تعنى باللاجئين والنازحين

مخيم الركبان: واقع ومشكلات

0

الركبان أرضٌ صحراويّةٌ حدوديّةٌ قاحلةٌ تقع في محافظة المفرق في أقصى شمال شرقيّ الأردن، بالقرب من الحدود مع سورية والعراق، وعلى بعد 290 كم شمال شرقيّ العاصمة الأردنيّة عمّان. أُنشِئ في هذه المنطقة الحدوديّة من الجهة السوريّة مخيّمٌ عشوائيٌّ للاجئين السوريّين على طول 7 كم من المنطقة المحرّمة المنزوعة السلاح بين البلدين وبعمق 3 كم، ومعظم اللاجئين فيه فرّوا من المناطق الشرقيّة وريف حمص الشرقيّ وعمق البادية السوريّة التي سيطر عليها تنظيم الدولة الإسلاميّة (داعش) بعد إعلانه قيام ما أسماه بـ “دولة الخلافة” عام 2014، وتتضارب أعداد قاطني المخيّم بحسب الجهة المقدِّرة (فبينما تقدّر القوّات المسلّحة الأردنيّة عدد اللاجئين داخل المخيّم بنحو 70 ألفًا، يقدّرهم “جيش أحرار العشائر” بنحو  100 ألفٍ، في الوقت الذي تقول فيه أرقام المفوّضيّة السامية لشؤون اللاجئين، التي تعتمدها بناءً على تحليل الصور الجوّيّة وحجم المساعدات المقدّمة، إنّهم 55 ألفًا)، وهو ما انعكس سلبًا على تقدير الاحتياجات الواجب توفيرها للاجئين.

ووصف ناشطون مخيّمَ الركبان بأنّه أحد أكثر المخيّمات بؤسًا في العالم، لكن يصعب التحقّق من ذلك بسبب عدم السماح للإعلاميّين بدخوله. حيث يعاني اللاجئون في المخيّم من نقص الموادّ الغذائيّة، ولاسيّما حليب الأطفال، وهو ناجمٌ عن عدم التزام المنظّمات الدوليّة بإرسال المساعدات الغذائيّة الكافية بشكلٍ مستمرٍّ ومنتظم. إضافة إلى شحِّ المياه وانقطاعها في بعض الأحيان؛ حيث لا يوجد في المخيّم مصدرٌ دائمٌ للمياه، إنّما يعتمد على المياه التي تنقل بالصهاريج من الجانب الأردنيّ وهي لا تغطّي حاجة المقيمين فيه، وهذا ما فتح الباب لبعض الباعة لاستغلال الوضع وبيعها بأسعارٍ مرتفعة. كما يبعد مكان توزيع المياه الأقرب عدّة كيلومترات عن المخيّم، حيث يسير بعض اللاجئين ساعاتٍ طويلةً مشيًا على الأقدام في الحرِّ الشديد للحصول على “غالون” من مياه الشرب، نظرًا لبعد المسافة والظروف الجوّيّة الصعبة. ونتيجة شحِّ مياه الشرب، برزت في المخيّم عدّة حالات وفاةٍ بالجلطات الدماغيّة أو الجفاف، كما انتشرت بعض الأوبئة والأمراض الجلديّة. وكشفت منظّماتٌ إغاثيّةٌ بداية شهر تشرين الأوّل/ أكتوبر الجاري، أنّ مياه الشرب التي يضخّها الجانب الأردنيّ، مقطوعة عن المخيّم الصحراويّ، ما يجعل اللاجئين مضطرّين إلى شرب المياه الآسنة ومياه “الخبرات” المالحة، وهي مياهٌ غير صالحةٍ للاستخدام البشريّ، وتسبّب أمراضًا معويّة وحالات إسهالٍ شديدٍ، ولاسيّما بين الأطفال. في حين قال رئيس المجلس المحليّ للمخيّم “محمد درباس الخالديّ” في تصريحٍ لوكالة “سمارت” للأنباء، الخميس 5 تشرين الأوّل/ أكتوبر الجاري، إنّ المياه التي تأتي من الأردن مؤخّرًا لا تكفي ربع سكّان المخيّم، حيث يعتمد الأهالي الآن على مياه “الخبرات” (المسطّحات المائيّة) المن

تشرة في محيط الركبان. وقال ناشطون إنّ تكلفة الحصول على برميلٍ يحوي 200 ليتر من مياه الخبرات تصل إلى 1500 ليرة سوريّة.

ويتحدّث لاجئون في المخيّم عن جشع التجّار الذين يُحضرون البضاعة من داخل سورية لبيعها في المخيّم، ويطلبون فيها أضعاف سعرها الحقيقيّ، وعن أنّ عددًا منهم اضطرَّ إلى بيع مدّخراته من مصاغٍ وأشياء ثمينةٍ بأسعارٍ بخسةٍ للحصول على المال اللازم لشراء احتياجاته. وعلى الرغم من هذا كلّه أصبح هؤلاء التجّار ضرورةً لقاطني المخيّم الذين يحتاجون سلعًا وجوديّةً غير متوفّرةٍ في المخيّم كحليب الأطفال والأدوية، وهو ما يؤشّر إليه ازدياد معاناتهم عندما أصبح المخيّم شبه محاصرٍ بعد انقطاع الطرق المؤدّية إليه، بسبب المعارك الدائرة في البادية السوريّة بين قوّات فصائل المعارضة المسلّحة والميليشيات الشيعيّة الموالية للنظام السوريّ وسيطرة الأخيرة على مناطقَ واسعةٍ منها. فأصبحت السوق التجاريّة في المخيّم شبه خاليةٍ من الموادّ الغذائيّة، في حين بات يعتمد أغلب اللاجئين على المعونات والمساعدات الشحيحة المقدّمة من المنظّمات الدوليّة والإغاثيّة. وتسود الآن حالةٌ من القلق بين سكّان المخيّم خشية وصول الميليشيات الطائفيّة إليهم، ما ينذر بمجازرَ على غرار المجازر التي ارتكبتها ميليشيات الحشد الشعبيّ في العراق.

وفي 21 حزيران/ يونيو 2016، أغلقت السلطات الأرنيّة حدودها مع مخيّم “الركبان” وأعلنتها “منطقة عسكريّة”، بعد أن تبنّى تنظيم الدولة الإسلاميّة (داعش) تفجير سيارةٍ مفخّخةٍ استهدفت نقطةً لحرس الحدود الأردنيّ، قضى على إثرها سبعة عناصر من القوّات الأردنيّة وأُصيب عشرون آخرون بجروح. وتواصل الحكومة الأردنيّة إغلاق حدودها مع سورية إلى الآن بسبب ما تصفه بالتخوّفات الأمنيّة. هذا ما فاقم مشكلة قاطني المخيّم، فمعظمهم من طالبي اللجوء، وبعد هذا القرار صار ممنوعًا عليهم تجاوز الحدود السوريّة الأردنيّة باستثناء بعض الحالات الصحيّة، التي لا يتمكّن مركز الرعاية الطبيّة الأوليّة الطارئة داخل المخيّم من التعامل معها؛ فتلك الحالات تدخل الأردن لتلقّي العلاج، شرط إعادتها إلى المخيّم بعد الاستشفاء. هذا الواقع خلق مشكلاتٍ من نوعٍ آخر، فكثيرٌ من العائلات دخل أفرادٌ منها إلى الأردن، بينما بقي عددٌ من أفرادها عالقين داخل المخيّم غير مسموحٍ لهم باللحاق بمن غادروا إلى الأردن؛ فزادت معاناة الأسر وتشتّت أفرادها، ولاسيّما الأطفال الذين ينتظرون عودة الآباء أو اللحاق بهم. إضافة إلى الواقع الأمنيّ الخطر الذي يعيشه قاطنو المخيّم، إذ وقعت فيه كثير من الاشتباكات والتفجيرات، ففي الرابع من أيار/ مايو 2017، قُتل أربعة أشخاصٍ وجُرح آخرون جرّاء انفجار سيارةٍ مفخّخةٍ داخل سوقٍ قرب المخيّم. ونقلت تقاريرُ إعلاميّةٌ حينها أنّ مخيّم الركبان شهد اشتباكاتٍ بين مجموعاتٍ مسلّحة، وأنّ إطلاق النار سمع في المكان. وبعد أقلّ من أسبوعين قُـتل عشرة أشخاصٍ وأُصيب آخرون، إثر انفجار سيارةٍ مفخّخةٍ قرب المخيّم.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: