تعنى باللاجئين والنازحين

لاجئون فلسطينيّون في محافظة إدلب

0

من حربٍ وحصارٍ، وقصفٍ وتدميرٍ وفقدٍ للأرواح، إلى النزوح شمالًا؛ دوّامةٌ من النكبات طالت أكثر من ثلاثمئة عائلةٍ فلسطينيّةٍ لاجئةٍ للمرّة الثانية، منذ أكثر من عام، وهذه المرّة من مخيّم “خان الشيح” إلى مدينة إدلب. ففي ظروفٍ مريرةٍ، وعلى أبواب الشتاء البارد، يجد هؤلاء البائسون أنفسهم مكشوفين بلا عونٍ ولا ظهير، بغيابٍ شبه تامٍّ للمؤسّسات الرسميّة والفصائليّة الفلسطينيّة، وكذلك المنظّمات الدوليّة.

يقع مخيّم “خان الشيح” في الغوطة الغربيّة، على بعد عشرين كيلو مترًا من العاصمة دمشق، حيث وقّعت فصائل المعارضة المسلّحة، تحت ضغط القصف الروسيّ، في منطقة “خان الشيح” ومحيطها، اتفاقًا مع قوّات النظام، أفضى إلى تهجير أكثر من 2500 لاجئٍ فلسطينيّ وعشرات العائلات السوريّة بصورةٍ قسريّة، إلى الشمال، إذ بدأ تنفيذ الاتّفاق يوم الاثنين 28 تشرين الثاني/ نوفمبر 2016. خلال عامٍ من النزوح تدبّرت بعض هذه العائلات أمرها وعبرت إلى تركيا وأخرى هاجرت إلى أوروبا، فيما بقيت الأغلبيّة العظمى في إدلب بسبب التكلفة العالية لطرق التهريب وازدياد خطورتها خلال الأشهر الأخيرة. حيث لم تكن هناك مخيّماتٌ أو تجمّعاتٌ فلسطينيّة، ومن ثمّة لا وجود لأيِّ مؤسّسةٍ دوليّةٍ أو محلّيّةٍ تعنى بشؤون اللاجئين الفلسطينيّين، وهم المستثنون من حماية “المفوّضيّة السامية للاجئين” كونهم تحت حماية هيئةٍ دوليّةٍ أخرى هي “الوكالة الدوليّة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيّين”.

وإلى جانب العائلات الفلسطينيّة القادمة من مخيّم “خان الشيح”، هناك عددٌ من العائلات الفلسطينيّة التي نزحت عن مخيّمات “اليرموك” و”الحسينيّة” و”حندرات” بسبب العمليّات العسكريّة في تلك المناطق خلال السنوات السابقة، وهناك عائلاتٌ أخرى فرّت من مخيّمات “الرمل” في اللاذقية، و”العائدين” في حمص و”النيرب” في حلب، وتجمّع “ركن الدين”، طلبًا للأمن وخوفًا من الاعتقالات التعسّفيّة.

بعض العائلات فقدت معيلها، خلال سنوات الحرب، قتلًا أو اعتقالًا، ويغلب عليها طابع الفقر والحاجة وقلّة ذات اليد، وقد تقطّعت بها السبل في محافظةٍ شبه محاصرةٍ تغيب فيها الخدمات وتنتشر فيها الفوضى والبطالة وغياب الأمن.

من جهةٍ أخرى، على صعيد الواقع الميدانيّ في محافظة إدلب خلال الأشهر الأخيرة، فقد شدّدت هيئة تحرير الشام (النصرة سابقًا) قبضتها على محافظة إدلب وريفها، وازدادت سيطرتها وتمدّدها على حساب فصائل الجيش الحرّ، ما زاد الأمور تعقيدًا بسبب تصنيف الهيئة على قوائم الإرهاب، الأمر الذي دفع المؤسّسات والمنظّمات الدوليّة العاملة في المجال الإنسانيّ إلى تقليص نشاطها في المنطقة بشكلٍ كبيرٍ، ما أدّى إلى تردّي الوضع الإنسانيّ في عموم محافظة إدلب وريفها، ولاسيّما الوضع المعيشيّ والإنسانيّ للاجئين الفلسطينيّين الذين نزحوا إلى المنطقة.

وخلال الأيام القليلة الماضية، عاشت عائلاتُ اللاجئين الفلسطينيّين السوريّين في إدلب حالةً من الذعر والخوف بسبب تدهور الأوضاع الأمنيّة في المحافظة، وذلك بُعَيد الحملة الجوّيّة العنيفة التي شنّها الطيران الروسيُّ على المنطقة واستمرّت على مدار الساعة لأكثر من عشرة أيام، ما أدّى بهذه العائلات إلى النزوح عن أماكن سكنها في قرية “تل مرديخ” إلى بلدتي “أطمة” و”صلوة” الواقعتين على الحدود مع تركيا، خوفًا من القصف والاستهداف، حيث وصلنا من “مجموعة العمل من أجل فلسطينيّي سورية”، وهي مجموعةٌ إعلاميّةٌ حقوقيّةٌ فلسطينيّةٌ تنشط في مجال توثيق الانتهاكات التي يتعرّض لها اللاجئون الفلسطينيّون في سورية، عشرات المناشدات من قبل العائلات الفلسطينيّة في المحافظة، تطالب فيها الجهات الرسميّة والفصائليّة الفلسطينيّة ووكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيّين “الأونروا” بالتدخّل الفوريّ لوقف مأساتهم المستمرّة في المحافظة.

وهكذا باتت حياة ثلاثمئة عائلةٍ فلسطينيّةٍ على الأقلّ مهدّدة، وذلك بسبب اشتداد وتيرة القصف والاستهداف لمدينة إدلب، في ظلِّ غيابٍ وتقصيرٍ واضحٍ من قبل المؤسّسات الدوليّة المعنيّة باللاجئين الفلسطينيّين السوريّين، وعلى رأسها وكالة “الأونروا”، إضافة إلى عدم وجود أيِّ حراكٍ رسميٍّ فلسطينيٍّ تجاه تلك الأزمة.

بإطارٍ أوسع، مرّة أخرى تكون خلاصة تتبّع أوضاع المدنيّين في أيِّ منطقةٍ منكوبةٍ في سورية، عودةً إلى التذكير بالدعوات لتحييد المدنيّين، وبذل الجهد كلّه لتأمين احتياجاتهم الأساسيّة وعدم المساس بحقوقهم الإنسانيّة.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: