حدثتني أم صالح

0

وجهٌ مكتظٌّ بحكايا القهر، عتيقٌ كجذع شجرةٍ معمّرةٍ، يجعلك تتوه في خطوطه وتجاعيده وثناياه، وتتساءل وأنت تقرؤه عن كلِّ انحناءةٍ فيه وما الذي تخفيه في داخلها. أيقظني صوتها من شرودي “يسعد صباحك يا بني”، ثلاث كلماتٍ مسكونةٌ ببحّة الأمِّ جعلتني أتنفّس عميقًا وكأنّني أشمُّ رائحة قميص أمي تخالطها رائحة ما كانت تخبّئه لي في “عبّها” عندما تعود من زيارة أحد الأقرباء أو الأصدقاء في القرية؛ أنابيب وسكاكر وبعض التين المجفّف مع اللوز…

نظرتُ إلى عينيها الغائرتين الزرقاوين اللتين، على الرغم من صغرهما وسطوة المحجرين عليهما، كانتا تحدّثاني عن كثيرٍ من الألم والاغتراب والصبر والرعب والجرأة والتحدّي وكأنّهما بحرٌ تتلاطم فيه أمواج الأضداد. نعم، أنا على ثقةٍ من أنّي لم ألتقِ سابقًا بعيونٍ تجيد البوح كعيون أمِّ صالح.

استوت في جلستها قليلًا، عندها شعرتُ بثقل صمتي عليها وأنا أتمعّن في وجهها المنهك ولغته الفصيحة، فبادرتها السؤال عن أحوالها. ومن دون تفكيرٍ أو إبداء أيِّ إيحاءاتٍ على سحنتها ردّت بسرعة المعتاد “الحمد لله يا بني”؛ كلماتٌ أخرجتها بحركاتٍ رتيبةٍ من الشفاه الملبّدة بالتجاعيد، فسؤالي كثيرًا ما سمعته وكان جوابها على هذا النحو. وعلى كلِّ الأحوال لم أكن أتوقّع جوابًا غير هذا، فالمرأة السوريّة الريفيّة –غالبًا- لا تعلن عن عوزها ووجعها وعذاباتها بهذه السهولة، فهي لطالما عبّرت عنها بالبكاء العصيّ على الأعين أو بـ”الهجيني والعتابا” تلك الفنون التي انتشرت في معظم الريف السوريِّ على إيقاع القهر، فهي بكاءٌ مغنّى. أمّا انتظارك لها بأن تبوح لك بآلامها نتيجة سؤالٍ عابرٍ كهذا فهو شبه مستحيلٍ وغالبًا ما تكتفي بحمد الله وشكره على كلِّ شيءٍ مستمدّة من ذكر الله عزّتها وقوّتها. فهي كباقي الأمّهات السوريّات تصون وجعها كجوهرةٍ وتحصّن ألمها العميق والعتيق الذي توارثته كابرًا عن كابرٍ ولا تريد أن تبوح به كي لا يفقد قيمته فيصبح ألمًا سطحيًّا مبتذلًا أو كي لا تقع تلك الجوهرة بين يدي “سمكريٍّ” لا يعرف قيمتها ويحسبها معدنًا رخيصًا.

حينها هربتُ خارج شعاب الروح إلى حديثٍ عامٍّ لا تسكنه المشاعر والانفعالات والذكريات لأنّي أدركت أنّها تعتّقُ ألمَها في صدرها وأنّي لم أصبح بعدُ ذاك النديم الذي قد تنادمه ما عتّقته عبر السنين. فترنّح الحديث باردًا ليس فيه سوى اتّقاد عينيها ببوحٍ شجيٍّ، كالحديث عن سنّ والديَّ وما الذي يفعلانه في القرية، لتحدّثني هي عن غلاء المعيشة وإيجار البيت الذي تسكنه مع زوجة ابنها وأحفادها بعد أن نزحت عن قريتها. عندها لم يبقَ لي سوى الانصراف وأنا مثقلٌ بأشياء لا أعرفها عن تلك العجوز التي اختزلت مأساة وطنٍ في خطوط جبهتها وتجاعيد وجهها ومبسمها اليابس الذي ما عرف انثناءةً غير تلك التي تتّجه إلى الأسفل وتشير إلى صدرٍ تكاد روحها المثقلة تفيض منه.

وفي طريقي إلى بيتي أصابني هوس الأسئلة وغرقت بتفاصيلَ مشرّعةٍ على كلِّ احتمالات المأساة السوريّة الحبلى بالفقد والحنين والظلم والرعب… وأحسست برأسي وكأنّه معلّقٌ في الهواء وخفيفٌ كقشّةٍ تلهو فيها الريح. تُرى، كم فقدت هذه المرأة من الأبناء؟ لماذا تسكن مع زوجة ابنها وأحفادها؟ أين ابنها وهل لديها أبناءٌ وأحفادٌ آخرون؟ هل هم في المنافي أم في السجون أم في القبور؟  كيف كان شكل منزلها قبل أن تنزح عنه؟  هل تهدّم أم لا يزال موجودًا؟ هل يشبه منزلنا في القرية؟ ماذا تركت خلفها من ذكريات؟ هل اعتُقل أحد أبنائها في ثمانينيّات القرن المنصرم أو على امتداد حقبة الرعب في سورية؟ هل قُتل أحد أفراد أسرتها أو أحد أقربائها تحت التعذيب؟ زوجها هل استُشهد أم مات موتًا طبيعيًّا أم مات قهرًا؟  هل لديها بناتٌ؟ هل من الممكن أن تكون إحداهن قد تعرّضت للاغتصاب؟… لكن أعود لأقول لنفسي هذه الأسئلة ليست وساوسَ قهريّةً ولا هوسًا بالتفاصيل بل هي حقيقةُ السوريّين. فمن الطبيعيّ عندما تلتقي بامرأةٍ سوريّةٍ أن تقفز إلى ذهنك كلُّ هذه الأسئلة؛ فالأمُّ السوريّة خزّان الوجع. إلّا أنّي سأذهب مجدّدًا إلى أمِّ صالح وسأعرف أكثر عن تفاصيل حياتها وستنادمني الألم المعتّق وسأحدّثكم بما ستحدّثني به.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: