تعنى باللاجئين والنازحين

الدبكة: عندما تُعزف الألحان بالقدم

0

الدبكة أو “الدبچة” كما يسمّيها أهالي مدينة الرقّة، وهي فنٌّ شعبيٌّ متوارثٌ في منطقة الفرات، يخضع لطقوسٍ خاصّةٍ تمارس في الاحتفالات على اختلاف أنواعها. تتألّف مجموعة الدبكة من سبعة ذكورٍ أو أكثر، وأحيانًا يشترك بها الجنسان. وتؤثّر عدّة عواملَ في الدبكة، أهمّها نوع الموسيقى التي تنتظم على إيقاعها الدبكات، فمنها ما هو سريعٌ ومنها ما هو بطيء، ومنها ما يغلب عليه الوقوف، أو متحرّكٌ حيث يدور “الدبّيكة” على شكل حلقة. كما يعدُّ المكان عاملًا مهمًّا أيضًا في ديكور الدبكة، فبحسب اتّساع المكان تتّسع حلقة الدبكة أو تضيق ويزداد عدد الدابكين. وتؤثّر نوعيّة اللباس على جودة الدبكة، ولاسيّما عند النساء اللواتي ينتعلن أحذيةً من دون كعوبٍ في حال كانوا يرغبون في الاشتراك في الدبكة.

تمارس الدبكة في الأعراس أكثر من باقي المناسبات؛ ففي الريف تقام الأعراس في الحارات، وبشكلٍ أقلّ في البيوت، فحصرها داخل بيتٍ يُعتبر كدليلٍ على العزلة ، لذلك تقام في الأماكن المفتوحة ليشارك فيها الجميع، ومنها ما يستمرُّ لعدّة ليالٍ كمحاولةٍ لإشراك أكبر قدرٍ ممكنٍ من أبناء المدينة في الفرحة، وتسري القاعدة الشعبيّة التي تقول “كلّ من يسمع الصوت معزوم” كقانونٍ مُلزمٍ في الأعراس، ولرفع الحرج عمّن يريد الحضور ولم توجَّه إليه الدعوة. و تُرشّ الأرض بالماء بين وقتٍ وآخر كي لا يتطاير منها الغبار بفعل ضرب الأرض بالأقدام.

ويكون موعد العرس من بعد غروب الشمس حتى وقتٍ متأخّرٍ من الليل، ويكون العرسُ جامعًا للذكور والإناث من مختلف الأعمار، وتمارَسُ فيه طقوس الغناء والرقص الشعبيِّ. وكلّما رجعنا في الزمن أكثر، تنقص الأدوات المستخدمة حتى نصلَ إلى مرحلةٍ يقتصر فيها الأمر على المزمار والطبل كعاملٍ محفّزٍ لخلق جوٍّ من الحماسة أكثر ليتفاعلَ الموجودون.

أمّا في المدينة ، فقد أُنشئ عددٌ من صالات الأفراح لاستقبال الأعراس، وأصبحت هنالك قلّةٌ قليلة ممّن يقيمون العرس في بيوتهم أو في الحارات، لكن هذه الصالات أضفت نكهةً خاصّةً على طبيعة الدبكة؛ فأرض الصالة غير الترابيّة تُعطي صوتًا مميّزًا أثناء قرع الأرض بالأقدام ، لذا تجد عددًا من الشبّان يرتدون أحذيةً ذات كعبٍ خشبيٍّ لإصدار صوتٍ أقوى أثناء الدبك.

 

وتبدأ الدبكة بعقد حلقةٍ غير مكتملةٍ، ويُدعى الشخص الذي يمسك بمقدّمة الدبكة بـ “السَنَد أو الرأس” لأنّه يسند الدبّيكة ويقودهم لضبط حركتهم وسيرهم، كما تقتضي أصول الدبكة، إلى أن يأتي شابٌّ من المشهود لهم بقيادة الدبكة، وإتقانه لجميع أنواعها حاملًا سيفًا أو عصًا أو منديلًا مطرّزَ الأطراف بحريرٍ ملوّن بيده اليمنى وممسكًا الدبكة بيده اليسرى، فيثير حلقة الدبكة ويحمّسها حسب الأصول. ويتوسّط حلقة الدبكة رجلٌ يحمل طبلًا كبيرًا ليبثَّ روح الحماس لدى الدبّيكة ويشجّعهم في حال فتورهم، ويبدأ السند بضرب الأرض بقدميه على نغم الإيقاع مصدرًا صرخاتٍ لزيادة الحماس في الدبكة. ويقع الحمل الأكبر على السند كونه مُطالبًا بفعل حركاتٍ أكثر ممّا هو مطلوبٌ من الدبّيكة الآخرين، وأحيانًا يتفرّد عنهم لاستعراض مهاراته وسط الدبكة، ومن ثمَّ يعود إليهم لإكمالها.

وترافق أنواعٌ عديدةٌ من الغناء الدبكةَ، وهي تختلف في إيقاعها وسرعتها بحسب نوع الدبكة؛ فبينما تؤدّى بعض الدبكات من دون غناءٍ لخفّتها ورشاقتها ورزانتها ووقارها، يُؤدّى النوع الآخر من الدبكات بغناءٍ ذي سرعاتٍ مختلفة. كما تساهم أصوات الزغاريد “الهلاهل” بحماس الدبكة وزيادة سرعتها.

 

وللدبكة في محافظة الرقّة أنواعٌ عدّة منها “الچوبي” و”الچولاقي” و”الزوري” و”الصاجيّة”. وتكون الدبكة عبارةً عن حركاتٍ مشتركةٍ في محفلٍ يضمُّ شبّانًا وشابّاتٍ، ويشترك فيه من يرى في نفسه القدرة على القيام بحركاتِ وسكنات الدبكة، ويعتبر الشباب هذا النوع من الرقص الشعبيّ الفطريّ مدعاةً للفخر بنسبهم وشبابهم وتفنّنهم الحركيّ عبر براعتهم في الرقص الخالي من الخلاعة والتهتّك، فيما تتّخذ النساء من الدبكة فرصةً للرقص والغناء والطرب.

ويخلط بعض الناس بين نوع الدبكة ورصف الدبكة، فـ”الچوبي” هي نوعٌ من أنواع الدبكة يتألّف من خطوةٍ أو خطوتين باتجاه اليمين، بحسب سرعة الموسيقى، ومن ثمّ  الوقوف وتقديم القدم اليسرى وضرب الأرض بالكعب ومن ثمَّ إرجاعها، وطرق الأرض بكعب القدم اليمنى ثلاث طرقاتٍ. لكن هذا النوع يتخلّله أشكالٌ عدّة برصف الدبّيكة لبعضهم. فبعضهم يبسط يديه بشكلٍ كاملٍ كأنّها أجنحةٌ ويضعها على كتف الشخص الذي بجانبه، وبعضهم الآخر يفضّل دبكها بوضع الأكتاف متراصّة على بعضها، بينما يوجد قسمٌ يؤدّي هذه الدبكة عن طريق ضمِّ اليد وبسط الخنصر ليمسك المجاور له بخنصره. ولا يمكن تطبيق هذه الأشكال على جميع الدبكات، فدبكة “الزوري” تحتاج إلى ضمِّ الأكتاف على بعضها وهزها للأسفل، وإلّا فلن تؤدّى الدبكة على شكلها المعهود.

 

ومن طرائف الدبكات في المدينة ما يسمّى “الطيّارة”, وهي عادة تؤدّى عند وجود فتاتين متتاليتين في الدبكة تمسكان بأيدي بعضهما ، فيدخل بينهما شابٌّ ويمسكُ يدي الفتاتين، الأمر الذي يتطلّب شجاعةً لاحتماليّة أن ترفض الفتاتان مثل هذا الأمر وتنسحبان من الدبكة، ممّا يجعل الشابّ بموقفٍ مُخجل ومحطّ سخريةٍ من الحاضرين، لكنّه في حال بقاء الفتاتين تطلق والدة الشابّ زغاريد ويُطلق أخوته الرصاص في الهواء مفتخرين بفعل ابنهم. وتُستخدم هذا العادة كوسيلةٍ يعبّر فيها الشابّ عن حبّه للفتاة بطريقةٍ غير مباشرة.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: