تعنى باللاجئين والنازحين

ملامح من حياة المرأة في الرقة تحت حكم داعش

0

ليس للمرأة في الرقّة تلك الخصوصيّة المميّزة لها عن نساء سورية، سوى انتمائها إلى بيئةٍ عشائريّةٍ، عمومًا، وشبه بدويّةٍ، مع ما يعنيه ذلك من خصوصيّة العلاقة بالدين والتديّن.

ويمكن إجمالًا الإشارة إلى ضعف التديّن في هذه البيئة مقارنةً مع حالة المدن الكبرى، ولاسيّما في مدن حلب وحماة وحمص ودمشق. لكنّ البيئة العشائريّة تبقى محافظةً اجتماعيًّا بدافع العادات والتقاليد التي لها ارتباطٌ ما بالتديّن، من دون أيِّ تشدّدٍ في التديّن الطقوسيّ، أو حتى إتقان لتلك الطقوس.

حتى عودة بعض السوريّين من السعودية في أواخر ثمانينيّات القرن الماضي، وما بعد، وإدخالهم النقاب السلفيّ على لباس نسائهم، ظهر في حالةٍ محدودةٍ ونادرةٍ وغريبةٍ في مجتمعٍ منفتحٍ ضمن معايير القبيلة والعائلة الكبيرة.

نذكر هنا أنّ الرقة كانت المحافظة الثانية التي يُطبّق فيها التعليم المختلط بين الجنسين قسرًا في الفترة الممتدّة بين عامي (1986 – 2003) بأمرٍ من محافظ الرقة الأمنيّ في فترة الثمانينيّات، محمد سلمان، وليس بخطّةٍ لـ”تطوير التعليم” صادرة عن وزارة التربية والتعليم.

بعد خروج الرقة من يد النظام في (6 آذار/ مارس 2013)، استمرّ التعليم بشكلٍ شبه طبيعيٍّ، كما استمرّ وضع المرأة وحرّيّاتها في مجتمع الرقة بشكله الاعتياديّ. التحوّل بدأ مع اليوم الأوّل من العام الدراسيّ (2013 – 2014)، عندما قصفت طائرات النظام مدرسة (ابن طفيل)، فاستُشهد في القصف 13 طفلًا، إضافة إلى حارس المدرسة وعددٍ من المدنيّين. تلاها قصف ثانويّة الرشيد، ثمّ ثانويّة عمّار بن ياسر، فأحجم كثيرٌ من الأهالي عن إرسال أولادهم إلى المدارس.

التغيّر النوعيّ في وضع المدارس، وفرض النقاب على المرأة، بدأ مع أواخر عام (2013) وبداية عام (2014)، حين سيطر “داعش” على الرقة منفردًا بعد هزيمة الفصائل التي سيطرت على المدينة وطردت النظام الأسديّ، بأمنه وشبيحته، منها.

القصص الفرديّة عن فرض الحجاب والنقاب على نساء الرقة تكاد تدخل في باب المضحك المبكي أحيانًا. مثلًا، عاتب أحد “الدواعش” امرأةً مسنّة في ربيع (2014)، لأنّها لا تضع النقاب حسب “المواصفات”. حاولت المرأة التذاكي بدل أن تعتذر، أو تُظهر خوفها، متذرّعةً بحرارة الطقس. ضحك الداعشيُّ وقال لها: “شلون بدك تعملي بالصيف؟”، فردّت المرأة عليه “ليش أنتم ظالين للصيف!”.

لكن “داعش” حَكَمَ الرقة بقبضته السلفيّة لأكثر من ثلاث سنواتٍ حتى السادس من حزيران/ يونيو الماضي، أي البدء في حصار المدينة من قبل “قوّات سوريا الديمقراطيّة” المدعومة بطيران التحالف الدوليّ.

في تلك السنوات، وقع العبء الأكبر على المرأة من بين مَن اضطرّوا إلى البقاء في المدينة، فمعظم الشباب نزحوا عن المدينة، أو لجؤوا إلى دول الجوار، وقلّة منهم انضمّوا إلى تنظيماتٍ عسكريّةٍ في الرقة وغيرها.

ذلك العبء على المرأة لا يقتصر على حريّة اللباس، فهذا أمرٌ يمكن أن تعتاده، كما اعتاد الرجال على إطلاق لحاهم مجبرين، وحسب المواصفات، أيضًا، بل على إدارة الدخل المادّيّ المتناقص، أو المنعدم، للأسرة، وعلى محاولة تعليم الأطفال في البيت، بعد إغلاق جميع المدارس منذ ربيع 2014، حيث اقتصر التعليم على مئات الأطفال فقط ممّن انتسبَ آباؤهم إلى عسكر “داعش”. ويمكن تخيّل مدى صعوبة تربية الأطفال، وضبط سلوكهم، في هذا الجوّ المغلق بين ترهيب “داعش” عند الخروج من المنزل، والخوف من موجات القصف الجوّيّ عند الخروج إلى الشارع، أو الحديقة، بعد أن تناوب على ذلك طيران النظام، والطيران الروسيّ، وطيران التحالف ضدّ “داعش”.

وعند الخروج من المنازل، كان الخوف الأكبر هو وقوع الأطفال والمراهقين خاصّة تحت تأثير إعلام “داعش”، والسيارات الدعويّة التي كانت تجوب الشوارع للدعاية لـ”الدولة الإسلاميّة”، بعد أن انضمَّ عددٌ لا بأس به من المراهقين إلى التنظيم رغمًا عن رأي أهلهم، ومن دون وعيٍ إن كان خيارهم صحيحًا، أو خاطئًا، وقُتل عددٌ منهم بغارات الطيران، ومعارك التنظيم، في عين العرب – كوباني، وفي منبج، وجرابلس، والرقة.

تدرّجت التنظيمات التي حكمت الرقة “المحرّرة” من منع البنطلون للنساء، إلى فرض العباءة وغطاء الرأس، ثم إلى النقاب، وصولًا إلى غطاء الوجه، والكفين، مع الالتزام بقماشٍ سميكٍ للعباءة كي لا تشفَّ عمّا تحتها، وطويل كي لا تظهر القدمان.

وحتى في أطوار النزوح الذي تكرّر مرّات منذ الأشهر الأولى لخروج الرقة عن سيطرة النظام الأسديّ، ومن ثمّ سيطرة “داعش” على الرقة منفردًا، كانت المرأة، سواء أكانت أمًّا، أو شابّة، هي من تدبّر شؤون الأطفال والرجال، مع ما يعنيه ذلك من صعوبةٍ إضافيّةٍ خارج بيت العائلة وافتقار البيت الجديد، أو الخيمة، لمعظم مستلزمات الطبخ، والنظافة، والنوم، خاصّة مع اجتياح الفقر لمعظم موازنات العائلات، وخاصّة من الموظفين والعاملين في الزراعة. وفي تلك النزوحات القصيرة والمؤقّتة كانت المرأة تلتزم باللباس الداعشيّ حتى في مناطق كانت خارج سيطرة التنظيم، من باب الاعتياد، وتحسّبًا للعودة من جديدٍ إلى أراضي سلطته.

لكنّ تلك النزوحات انتهت بعدما أيقن الناس أنّ الرقة تقع في آخر سلّم أولويّات النظام، على الرغم من أنّ الطيران الحربيّ كان يقلق راحة المدنيّين المحكومين من “داعش”.

بدأ النزوح الكبير عن الرقة في آذار/ مارس الماضي، بخروج ما لا يقلّ عن مئة ألف مدنيٍّ منها بعد إشاعة انفجار سدّ الفرات. وكانت التقديرات وقتها تشير إلى بقاء ما لا يزيد على 50 ألف مدنيٍّ في المدينة، ممّن اختاروا البقاء في بيوتهم مهما كانت النتائج، وإيمانًا منهم بالقضاء والقدر، أو ممّن لم يصدّقوا أنّ معركةً طويلةً ستجري في الرقة، واعتقدوا أنّ الحسم سيكون سريعًا لمصلحة “قوّات سوريا الديمقراطيّة” وطيران التحالف الدوليّ ضدّ “داعش”، ما يعني أنّ تحمّل البقاء في هذا الوضع بضعة أسابيع لن يكون بالغ الصعوبة.

وفي سنوات حكم “داعش”، تقلّص دور المرأة العاملة حتى كاد دورها الوحيد أن تلتزم بيتها، باستثناء بعض النساء والفتيات العاملات في المهن الطبيّة، فالتمريض والطبّ النسائيّ لا غنى عنه للنساء، بحكم أنّ التنظيم فرض قوانينه أيضًا، لكن بقيود، حيث منع أطباء النسائيّة من مزاولة مهنتهم بمعالجة النساء. وكانت الأخبار تتناقل تفاصيلَ مرعبةً لمعاقبة طبيب نسائيّة قام بمعاينة امرأةٍ بعد فرض هذا القانون، بأخذه إلى مشافٍ عدّة وجلده أمام الأطباء الآخرين.

ومن أشدّ الصعوبات التي عانت منها المرأة في الرقة كانت ظاهرة تزويج الفتيات في سنّ 14 سنة، حيث اضطرّت بعض العائلات، نتيجة إغلاق المدارس وتوقّف الدراسة، وانعدام مصادر الدخل، إلى تزويج بناتهم لعناصر من” داعش”؛ ومنهنّ من ترمَّلت مرّاتٍ، بعد وفاة زوجها الأوّل، ثمّ الثاني، ثمّ الثالث. وفي حالاتٍ نادرةٍ زوّجت فتياتٌ في سنّ 13 سنة لم يبلغن مبلغ النساء، فحقنَّ بأدويةٍ هرمونيّةٍ

كي تأتيهنّ الدورة الشهريّة.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: