مأساة النازحين عن دير الزور

0

نزح أكثر من 380 ألف شخصٍ عن قراهم وبلداتهم في محافظة دير الزور، بسبب المعارك الجارية فيها، حيث وثّق ناشطون خلال شهر أيلول/ سبتمبر الماضي، 747 غارةً جوّيّةً استهدفت محافظة دير الزور وريفها، ومقتل ما يزيد على 400 مدنيٍّ، ونزوح أكثر من 180 ألف شخصٍ معظمهم من الأطفال والنساء عن مناطق سيطرة تنظيم الدولة الإسلاميّة (داعش)، إلى خارج المحافظة باتجاه مناطق سيطرة “قوّات سوريا الديمقراطيّة” في محافظتي الرقة والحسكة. بينما نزح نحو 200 ألف شخصٍ عن مدينة الميادين وحدها (45 كم جنوب شرق مدينة دير الزور) إلى القرى القريبة، ولم يبقَ في المدينة سوى 2% من سكانها، بسبب القصف الجوّيّ اليوميّ الذي أسفر معظمه عن سقوط قتلى وجرحى مدنيّين. بينما وثّقت الشبكة السوريّة لحقوق الإنسان، وجود 370 ألف نازحٍ في مدينتي دير الزور (شرقها) والرقة (شمالها)، إثر هجماتٍ لتحالف النظام السوريّ مع روسيا، لافتةً إلى حاجتهم إلى مراكز إيواءٍ عاجلة (مع ملاحظة التفاوت الطفيف بين توثيق الجهات المختلفة). ومؤخّرًا، سمحت “قوّات سوريا الديمقراطيّة” لنازحين من محافظة دير الزور بالعبور عبر مناطقها، إلى محافظتي حلب وإدلب شمالي سورية. وقال مدير منظّمة “ساعد” فاتح عوض” في تصريحٍ لوكالة “سمارت” للأنباء، إنّ 1700 نازحٍ وصلوا حتى الآن إلى الشمال السوريِّ، عن طريق “عفرين” الخاضعة لـ”الإدرة الذاتيّة” الكرديّة، باتجاه مدينتي “دارة عزة” و”الأتارب” في محافظة حلب، ثمّ إلى مدينة “سرمدا” ثمّ إلى معبر “باب الهوى” في إدلب. وأضاف “عوض” أنَّ النازحين توزّعوا على مخيّمات “ساعد” في قرية “معرة إخوان”، ولدى أقاربهم، مشيرًا إلى أنّه من المقرّر وصول ما بين 350 ألف و400 ألف نازحٍ من محافظة دير الزور إلى الشمال السوريّ.

ويضاف إلى ظروف الحرب الدائرة هناك، آنفة الذكر، ممارسات تنظيم الدولة الإسلاميّة (داعش) التي ساهمت، بقدرٍ كبير، في تهجير السكّان، ومنها فرض تنظيم الدولة الإسلاميّة، في آب/ أغسطس المنصرم، “التجنيد الإجباريّ” على شباب دير الزور؛ حيث لجأ التنظيم إلى الخطابات الدينيّة والمناشير ومكبّرات الصوت في الشوارع لدعوة شباب دير الزور إلى التجنيد الإجباريّ، ومنحهم أسبوعًا واحدًا فقط للالتحاق بمكاتب “الاستنفار”. وسرعان ما ساء الوضع مع رفضِ كثيرين الأوامرَ الجديدة ممّا أدّى إلى اعتقالاتٍ يوميّةٍ بين صفوف شباب المحافظة على خلفيّة التجنيد الإجباريّ، بحسب المرصد السوريّ لحقوق الإنسان. هذا إضافةً إلى التضييق الأمنيّ على السكّان ومنع الإنترنت والتضييق على المجتمع بحجّة الالتزام الدينيّ، فضلًا عن الإعدامات التي نفّذها التنظيم في ساحات قرى وبلدات المحافظة بحجّة الخيانة العظمى لـ “دولة الخلافة” والتعامل مع قوّات التحالف و”قوّات سوريا الديمقراطيّة” وغيرها.

كانت رحلة النزوح تلك محفوفةً بالأخطار، حيث يجازف المدنيّون الفارّون من مناطق سيطرة “داعش” في الرقة ودير الزور بحياتهم للوصول إلى برِّ الأمان معتمدين على مهرّبين يدفعون لهم مبالغَ ماليّةً طائلة كانت غير كفيلةٍ بحمايتهم من القصف أو من أعين عناصر التنظيم. فبعد خروجهم من تحت القصف والركام تعترضهم مشكلة الألغام التي زرعها التنظيم والتي ذهب ضحيّتها كثيرون من أبناء محافظة دير الزور الهاربين من جحيم المعارك. إضافة إلى خطورة  اجتياز المعابر المائيّة عبر وسائطَ بدائيّةٍ واستهدافها بالقصف من الطيران الحربيّ؛ ففي 4 تشرين الأوّل/ أكتوبر الجاري، قُتل نحو 100 مدنيٍّ وجُرح عشراتٌ آخرون في حصيلةٍ أوّليّة، إثر قصفٍ جوّيٍّ من طائراتٍ حربيّةٍ يُرجَّح أنّها روسيّةٌ على معابرَ نهريّةٍ جنوب شرقيّ مدينة دير الزور شرقيّ سورية. وقال ناشطون إنّ أكثر من خمسين مدنيًّا قد قتلوا، وجُرح العشرات، باستهداف الطائرات الحربيّة معبرًا نهريًّا لنقل النازحين عبر نهر الفرات من مدينة “العشارة” (60 كم جنوب شرقيّ دير الزور) إلى بلدة “درنج” الخاضعة لسيطرة تنظيم “الدولة الإسلاميّة”. كذلك قُتل أكثر من 45 مدنيًّا وجُرح عشراتٌ آخرون باستهداف الطائرات معبرين نهريّين عند مدينتي “القورية” و”هجين” وسط نقصٍ حادٍّ في النقاط والكوادر الطبيّة والأدوية. وذكر ناشطون أنّ امرأةً وأطفالها الستّة قد غرقوا، الثلاثاء 3 تشرين الأوّل/ أكتوبر، في نهر الفرات بعد انقلاب زورقهم أثناء نزوحهم إلى بلدة “الشحيل” (40 كم شرقيّ مدينة دير الزور)، هربًا من القصف الجوّيِّ الذي تتعرّض له قرى وبلدات شرقيّ مدينة دير الزور. ولا تنتهي الأخطار هنا، بل تلحق بالنازحين إلى المخيّمات التي وصلوا إليها أو المدارس التي نزلوا فيها مؤقّتًا؛ ففي أيلول/ سبتمبر الماضي قصفت طائراتٌ يُرجَّح أنّها روسيّة مخيّم “الحوادي” في قرية “الزغير شامية”، التابعة لناحية “التبني” (42 من شمال غرب دير الزور)، ما أسفر عن مقتل تسعة مدنيّين، منهم ستُّ ضحايا من العائلة نفسها، وجُرح عشراتٌ آخرون بينهم أطفالٌ ونساءٌ. ما أدّى إلى نزوح قاطني المخيّم باتجاه قرى “الزغير جزيرة” و”محيميدة” و”الحصان” و”السفيرة” شمال نهر الفرات في المحافظة، تخوّفًا من استهدافهم مرّة أخرى. وفي 13 أيلول/ سبتمبر المنصرم  قتل سبع ضحايا وجُرح آخرون جرّاء قصف الطيران الحربيّ مدرسةً تُؤوي نازحين في قرية “مظلوم” في ريف دير الزور الشرقيّ.

قصد معظم نازحي دير الزور المخيّمات الصحراويّة (الهول ومبروكة وعين عيسى و السدّ وقانا، وغيرها)، وهي مخيّماتٌ عشوائيّةٌ تفتقد لأبسط مقوّمات الحياة سوى خيام الأمم المتّحدة  التي تفترش الصحراء ولا تقي من برد الشتاء ولا حرِّ الصيف، وفي بعض الأحيان لا تكفي تلك الخيام حاجة النازحين، ليجد أهالي دير الزور أنفسهم متروكين هناك من دون السماح لهم بالخروج نحو المدن الرئيسة الكبيرة، ومن دون تأمينهم بكلِّ ما يلزمهم ويخفّف عنهم معاناتهم. ويعاني النازحون في تلك المخيّمات ظروفًا صعبة، بسبب شحِّ الدعم المقدّم إليهم وعدم توفّر خيامٍ لجميع العائلات التي بقي بعضها في العراء، إضافة إلى نقص التجهيزات اللازمة من البطانيّات وغيرها، وقلّة المياه والموادّ الغذائيّة في ظلِّ ارتفاع درجة الحرارة وغياب المنظّمات الإنسانيّة. وتتوافد يوميًّا عائلاتٌ جديدةٌ من مناطقَ خاضعةٍ لتنظيم “الدولة الإسلاميّة” خرجوا منها عبر طرق التهريب إلى تلك المخيّمات. وتقول المتحدّثة باسم اللجنة الدوليّة للصليب الأحمر، إنجي صدقي، إنّ “تلك الخيام موجودةٌ في قلب الصحراء حيث تشكّل الأفاعي والعقارب تهديدًا يوميًّا للناس”. وتضيف “ترى أطفالًا يلعبون بالنفايات السامّة ويشربون مياهًا ملوّثةً ويستحمون بها”. هذا إضافة إلى اقتراب بعض تلك المخيّمات من تخطّي قدرتها الاستيعابيّة؛ حيث يقترب مخيّم “قانا” للنازحين جنوبيّ الحسكة، شمال شرقيّ سورية، من تجاوز قدرته الاستيعابيّة مع توافد أعدادٍ كبيرةٍ من العائلات النازحة من محافظة دير الزور. فعدد النازحين وصل إلى نحو 16 ألف شخصٍ (2232 عائلة)، وقدرة المخيّم الاستيعابيّة 19 ألف شخصٍ فقط، بحسب مسؤول شؤون النازحين في المخيّم.

كلُّ هذا أثار ردّات أفعال في أوساطٍ سياسيّةٍ ومنظّماتٍ مدنيّةٍ سوريّة؛ حيث سلّمت منظّمة “صوت وصورة” وشبكة “فرات بوست”، بشكلٍ مباشر مفوّضيّة الأمم المتّحدة السامية لحقوق الإنسان عبر مكتبهم في جنيف، بيانًا، قالت فيه إنّ محافظة دير الزور تواجه في هذه الأيام حملةً عسكريّةً همجيّةً  تستهدف المدنيّين العُزَّل بشكلٍ رئيس، وتسبّبت في وقوع مئات الضحايا وسط تدميرٍ ممنهجٍ للبنى التحتيّة وتهجير مدن وبلدات برمّتها. وفي السياق نفسه أدان الائتلاف السوريُّ المعارض ارتكاب المجزرة الوحشيّة قرب مدينة “العشارة” جنوب شرقيّ مدينة دير الزور، محمّلًا المجتمع الدوليّ مسؤوليّة الاستمرار والتصاعد في القتل الذي يمارسه طيران الاحتلال الروسيّ وعصابة الأسد والميليشيات الإيرانيّة. وأشار البيان إلى أنّ استهداف النازحين وملاحقتهم أمرٌ يكاد يتحوّل إلى مشهدٍ متكرّر، إذ تأتي هذه المجزرة بعد أيامٍ قليلةٍ من قيام ميليشيات تابعة لعصابة الأسد باستهداف قافلةٍ من المدنيّين المحاصرين في ريف حماة الشرقيّ مخلّفة 80 شهيدًا من المدنيّين، بينهم نساءٌ وأطفالٌ، وعددًا كبيرًا من الجرحى. كما أوضح البيان أنّ عشرات آلاف المدنيّين محاصرون الآن تحت وابلٍ من القصف الجوّيِّ والبريِّ على المنطقة، في ظلِّ انعدام الخدمات، وانهيارٍ شبه تامٍّ للقطاع الصحيّ، وحاجةٍ ملحّة للإغاثة وإدخال المساعدات الغذائيّة والطبيّة.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: