نازحو حلب، وسيلة لإيصال الرسائل

1

عاملان سياسيٌّ واقتصاديٌّ ساهما في القبول والاحتضان الساحليّ “الموالي” للنازحين الحلبيّين، ولاسيّما الموجة الأولى منهم، قياسًا على غيرهم من النازحين.

في السياسة إنَّ مدينة حلب بقيت لفترةٍ طويلةٍ بعيدةً عن فاعليّات الثورة ضدّ نظام الأسد، وجرى زجُّ المدينة في الثورة بفعلٍ عسكريٍّ جاء من خارجها (الريف الحلبيّ) وهو الفعل الذي أنتج، مع توسّعه وامتداده، موجة النزوح الحلبيّ. أي إنّ المدينة التي بقيت في معظمها سلبيّةً إزاء الأنشطة السلميّة للثورة، إذا وضعنا جانبًا النشاط الطلابيَّ المهمَّ في جامعة حلب والتي اضطرّ النظام إلى إغلاقها في أيار/ مايو 2012، عانت انتقالًا طرفيًّا من الهدوء والسلبيّة إلى العسكرة المفروضة على المدينة من خارجها إلى حدٍّ كبير.

في الاقتصاد إنّ الحلبيّين ذوو مهاراتٍ اقتصاديّة ورؤوس أموالٍ يمكن أن تنعش اقتصاد الساحل. على أنَّ رؤوس الأموال الحلبيّة التي جاءت إلى الساحل هي بين الصغيرة والمتوسطة، ذلك أنّ رأس المال الحلبيّ الكبير اختار الخروج من سورية. ففي 2012، كان قد غادر سورية اثنا عشرَ عضوًا من هيئة إدارة غرفة التجارة في حلب.

لكن يجب القول إنّ هذا العامل الاقتصاديّ يخصُّ نسبةً قليلةً من الوافدين الحلبيّين، وهذه الفئة هي الأقلّ حاجة للمساندة والاحتضان قياسًا على الوافدين الفقراء وعديمي الوسائل. إلى هذا فإنَّ من يهتمّ بهذا العامل ويقدّر قيمته هم الفئة الحاكمة وصاحبة الأمر أكثر من القطاعات الشعبيّة الساحليّة، هذا يعني أنّ العامل السياسيّ كان العامل الأهمّ في القبول الشعبيِّ الساحليّ “الموالي” للوافدين الحلبيّين. مع الإشارة إلى أنّ المساهمات الحلبيّة المتنوّعة في النسيج الاقتصاديّ الساحليّ كانت مفيدةً للقطاعات الشعبيّة هناك، وخلقت لديهم نوعًا من الإعجاب والتقبّل. لكن كان لهذا الأمر وجهه الآخر بالطبع، وهو خروج جزءٍ من المهنيّين العلويّين الصغار مطرودين من السوق بقوّة السوق والمنافسة. هذه النتيجة كانت لاحقةً، بطبيعة الحال، لموجة النزوح الأولى التي بدأت في النصف الأوّل من عام 2012، والتي كانت في حاجةٍ إلى بضعة أشهر على الأقلّ كي تظهر فاعليّتها.

فتحت الدولة مرافق المدينة الرياضيّة في اللاذقية أمام الموجة الأولى من الوافدين من حلب “حلب الأسد” كما كان يقال. الموقف الإيجابيّ من جانب السلطة السياسيّة (النظام) إزاء الوافدين من حلب، أعطى للموالين الضوء الأخضر للتعامل الإيجابيّ معهم (من المفيد أن نلاحظ هنا أنّ الموالين يتصرّفون بهدي مواقف النظام أكثر ممّا يتصرّفون بناءً على قناعاتهم الخاصّة، لو كان موقف النظام سلبيًّا حيال الحلبيّين مثلًا لتبعه الموالون في هذا). بالفعل كان الترحيب بالحلبيّين محسوسًا، مثلًا كانت هناك عائلاتٌ تطبخ في بيوتها وتنقل الطعام المطبوخ إلى العائلات اللاجئة في المدينة الرياضيّة. هناك من اهتمَّ بشؤون الأطفال وتطوّع لتأمين وسائل اللعب ومتطلّبات الطفولة لهم. وعلى اعتبار أنّ أغلبيّة الوافدين من النساء، فقد برز نوعٌ من التضامن النسائيّ الواضح معهنّ، والمستجيب لحاجاتهنّ.

رسالة النظام في تعامله مع الوافدين الحلبيّين هي نفسها الرسالة التي طالما تلقّاها السوريّون في ظلّ نظام الأسد: الحماية ووسائل العيش مقابل الولاء، أو هكذا نحمي الموالين لنا. لكن في الظرف السوريّ الملتهب ونتيجة تسليط الضوء على ما يجري في سورية، أراد النظام أن يوجّه بالأحرى رسالةً متعدّدة الجوانب إلى العالم عبر النازحين الحلبيّين: السوريّون يفرّون من مناطق سيطرة “المعارضة” ويتّجهون إلى مناطق سيطرة النظام، مناطق النظام تستقبل السوريّين بصرف النظر عن منبتهم الدينيّ أو المذهبيّ، النظام يؤمّن للنازحين الحماية ويستقبلهم، أو الدولة للجميع. الحرص على هذه الرسالة “العالميّة” هو ما جعل النظام يغضُّ النظر عن تظاهراتٍ احتجاجيّةٍ قام بها النازحون الحلبيّون داخل المدينة الرياضيّة في اللاذقية، لكيلا يحرق سلّة الرسائل تلك.

من يعدّون أنفسهم معارضين للأسد في الساحل، اندفعوا لمساعدة النازحين من دون تمييزٍ من منطلقٍ إنسانيٍّ أوّلًا، وربّما لأنّ هذه المساعدة بدت لهم أيضًا كنوعٍ من ممارسة معارضة للنظام: مساعدة مدنيّين سوريّين يعدّهم النظام أعداءً بوصفهم حاضنةً إرهابيّة. في بعض الحالات كانت المساعدات المستقلّة أو “المعارضة” تُقدّم بعيدًا عن أعين غير الموثوقين، لما قد يترتّب على هذا السلوك من تبعاتٍ “أمنيّة”. كان من أبرز المساعدات التي قدّمها هؤلاء المعارضون إنشاء روضة أطفالٍ لاستقبال أطفال العائلات غير المرغوب فيها. تجاه النازحين الحلبيّين “المدلّلين” (هذا الدلال لم يدم طويلًا، على أيِّ حال، تحت ضغط ثقل المهمّة الطويلة أوّلًا وتحت ضغط الحياة والموت الذي عاشه الساحل على نحوٍ متواصل) لم يُظهر هؤلاء المعارضون سلبيّة. لقد كان دعم هؤلاء الحلبيّين، على الأقلّ، بلا تبعاتٍ “أمنيّة” قياسًا على دعم نازحين آخرين مصنّفين كحاضنةٍ إرهابيّة، كما أسلفنا.

مع طول أمد الصراع العسكريّ والزيادة الكبيرة في حجم الخسائر البشريّة والزيادة الحادّة في تكاليف المعيشة في الساحل، تراجعت القدرة على التضامن الأهليّ مع النازحين من جهةٍ، كما زادت، من جهةٍ أخرى، حدّة الشعور السلبيّ تجاه جماعاتٍ منهم (الجماعات التي يُشتبه أنّها مؤيّدةٌ لمعارضي الأسد) بفعل القصف الصاروخيّ العشوائيّ على الساحل أو إثر التفجيرات العمياء التي استهدفت مناطق تجمّعٍ للمدنيّين مثل الكراجات.

من أبرز ما ميّز النزوح الحلبيّ هو إقدام الشباب الحلبيّين على التطوّع في “قوّات الدفاع الوطنيّ”، بتأثير تراجع الحال الاقتصاديّ للعائلات ووجود قاعدةٍ سياسيّةٍ أمنيّةٍ متبادلة تسمح بمثل هذا الانخراط: مستوى كافٍ من الثقة لدى النظام تجاه هؤلاء الشبّان، وقبول هؤلاء الشبّان الانخراط في قوّات النظام.

قد يعود معظم النازحين إلى مناطقهم المدمّرة، ويبدؤون من البداية، وقد يبقى قسمٌ منهم في الساحل حيث أسّس لنفسه وسائل عيشٍ ترضيه، لكن يبقى السوريُّ، بعد كلِّ هذه المرارة، بعيدًا عمّا حلم به في مطلع عام 2011، هكذا يبقى المستقبل السوريُّ قلِقًا.

1 Comment
  1. […] نُشرت بتاريخ 21/10/2017 على موقع أصوات […]

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: