نظرهم عن حالات التدهور المريع في أوضاعهم المعيشيّة وقدراتهم الشرائيّة.
وفي المقابل هناك عالمٌ يحتفي بنفسه بصفته حامل لواء الإسلام والمسلمين، ويفيض بكتائبَ
متنوّعةٍ من محاربين إسلامويّين جاؤوا من مختلف البقاع، ويتنافسون على فرض ما يعتقدونه شرع الله
على الأرض، من دون اعتبار لتعدّديّة المجتمع السوريّ وتنوّع مكوّناته ولشعارات ثورته عن الحرّيّة
والكرامة والدولة المدنيّة، ولا يخفّف من خطورة هذا "العالم" القول إنّه ولد كردّة فعلٍ على عنف
النظام واستفزازاته الطائفيّة، أو الادّعاء بأنّه طارئٌ وغريبٌ ويرتبط بأجندة خارجيّة سيزول بزوالها.
والمشهد يثير العجب والأسى في آن، فإلى جانب الصراعات الدمويّة المفتوحة بين هذه الكتائب
في سعي كلٍّ منها للسيطرة على مناطق الأخرى، بين "داعش" والنصرة، وبينهما وبين بعض فصائل
"الجيش الحرّ" تحضر المعاناة المركّبة التي يكابدها أبناء تلك المناطق، وكأنّ الحصار والجوع وغياب
الحدِّ الأدنى من الحاجات الإنسانيّة، ثمّ القصف اليوميّ والعشوائيّ وما يخلّفه من ضحايا ودمار، لا
يكفيان ولا بدّ أن يُستكملا باستبدادٍ إسلامويٍّ لا يقف عند إرهاب البشر وإرغامهم على اتّباع نمطه في
الحياة وإنزال أشنع العقوبات بحقِّ من يخالف ذلك، بل وصل إلى حدّ النيل من رموز وأماكن العبادة،
وفرض مناهجَ دينيّةٍ تُلقن للأطفال لا تمتّ بصلةٍ لمنطق العلوم والمعارف، والأهمّ اعتقال بعض
المعارضين واغتيال آخرين والتنكيل بالناشطين المدنيّين والإعلاميّين.
والمفارقة، إذا استثنينا العمى السلطويّ الحاقد وتجّار الحروب والأزمات، ثمّة تطوّراتٌ تبعث
على الأمل، وصورٌ من التكافل الاجتماعيّ والإنسانيّ تشي بأنّ ما بين السوريّين من خبزٍ وملحٍ لم
يذهب هباءً، كما لو أنّ كلّ محتاجٍ ومهجّر يكتشف أهله وناسه من جديد، يكتشف جرأتهم في إظهار
تضامنهم وتعاضدهم معه، حتى لو كان الثمن الموت أو الاعتقال، وكأنّ هذه المحنة كانت ضروريّةً كي
تنجلي الهويّة الوطنيّة الجامعة، وربّما كي نفهم "النعم" في إجابة أغلبيّة السوريّين عن سؤال، هل كنت
تثور لو أدركت مسبقًا هذه المعاناة المديدة والتكلفة الباهظة؟!
والحال، ليس من بلدٍ نضجت فيه الدوافع الأخلاقيّة والقانونيّة لفعلٍ أمميٍّ حاسمٍ ينقذ المدنيّين
من نازحين ومهجّرين ويوقف العنف المفرط، وليس من بلدٍ، كما تقول لغة الأرقام، وصلت مأساة شعبه
إلى هذا العمق وبسرعةٍ قياسيّةٍ كما هي الحال في سورية، واليوم ليست هناك معاناةٌ أشدّ ممّا يعانيه هذا
الشعب المنكوب، أو لحظة تلحّ فيها حاجته للدعم والمساندة أكثر من اللحظة الراهنة، ما يفرض
اجتراح حلولٍ لا تقتصر على تقديم مساعداتٍ إسعافيّة فحسب، على الرغم من أهمّيّتها وإلحاحها
إنسانيًّا، بل يتجاوزها إلى قرارٍ سياسيٍّ أمميٍّ يفرض حلًّا يرضي السوريّين ويلبّي حقوقهم المشروعة
ويزيل مشهدًا يزداد أسى وقتامة.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: