تعنى باللاجئين والنازحين

“ناجون”

0

عبر عددٍ من الفاعليّات النوعيّة برز اسم “ناجون”، حيث بدت وكأنّها حركةٌ جديدةٌ. إلّا أنّ مرور الوقت، وعلى خلاف المعتاد، لم يؤدِّ إلى شيوع تعريفٍ لهم. نعرف فقط أنهم لاجئون سوريّون يجتمعون على “حملات مناصرة” من أجل المعتقلين، أو المطالبة بمحاسبة مجرمي الحرب، وما يشبهها. ولأنّ النجاح كان رفيقَ هذه الأنشطة الوفيّ، كما التنظيم الدقيق، وجدت نفسي مهتمًّا بالوصول إلى تعريفٍ لهم. وما إن سعيت لهذا الهدف حتى عدت من بوّابة “ناجون” للدخول في دهاليز الثورة الكثيرة، ومن ثمّة في عالمٍ سحريٍّ من الأفكار التحرّريّة المتناثرة والمتمركزة حول الإنسان وحقوقه. وهو ما أبقاني بعيدًا عن الجواب الذي أبحث عنه، وإن كان قد أثار حماستي.

ففي الواقع من الصعب تعريف ما لا بنية واحدة منظّمة له، وهو ممّا ينطبق على الثورة السوريّة التي كانت تعني أشياء مختلفة لكلِّ من شارك فيها، للدرجة التي بتنا نكاد لا نجد مشتركًا بين اتجاهاتها إلّا تحيّة ذكراها. فهل مشتركات كلٍّ من “ناجون” والثورة السوريّة تعني أنّنا نشهد إرهاصات موجةٍ ثوريّةٍ- مدنيّة؟ لعلّنا نلاحظ أنّ السؤال يسيل إلى حيث يوقظ الفزع، بعد الحماسة، من إعادة تجربة الفشل بسبب ضعف البنية التنظيميّة.

أعود إلى التمهّل. فليس من الصواب الذهاب بعيدًا بالتفكير ردًّا على إصرار المفكَّر فيه على ألّا يقدّم تعريفًا نهائيًّا لنفسه، إنّما يفترض التفكير في سبب هذا الإصرار. الأمرُ الذي يحتاج إلى لقاء بعض “الناجين”، وهو ما فعلته.

اللقاء

فارس الحلو، ممثّلٌ نجمٌ من الرعيل الذي افتتح الأمل بمسرحٍ سوريٍّ مميّز، وبإنتاجٍ تلفزيونيٍّ يجعل من دمشقَ عاصمةً أخرى للفنِّ العربيّ. وهو من الفنّانين السوريّين الذين سارعوا إلى الثورة، فتظاهروا، وكان حضورهم استكمالًا ضروريًّا لمشاركة شرائح المجتمع السوريِّ كافّةً.

وفارس اللاجئ لم يتوقّف عن السعي في مناكبها، فلا يكتفي بالحضور في الأنشطة فحسب، إنّما يشارك في إنجاز بعضها، وهو ممّن يدعمون الشباب في إصرارهم على الاستمرار، ويعيشه معهم.

“ماذا عن الناجين؟” أسأل، فيُجيبني فارس: إنّهم أنت، ألم تنجُ؟

 

أجبته “بلى” على الرغم من أنّي أعلم أنّي لم أفعل تمامًا. ولكن لا مكان للبس في هذا الموضع، فالسؤال هو عن النجاة بالحياة من الحرب، والنجاة من الموت في المعتقل، ومن ثمَّ التعامل مع ما لم ننجُ به تمامًا، ومنه التعامل مع الأثر النفسيِّ لهذه الحرب. وهو أيضًا ممّا يهتمّ به الـ”ناجون”.

أعود وأسأل: ألم نتعلّم من تجربتنا أهمّيّة البنية التنظيميّة؟

فارس: بلى، ولكن هناك الكثير من بنى المجتمع المدنيّ التنظيميّة الناجية، لا نفكّر بتأسيس مؤسّسةٍ جديدةٍ، إنّما نسعى إلى أن تلتقي البنى التي نجت من أجل سورية جديدة. ولكن ليس بشكلٍ حصريٍّ. وليس وحدها. إنّما كلّ من نجى.

أسأل: أما زلتم تحلمون؟

فارس: أبدًا، صرنا واقعيّين تمامًا. نحن نعلم أنّنا نعيش فترة الاضطراب بعد انتهاء سورية الأسد. صحيح أنّ هناك من يحاول إحياءها، ولكن الله وحده من يحيي العظام وهي رميم. الآن الجميع يتصارع لبناء سورية ما. نحن علينا أن نصرَّ بمعاولنا على إتمام دفن الميت. وأن نعدّ الماء الساخن لتسهيل ولادة سورية الديمقراطيّة.

ألحُّ بالسؤال: “ناجون”؟

فارس: إنّهم نحن كلّنا. من نجونا من المعتقلات. وكون المعتقلات تكثّف السلطويّة السوريّة الاستبداديّة فهذا يعني أنّنا من نجونا من حربها، ومن الموت بقصفها… نحن الذين لا نزال نواجه سعيها للنيل منّا، ونناضل لنبقى ناجين. نحن الذين سنعمل من أجل سورية أفضل.

أسأل: كيف؟

فارس: سنلتقي كلّ مرّةٍ ونقرّر شيئًا ما، ومع الوقت سيكون لدينا خطّةٌ طويلة المدى. وسيحصل هذا بالتدريج. وسيشارك به عددٌ متزايدٌ من الناس، أفراد ومؤسّسات. سنطلق حملات مناصرة لمحاور قضيّتنا الوطنيّة، وسنهيّئ، عبر التشبيك، مساحاتٍ لنشاط الأفراد والمؤسّسات، ولعرض عملهم…

حين وصلنا إلى هذه المرحلة من الرؤية توقّفنا، كون النوم سلطانًا؛ وهو من ينهي الكلام مهما كنّا مشدودين لاستمراره. هذا إضافة إلى أنّ ما يقوله فارس في حاجةٍ إلى تأمّلٍ؛ فـ”ناجون” يقترحون شيئًا من “الطبيعيّة” في واقعٍ مجنون، ما يمكن عدّه جوابًا منهم عن سؤال: كيف سيستطيع السوريّون الذين دخلوا في متواليات التشظّي أن يتوحّدوا في مهمّة بناء وطن؟

استقصاء وخلاصة

في اليوم التالي أبحث في الأوراق عن مزيدٍ من الأجوبة عن أسئلتي، وعلى صفحة “ناجون” على شبكة التواصل الاجتماعيّ “الفيسبوك”، فأجد نشاطًا لناجين من الكارثة السوريّة (رمزيًا يحددون “النجاة من المعتقلات” كرمز للنجاة) من شتّى المشارب والاختصاصات، فنّانين وكتّاب وإعلاميّين وحقوقيّين، وكلّ من حمل خطاب الحقوق والحرّيّات الإنسانيّة من السوريّين، وغير السوريّين، واهتمّ بأن يساهم في مساعي حماية المكتسبات الإنسانيّة من شرائع ومؤسّسات عدالةٍ دوليّة، عبر الضغط لمنع تفلّت مجرمي الحرب الطليقين من العقاب.

وأجدُ هناك عناصر إضافية لرؤية “ناجون” تتحدّث عن حاجة السوريّين إلى بناءٍ حديثٍ ومتينٍ لقضيّتهم يكون قادرًا على إنتاج صورةٍ جديدةٍ تعبّر عن تطلّعاتهم التحرّريّة الإنسانيّة، بعد التغيّرات المجحفة التي طرأت على الواقع السوريّ بشكلٍ عامٍّ، وعلى واقع الثورة بشكلٍ خاصٍّ، والتي أدّت إلى تقليص طموح الكثير من السوريّين إلى حدود المطالبة بحقِّ الحياة فحسب. أي إنّ الـ “ناجون” يسعون للمساهمة في بناء صورةٍ جديدةٍ لتطلّعات السوريّين التحرّريّة، صورة تتّخذ من القيم السامية والدوافع النبيلة التي فجّرت الثورة السوريّة، والتي تحرّك “ناجون”، مرجعيّةً لها. ويسعون لتنظيم طاقاتهم المهجّرة والمبعثرة، في شتّى المجالات الفكريّة والإبداعيّة والحقوقيّة، وتفعيلها مع أقرانها في المجتمعات الموجودة فيها، لدعم القيم الإنسانيّة النبيلة وأوّلها “العدالة”، مستفيدين من أنّ للقضيّة تربةً خصبةً في مجتمعات المهجر كونها تشترك معها بالأهداف، ومن امتلاكها ذخيرةً كبيرةً من الوثائق والشهادات المؤثّرة من ضحايا جرائم الحرب.

وأفهم ممّا اطّلعت عليه أنّ لـ “ناجون” موقفًا عامًّا يقول إنّ السياسة الدوليّة المعنيّة بالشأن السوريّ كانت منذ اليوم الأوّل للثورة وحتى الآن غير حاسمة، وأنّهم مصرّون على الضغط على الوجدان الإنسانيّ من أجل العدالة للشعب السوريّ.

وكانت قد بدأت نشاطات “ناجون” منذ بداية عام 2016، في العاصمة الفرنسيّة باريس، بتنظيم اعتصامٍ حاشدٍ في ساحة “الجمهوريّة”، تنديدًا باغتيال الإعلاميّ “ناجي الجرف” من قبل تنظيم الدولة الإسلاميّة “داعش” الإرهابي، واستصدروا رسالةً من “المركز السوريِّ للإعلام وحرّيّة التعبير”، ووجّهوها إلى السلطات التركية التي حمّلوها مسؤوليّة حماية الصحافيّين السوريّين المستهدفين على أراضيها داعين إلى الالتزام بالقرارات الدوليّة ذات الشأن.

كما قام “ناجون” بإطلاق فاعليّةٍ كبيرةٍ مناصرة للمعتقلين السوريّين المحتجزين عند سائر التنظيمات المسلّحة على الأرض السوريّة، وعلى رأسها من أطلقوا عليه اسم “تنظيم الأسد الإرهابيّ”، في 11 حزيران/ يونيو 2016.

 

وتضمّن النشاط تبنّي “ناجون” لحملة “المعتقلين أوّلًا”، حيث قاموا بصياغة بيانٍ حقوقيٍّ سياسيٍّ للحملة، يطالب بإطلاق سراح المعتقلين لدى التنظيمات المسلّحة كافةً على الأرض السوريّة. ووقّع البيان سوريّون وفرنسيّون، ومنظّماتٌ دوليّةٌ، ومؤسّساتٌ وجمعيّاتٌ وكياناتٌ سياسيّةٌ واجتماعيّةٌ سوريّة وفرنسيّة. وشارك أغلب الموقّعين في المظاهرة الحاشدة التي انطلقت من ساحة “الباستيل” إلى ساحة “الجمهوريّة” في باريس، ورفعوا فيها ألف صورةٍ لمعتقلين سوريّين برفقة إنشادٍ “أوبرالي” لأسماء المعتقلين والقتلى.

ولم يكن من الصعب أن ألاحظ أنّ “ناجون” يلحّون بالمطالبة بفتح المعتقلات العلنيّة والسرّيّة أمام المنظّمات الحقوقيّة الدوليّة، والإفراج عن جميع المعتقلين من دون شرط، والتحقيق في جميع جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانيّة المرتكبة خلال السنوات الستِّ الماضية، ومحاكمة المسؤولين عنها، سواء كانوا من تنظيم الأسد أو من أيِّ ميليشيا مسلّحة موجودةٍ على الأرض السوريّة.

ومن كلِّ ما سمعته، واطّلعت عليه، كانت خلاصتي، أنّ الشعب السوريَّ عارفٌ طريقه، وأنّه خلّاقٌ، على الرغم من كلِّ هذا التوحّش في مواجهة مطالبه. ما أعادني إلى السؤال عن إن كان القدر سيستجيب لإرادة الشعب السوريّ بالحياة الأفضل التي دفع كلَّ هذه التضحيات من أجلها.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: