تعنى باللاجئين والنازحين

كلام قبل العرض: “رجل الثلج المبنيّ للمجهول”

0

أخبرني صديق أن عرضًا مسرحيًّا مميّزًا بموضوعه سيعرض على مسرح “مترو المدينة” في بيروت، مساء 31 الشهر الجاري حتى 14 تشرين الثاني/ نوفمبر القادم، بعنوان “رجل الثلج المبنيّ للمجهول”. ومنذ أُخبرت عن العرض شدّني إليه توصيف مُخبري بأنّه مساءلة شبابيّة للكارثة السوريّة من موقع المنحاز للثورة. وإذا كانت “المراجعة” بذاتها تجذبني، فإنّه ممّا أثار اهتمامي استكشاف أين صار فريق مسرحي وصف بأنه “منحاز للثورة” من انحيازه بعد أن انتهت الثورة التي كنّا نعرفها، ودخل الصراع أطوارًا من العنف بفعل سلطة الأسد (وبقرارها حين كانت صاحبة قرار) التي ثار الناس عليها، وكيف يصف موقعه اليوم مما يحصل، وهل أجرى مراجعة على وصفه لموقعه مما حصل.

يبقى الدافع الأساسيّ هو اعتقادي أنّه طالما كان ما سمّاه السياسيّون “مراجعة” عملًا من جنس خطيئتهم (من ذاتيّة وتهرّب من تحمّل المسؤوليّة…)، فقد صار لزامًا البحث لدى الشرائح الأخرى عن قول مختلف بطبيعته، وتاليًا بسياقه ونتائجه. والحريّ أن تأخذنا أقدامنا إلى الآداب والفنون، فسبق لشعوب أخرى أن وجدت فيها مبتغاها لكسر العزلة، وكسر التاريخ الدورانيّ، وفتح آفاق جديدة عبر تجاوز معرفيّ وصفيّ ونقديّ للمسارات القديمة. سبق أن تمّ إثبات أنّه ليس بالعلوم وحدها يعرف الإنسان، بما فيها علم السياسة، فكثير من الأحيان تنتج الحكمة من التأمّلات الصرفة، أو الجدل، وكلٌّ منهما مرحلة من مراحل العمل المسرحيّ المنتقل من النصّ إلى التشخيص على خشبة المسرح عبر حوار النصّ وحوار محاوريه.

إذًا، ما بين الشوق إلى المسرح والبحث عن الشباب المنحاز لحقوق الناس، وملاحقة مراجعاتهم لما كان في السنوات الأخيرة من أسباب الكارثة السوريّة، والفضول لمعرفة أسباب من غيّر موقعه، وجدت نفسي أسعى للحوار مع مخرج عملٍ لم يُعرض بعد. يدفعني إلى فعل ذلك البحث عن إجابات جديدة، وعن تطورات الرأي في أوساط الشباب، دون أي ادعاء أن مقاربة “النقد المسرحي” هو من ضمن ما أصبو إليه.

بداية قرأت ما كُتب عن العمل، ولاحقًا طلبت من المخرج نصّه فقرأته. وممّا عرفته عن المخرج أنّه درس في المعهد العالي للفنون المسرحيّة، قسم الدراسات المسرحيّة، وأسّس فرقة “مياس” المسرحيّة، وكتب وأخرج العديد من العروض المسرحيّة، منها “سرير طابقيّ” و”السوبر هيرو الزير سالم”. وأنّ فريق العمل مكوّن من:

عمر بقبوق، تأليف وإخراج. لينا أبيض، “دراماتورجيا”. نور عويتي، “سينوغرافيا”. إلياس دوجي، تقنيّات المسرح. وسيؤدّي الأدوار فريق التمثيل في الفرقة.

اللقاء

جرى الحوار على ثلاث جولات كنت ما بينها أحاول ترك مساحة لي ولمحاوري للتفكير بما قيل، كما أعود إلى التفكير بالنص. وكنت مجبرًا على إجراء اللقاء عبر وسائل التواصل الحديثة، حيث نفقد الكثير من حرارة اللقاء الفيزيائيّ. فلا تصلنا انفعالات الجسد، ومنها لغة العين، واليدين. فعمدت إلى التعبير عن انطباعاتي عمّا عرفته عن العمل بشفافية، ومباشرة، عساها تدخل الحرارة إلى الجواب المكتوب والرسائل الصوتيّة، فيصلني شيء من الشحنة العاطفيّة لمحاوري.

سألت: وأنا أطّلع على قصّة العمل، تذكّرت الفيلم المصريّ جنّة الشياطين (لمخرجه أسامة فوزي ومنتجه وصاحب الدور الأوّل محمود حميدة عام ٢٠٠٠، وكذلك العرض المسرحيّ “مات ثلاث مرات” لمخرجه حاتم علي عام ٢٠٠٣، وكلاهما، العرض والفيلم، مقتبسان من مسرحيّة جورج آمادو “كانكان العوّام الذي مات مرّتين”)، وكما حصل معي عند مشاهدة الفيلم صدمتني جرأة وضع الموت على المنصّة. ألا تخشى، وأنت تنتقد، وتحلّل، استثمار الجثّة، أن يتولّد شبهة لدى جمهور العرض بأنّك المستثمر الأساسيّ لها على خشبة المسرح؟

فأجابني عمر بقبوق: المسرحيّة انطلقت من عبارةٍ قرأتها في مسرحيّة (بعد السقوط) لكاتبها “آرثر ميللر”، حيث يقول: “من ذا الذي يمكنه أن يكون بريئًا فوق جبل الجماجم هذا”! وعندها بدأت بالتفكير بأنّنا كلّنا مسؤولون عن المأساة الإنسانيّة التي نعيشها في سوريا. فعدت إلى “الفيسبوك” والتقطت كلّ المنشورات التحريضيّة التي كتبها ناشطون لم يشاركوا في الحراك المدنيّ.

وكانت هذه المنشورات هي الكتلة الرئيسة لحوار شخصيّة “سلام”، وهو الجنديّ المثقّف، الذي نحاول من خلال وجوده في العرض الإضاءة على دور هذه الشريحة من المجتمع في المأساة، وبما في ذلك أنا وكلّ العاملين في العرض.

سألته: وأنت تخوض مرّة أخرى تجربة نقل أفكارك إلى إطار الواقع، حيث تتجسّد شخصيّات مرئيّة تتحرّك وتعبّر وتتفاعل فيعاد تشكيلها، ما يتيح لك الابتعاد عنها والتفكير بها بمعزل عنها، أين ترى آمالنا وطموحاتنا تسير؟ أيّ مستقبل لأفكارنا وآمالنا وطموحاتنا إذًا بالعلاقة مع مراجعتنا لها ولأدواتنا التي استخدمناها لتحقيقها؟

فأجابني: المسرحيّة كتبت في سنة 2013، وعندما عدت إلى العمل عليها وإخراجها، شعرت بأنّ بعض الأفكار الموجودة في المسرحيّة لا تمثّلني اليوم. ففي النسخة الأولى اتّسمت معالجة آليّات الصناعة الإعلاميّة لمفاهيم الضحيّة والشهيد بشعريّة مبالغ بها، ناجمة عن تموضعي كعارفٍ في الإطار الزمنيّ والمرحلة التي كنّا نعيشها، ولكن عندما عدت إلى العمل على المسرحيّة، استهلكت أفكاري وسخرت منها، ممّا جعل الأفكار نفسها يعاد طرحها بإطار كوميديّ ساخر.

ثمّ أنّي، عندما بدأ الممثّلون بتجسيد الشخصيّات التي رسمتها، طلبت منهم أن يحاولوا التخلّي عن الشخصيّة المكتوبة لمصلحة نماذج حقيقيّة يجدونها من خلال البحث عبر “السوشيال ميديا”، اختبرت حينها شعور الصدمة في الواقع؛ فالعبارات التي نشرها الناس عبر منصّاتهم الشخصيّة كانت أقسى من أن نتخيّله.

ولقد حاولنا من خلال العرض تقديم أجمل صورة ممكنة عن واقعٍ سيّئ، وحاولنا أيضًا أن نقرّب العرض من الواقع عبر إعطائه بعدًا واقعيًّا من خلال الحوارات والأداء. واتّجهنا إلى فضاء اللعبة كأن نُلبس اللعبة المشهورة “باربي” لباس جنود ونجعلها تتصرّف مثلهم. وهنا تكمن المفارقة.

المفارقة هذه، أو التناقض، لم تكسر الواقع؛ فجريمة القتل مهما تلاعبنا بالشخصيّات لن تتغيّر ماهيتها. لقد حاولنا أن نقدّم عرضًا مسرحيًّا، فيه طقوس احتفاليّة تعبّر عن حقيقة قاسية، فما وصل إلينا من فيديوهات من أرض الواقع تعرض مشاهد القتل والعنف، أعادنا إلى المفارقة نفسها، في وقت نحن نريد أن نهرب إلى فضاء اللعبة.

وعلى الرغم من مساعينا لمحاكاة الواقع إلا أنّه لا يغيب عنّا أنّنا لن نستطيع أن نضعه على خشبة المسرح، فالكتابة عن القتل غير رؤية القتل، وأحداث المسرحيّة تختلف عن حرق الجثث وتقطيعها في الواقع. نحن نعمل كلّ ما نستطيع على مسرحة الحالة الوحشيّة مع إعطائها أبعادًا إنسانيّة، وننتظر الجمهور ليحكم على النتيجة.

سألت: وأنا أقرأ النص، كنت أشعر أغلب الوقت كمن يقرأ حوارًا على صفحة “فيسبوك” بين شباب سوريّين. وأنت تقول إنّك بدأت بحثك من “الفيسبوك”، وإنّك دعوت الممثّلين إلى (أن يحاولوا التخلّي عن الشخصيّة المكتوبة لمصلحة نماذج حقيقيّة يجدونها من خلال البحث عبر “السوشيال ميديا”). حدّثنا أكثر عن طبيعة هذه العلاقة، ومدى تأثير “الفيسبوك” وحواراته على العرض؟

أجابني عمر: يمكن التعبير عن ذلك من خلال العلاقة بين الواقع الحقيقيّ والواقع الافتراضيّ، فالشخصيّات الفاعلة في الواقع السوريّ تبدو وحشيّة على أرض الواقع، بينما تبدو في الواقع الافتراضيّ أكثر إنسانيّة. وذلك ما دفعني إلى البحث عن مبرّرات كلّ شخصيّة وحواراتها في “السوشيال ميديا”، ونقله أحيانًا بشكلٍ حرفيّ إلى الخشبة، من دون البحث عن شعريّة الحوار، واكتفيت بشعريّة التناقض بين اللغة الإنسانيّة والفعل الوحشيّ للتعبير عن الواقع السوريّ، أي من خلال إدراكنا ومعايشتنا له بجانبيه الحقيقيّ والافتراضيّ.

سألته: المراجعة مهمة صعبة ومعقدة، تحديدًا حيث سحقت الثورة، وبتنا في حرب فيها الإقليمي والدولي والإرهابي. ونجد في بعض الحالات أن الالتباس يصل إلى حيث لا تعود القصة الأولى (الثورة) موجودة. ولقد جدت شيئًا من هذا في النص، حيث كان الموقف من الثورة ملتبسًا، وربما هذا الالتباس من صفات الشخصيات، ولكن كيف سندركها بمعزل عن التباس شخصيات العمل؟

فأجابني: الالتباس حول وجود ثورة أو عدم وجودها، لا يتطرّق إليه النص. برأيي الخاص الثورة السورية موجودة وممتدة، المشكلة كانت في أولئك الذين حاولوا أن يقودوا التحركات الشعبية الثورية من خلال استخدام السلاح والقوة العسكرية غالباً. والمسرحية لا تنتقد الثورة، وإنما تنتقد الثورة المسّلحة، بالإضافة إلى النظام العسكري طبعاً، وتوضح بأنه لا فرق بين هذا وذاك.

سألته: تسقط الضحية في العمل نتيجة البرد وليس نتيجة النزاع، الخلاف في المسرحية على استغلال جثة رجل كان موته طبيعيًا، بينما في الواقع التنازع على الأحياء يؤدي إلى موتهم، ما الذي أردت قوله من خلال هذه المفارقة؟

فأجابني: هي محاولة للإشارة إلى الطريقة التي تمّت بها “أدلجة” كل ما هو موجود في سوريا في ذلك الوقت، وعدم تقبّل فكرة موت أي شخص بعيدًا عن الظرف السياسي. فأصبحنا كناس وناشطين وإعلاميين نميل إلى إرجاع أي حدث إلى أسباب سياسية. وذلك ما يجعل باقي الشخصيات تفكر باستثمار حادثة الموت لمصلحتها في النصف الثاني من العرض.

بعدها تودّعنا، وأنا أفكر في أنّ النصّ الذي قال كاتبه إنّه تغيّر عن ذاك الذي كتبه عام 2013، بعد أن عاد إليه و”استهلكت أفكاري وسخرت منها، ممّا جعل الأفكار نفسها يعاد طرحها بإطار كوميديّ ساخر”، لم يكن مشغولًا بأن يكون “منحازًا إلى الثورة” إنّما بالمسؤوليّة عن المأساة التي حصلت. وأفكّر كذلك بزلّات المحاولة الأولى، ومدى قدرته، مع فريق العمل، على التوازن بشكل أفضل في العرض، وفي أعمال لاحقة.

ختامًا، لقد بدأت المراجعة السوريّة حيث لها معنى مختلف، عند جيل الشباب المعنيّين باستخلاص عبر ليستفيدوا منها في بناء مستقبلهم. وهم سيفعلون لأسباب مختلفة ومتعدّدة كعادة البشر، فهناك من يمهّد لعودته إلى “حضن الوطن”، وهناك من يتحرّك بدافع تبكيت الضمير، ومنهم من سيفعلون ذلك بانحياز صلب وواضح إلى حق الشعوب في المشاركة والمحاسبة، وبشفافيّة ووضوح، كونهم غير عابئين بالدفاع عن “تاريخهم السياسيّ” أسوة بالسياسيّين، بل بالبحث عمّا يعينهم على الولوج إلى مستقبل أفضل. ولكن، وعلى كلّ حال، جميع حالات المراجعة الشبابيّة المعبّرة عن أصحابها، والتي لا يقف خلفها أحد، هي إرهاصات لعمليّة ملحّة وضروريّة للسير إلى الأمام.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: