تعنى باللاجئين والنازحين

التهجير القسريّ: سياسة ممنهجة لدى سلطة الأسد وحلفائها

0

حاول الخطابُ الرسميُّ لسلطة الأسد أن يُظهر ما يجري في سورية من عمليّات تهجيرٍ وتغييرٍ ديموغرافيٍّ كأنّها أمرٌ طبيعيٌّ يحدث في جميع بلدان العالم، مردّه مصالح السكّان الاقتصاديّة والحالة الاجتماعيّة والظروف السياسيّة. ومنه ما صرّح به الرئيس السوريّ بشار الأسد عند زيارته مدينة داريا في ريف دمشق بعد تهجير سكّانها في تاريخ 12 أيلول/ سبتمبر 2016: “سورية كأيِّ بلدٍ متنوّع، الحالة الديموغرافيّة تتبدّل فيه عبر الأجيال بسبب مصالح الناس الاقتصاديّة والحالة الاجتماعيّة والظروف السياسيّة”. وفي آب/ أغسطس من العام الجاري خرج رأس النظام بمصطلحٍ جديدٍ وهو “المجتمع الصحّيّ المتجانس”، حيث قال: “صحيح أنّنا خسرنا خيرة شبابنا والبنية التحتيّة إلّا أنّنا ربحنا مجتمعًا صحّيًّا متجانسًا”. وهو ما يناقض تصريحه السابق بأنّ الحالة الديموغرافيّة تتغيّر تبعًا لمصالح وظروف السكّان، إنّما هي، وبحسب تعريفه الجديد، خطوةٌ على طريق تحقيق “المجتمع المتجانس” والذي دُفعت من أجله ضريبةٌ باهظة. بعد هذا الخطاب بأيام ظهر تصريحٌ للعميد عصام زهر الدين تناقلته وسائل التواصل الاجتماعيّ يهدّد فيه اللاجئين السوريّين في حال فكّروا بالعودة إلى سورية، وكأنّه جاء تطبيقًا عمليًّا على الأرض لخطاب “التجانس”.

ولعلّ رصد جوانب من آليّة النظام المتّبعة لتهجير السكّان قسريًّا، يبيّن منهجيّة التهجير لديه. فالقتل في سورية لم يكن نتيجة الأعمال القتاليّة فحسب، كما كانت تدّعي سلطة الأسد، بل كان سياسةً ممنهجةً تهدف إلى تهجير السكّان؛ فمعظم المجازر التي نفّذتها الميليشيات الطائفيّة الرديفة للقوّات النظاميّة كان هدفها انتقاميًّا لا عسكريًّا، ومنها مجزرة الحولة في 25 أيار/ مايو 2012، التي راح ضحيّتها 110 أشخاص، نصفهم من الأطفال، قضوا ذبحًا بالسكاكين. كما نفّذت القوّات النظاميّة والميليشيات الرديفة لها مجازرَ عديدةً قبل أن تأخذ المعارضة خيارها في المواجهة المسلّحة؛ ففي حمص مثلًا وقعت عدّة مجازر عندما كانت الاحتجاجات في طورها السلميّ (مجزرة حيّ الساعة 18 نيسان/ أبريل 2011، مجزرة مقبرة حيّ النصر 21 أيار/ مايو 2011…). وكثيرة هي المجازر التي استهدفت المدنيّين، إلّا أنّه يمكن ملاحظة القواسم المشتركة فيما بينها ، وهي منهجيّتها واتّخاذها خطًّا تصاعديًّا من حيث الاتّساع والشدّة، وارتفاع نسبة الضحايا من الأطفال والنساء. وفي أيلول/ سبتمبر 2017، ارتُكب ما لا يقلُّ عن 43 مجزرةً في سورية بحسب توثيق الشبكة السوريّة لحقوق الإنسان، وتصدّرت قوّات الحلف السوريّ الروسيّ بقيّة الأطراف بــ 32 مجزرة. إضافة إلى هذا يعدُّ الإخفاء القسريّ سياسةً سائدة لدى النظام والميليشيات الطائفيّة؛ فمعظم حالات الاعتقال في سورية تمّت من دون مذكّرة قضائيّة، أو معرفة الجهة المنفّذة للاعتقال ومكان الاحتجاز، وقد بلغ عدد المعتقلين المسجّلين لدى الشبكة السوريّة لحقوق الإنسان 117 ألف معتقل، وتؤكّد الشبكة أنّ عدد المعتقلين قد تجاوز هذا العدد وتقدّره بـ 215 ألف معتقل (منهم 99 في المئة اعتقلوا على يد القوّات الحكوميّة). كما أنّ كثيرًا من المعتقلين قد قُتلوا تحت التعذيب؛ ففي شهر أيلول/ سبتمبر 2017، وثّقت الشبكة السوريّة لحقوق الإنسان 33 شخصًا قضوا تحت التعذيب في سجون سلطة الأسد.

 

كما يُعتبر الاستخدام العشوائيّ والكثيف للأسلحة، ولاسيّما “الأسلحة الغبيّة” كالبراميل المتفجّرة، من أكثر الممارسات إحداثًا للقتل الممنهج؛  ففي عام 2016، بلغ عدد البراميل المتفجّرة الملقاة على مناطق سيطرة المعارضة 13 ألف برميلٍ متفجّرٍ، على الرغم من صدور قرار مجلس الأمن رقم 2139 في تاريخ 22 شباط/ فبراير 2014، الذي يطالب جميع الأطراف بالكفِّ عن الاستخدام العشوائيِّ للأسلحة في المناطق المأهولة بالسكّان، كالبراميل المتفجّرة.

وتصنّف المجازر التي ارتكبتها سلطة الأسد بأسلحة التدمير الشامل المحرّمة دوليًّا ضمن سياسة القتل الممنهج، ومنها مجزرة الكيمياويّ في الغوطة الشرقيّة في تاريخ 21 آب/ أغسطس 2013، والتي راح ضحيّتها نحو 1400 شخص، معظمهم من الأطفال.

كما استخدمت الحكومة السوريّة سياسة الحصار التي تهدف إلى خنق السكّان وتجويعهم، لإجبارهم على المفاوضات التي غالبًا ما تنتهي بتهجيرهم من مناطقهم، وفق معادلة “الجوع أو الركوع”. فلقد سبّب الحصار نقصًا حادًّا في الموارد الغذائيّة والدوائيّة أدّى إلى الموت جوعًا في بعض المناطق المحاصرة، كمضايا ومخيّم اليرموك وغيرها من المناطق. إضافة إلى أنّ الحصار أفرز طبقةً من التجّار الفاسدين عمدت إلى احتكار السلع ورفع أسعارها، حتى وصلت إلى عشرة أضعاف سعرها الحقيقيِّ في بعض الأحيان.

ويعدُّ نهب وتدمير ما تبقّى من ممتلكات السكّان آخر حلقةٍ في سلسلة ممارسات التهجير؛ فبعد أن تُخلى المنطقة من سكّانها، تدخل الميليشيات الرديفة لقوّات النظام، وتقوم بتفجير البيوت التي لا تزال صالحةً للسكن بعد أن تنهب محتوياتها، كما حدث في بعض حارات “حيّ التضامن” جنوب دمشق. ويطلق السوريّون على هذه الظاهرة “التعفيش”، وهناك ميليشيات أصبحت موسومةً بذلك، كميليشيا الدفاع الوطنيّ المدعومة إيرانيًّا. وهذه الممارسات يستفيد منها النظام بجانبين: فمن جهةٍ، تساهم هذه المسروقات بتغطية جانبٍ من نفقات تلك الميليشيات، وتدفعها إلى مواصلة أعمالها القتاليّة والإجراميّة طمعًا بغنائم الحرب، ومن جهةٍ أخرى، تساهم في تهجير السكّان بشكلٍ دائم؛ فالبيوت دُمّرت، والأشجار قطعت، والمناطق تغيّرت معالمها. يقول “عامر برهان” وهو ناشطٌ من مدينة الزبداني: “بعد تهجير السكّان من منطقة الزبداني في ريف دمشق الغربيّ، دخلت الميليشيات الطائفيّة التابعة للنظام بالتعاون مع ميليشيا حزب الله، وقامت بتدمير البيوت التي لا تزال صالحةً للسكن بعد أن أفرغتها من محتوياتها، وقطعوا الأشجار وأحرقوا البساتين. فالمهجّرون الآن لن يجدوا ما يعودون من أجله”.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: