المنع من العودة

0

بعد سنين عجافٍ من غياب تعاطي السوريّين الشأن العامّ، وموت السياسة بوصفها مشاركةَ الشعب في تقرير مصيره، وتحنيط المجتمع بالخوف والفساد، انتفضَ السوريّون عندما شعروا أنّ هناك فرصةً ملائمةً للتغيير. فما كان من سلطة الأسد وحلفائها إلّا مواجهة الثورة بسياسيّةٍ ممنهجةٍ تهدف إلى حصار المناطق المنتفضة عليها التي ترفض العودة للانصياع، وعقاب سكّانها جماعيًّا، ولاحقًا إفراغها منهم بعد تدميرها. فبدأ مسلسل تهجير السكّان من المناطق ابتداءً من حيّ “بابا عمرو” في حمص مرورًا بمدينة “القصير” وليس انتهاءً بمنطقة “وادي بردى” في ريف دمشق. وتركّز التهجير على طول الحدود اللبنانيّة-السوريّة من مدينة “تلكلخ” في محافظة حمص إلى مدينة “الزبداني” في محافظة ريف دمشق، ومدن وبلدات جنوبيّ دمشق. فضلًا عن مدن وبلدات الريف الدمشقيّ القريب من العاصمة دمشق أو المناطق التي تعدُّ منفذًا لأهالي الريف الدمشقيّ باتجاهها. إضافةً إلى مدن وبلدات الريف الدمشقيّ القريبة من مواقع السيطرة والتحكّم كمدينة “داريا” القريبة من القصر الجمهوريّ ومقرّات الفرقة الرابعة، وبلدات المليحة وعقربا وبيت سحم الواقعة على طريق مطار دمشق الدوليّ.

ومن تتبّع خطوط التهجير تلك، يمكن لنا أن نستدلَّ على أهداف النظام من وراء تهجير سكّان تلك المناطق؛ حيث يرى ناشطون أنّ السيطرة على الحدود اللبنانيّة-السوريّة يشكّل عمقًا إستراتيجيًّا لحزب الله، حليف سلطة الأسد والتابع عضويًّا لولاية الفقيه التي تطمح إلى تشكيل هلالٍ شيعيٍّ يربط بغداد بدمشقَ ببيروت، ولاحقًا أصبح الهلال بدرًا، بحسب تصريح أحد المسؤولين الإيرانيّين. ومن جهةٍ أخرى، تهدف سلطة الأسد وحلفاؤها من تهجير مدن الريف الدمشقيّ، سواء تلك التي تشرف على مقرّات القيادة والسيطرة والتحكّم لدى سلطة الأسد، أو تلك التي تعدُّ منافذَ لسكّان الريف باتّجاه العاصمة، إلى تحصين العاصمة دمشق. ولعلّ توطين عائلات مقاتلين شيعةٍ أو من الميليشيات الرديفة لجيش النظام في بلدة “عقربا”، خيرُ دليلٍ على ذلك. حيث لم يُسمح لمن هجّر من سكّانها في بداية الأعمال القتاليّة العودة إلى بيته، كما لم يُسمح إلّا للعسكريّين باستئجار البيوت فيها، سواء أكان المؤجّر من المالكين الأصليّين إن وجدوا، أو من المفرزة المسؤولة عنها. وهذا ما ينسحب على حيّي القدم ونهر عيشة؛ حيث كان الدمار أقلّ نسبيًّا من باقي المناطق، فمفارز الأمن تسيطر على البيوت هناك وتؤجّرها لمصلحتها.

ومع استمرار حدّة المواجهات في جميع المناطق السوريّة، بدأت المناطق المنكوبة والمدمّرة تتّسع ويزداد معها عدد المهجّرين منها الذين انتشروا في الداخل أو في البلدان المجاورة وصولًا إلى الدول الأوروبيّة.

واللافت في المحنة السوريّة أنّ سلطة الأسد بدأت تستفيد من هذه الظروف الجديدة باستخدامها كورقة ضغط، مثلها مثل ملفِّ المعتقلين والمفقودين، من خلال إبقاء المناطق التي تحت سيطرتها فارغةً من السكّان، لتجبر المجتمع الدوليّ على المباشرة بإعادة الإعمار في ظلّ سلطتها.

 ومن اللافت أيضًا أنّ هناك عددًا من المناطق مثل مدن “المليحة” في الغوطة الشرقيّة، و”داريا” و”الزبداني” في الغوطة الغربيّة، و”السيّدة زينب” و”حجيرة” وعشرات المدن والبلدات الأخرى، لا تزال فارغةً من سكّانها على الرغم من الجهد المبذول من قبلهم لتسوية مشكلة العودة مع سلطة الأسد التي تقابلهم بتعنّتٍ وتتّهمهم بأنّهم إرهابيّون؛ حتى إنّها لا تسمح لهم بزيارة بيوتهم وتفقّد ممتلكاتهم، وإن سمحت لبعضهم فيجدون أنفسهم نهبًا للقوى الأمنيّة التي تفتك بهم اعتقالًا وإهانة.

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: