تعنى باللاجئين والنازحين

قراءة قانونيّة في اتفاقيّة عام 1951 الخاصّة بوضع اللاجئين

0

أُقِرّت هذه الاتفاقيّة خلال مؤتمرٍ خاصٍّ للأمم المتّحدة في 28 تموز/ يوليو من عام 1951. وكانت الدنمارك أولى الدول التي صادقت على المعاهدة في الرابع من كانون الأوّل/ ديسمبر 1952، ودخلت المعاهدة حيّز التنفيذ في 22 نيسان/ أبريل 1954. في بادئ الأمر، اقتصرت صلاحيّة المعاهدة على حماية اللاجئين الأوروبيّين الذين هربوا من بلادهم قبل الأوّل من كانون الثاني/ يناير 1951 (أي بعد الحرب العالميّة الثانية)، ثم أزال بروتوكول عام 1967 القيود الجغرافيّة والزمنيّة من الاتفاقيّة. وعلى الرغم من أنّ الاتفاقيّة الخاصّة بوضع اللاجئين قد وُقِّعت في جنيف، إلّا أنّه لا يطلق عليها اسم “اتفاقيّة جنيف” تجنّبًا للخلط بينها وبين المعاهدات الأربع التي تعرف باتفاقيّات جنيف والتي تنظر في النزاعات المسلّحة.  وتستند الاتفاقيّة الخاصّة بوضع اللاجئين إلى المادّة 14 من الإعلان العالميّ لحقوق الإنسان الصادر عام 1948 الذي يقرُّ بحقِّ الأفراد بالسعي إلى اللجوء هربًا من الاضطهاد في دولٍ أخرى.

أهمّيّة الاتفاقيّة

تعدُّ اتفاقيّة عام 1951 المتعلّقة بوضع اللاجئ أهمَّ وثيقةٍ دوليّةٍ أبرمت لمصلحة اللاجئين، فهي الوثيقة الدوليّة الأمّ في ما يتعلّق بالمركز القانونيّ للاجئين، إضافة إلى أنّها أعطت تعريفًا للاجئ، ووضعت نظامًا قانونيًّا لحمايته، وعنيت بالنواحي الجوهريّة في حياة اللاجئ. وكانت ملهمةً أيضًا لعددٍ من الصكوك الإقليميّة مثل اتفاقيّة منظّمة الوحدة الإفريقيّة لعام 1969، وإعلان كارتاخينا لعام 1984 الخاصِّ بلاجئي أميركا اللاتينيّة. وتعترف هذه الاتفاقيّة بالنطاق الدوليّ لأزمات اللاجئين، وضرورة توفّر تعاونٍ دوليٍّ، بما في ذلك اقتسام الأعباء بين الدول، من أجل معالجة المشكلة. ولا تزال هذه الاتفاقيّة، التي أثبتت مرونتها بدرجةٍ كبيرةٍ، وذلك نظرًا إلى أنّ طبيعة الاضطهاد ذاتها لا تتغيّر، تشكّل حجر الزاوية للمفوّضيّة الخاصّة بحماية اللاجئين التي توفّر في الوقت الحاضر المساعدة لما يزيد على 22 مليون شخص.

محتويات الاتفاقيّة

تُعرّف الاتفاقيّة المقصود بلفظة “لاجئ” وتحدّد دواعي اللجوء بالخوف من التعرّض للاضطهاد بسبب العرق أو الدين أو الجنسيّة أو الانتماء إلى فئةٍ اجتماعيّةٍ معيّنةٍ أو الآراء السياسيّة. وتجمل حقوق اللاجئ من قبيل حرّيّة العقيدة والتنقّل من مكانٍ إلى آخر، والحقّ في الحصول على التعليم، ووثائق السفر، وإتاحة الفرصة للعمل… كما أنّها تشدّد على أهمّيّة التزاماته تجاه الحكومة المضيفة، ومنها أن ينصاع  لقوانين وأنظمة بلد اللجوء الذي يقيم فيه. وينصُّ أحد الأحكام الرئيسة في هذه الاتفاقيّة على عدم جواز إعادة اللاجئين (حظر الطرد أو الردّ) إلى بلدٍ يُخشى  فيه من التعرّض للاضطهاد. كما أنّها تحدّد الأشخاص أو مجموعات الأشخاص الذين لا تشملهم هذه الاتفاقيّة وهم الأشخاص الذين ارتكبوا جرائم ضدّ السلام، أو جريمة حرب، أو جرائم ضدّ الإنسانيّة، أو جرائمَ جسيمةً غير سياسيّةٍ خارج بلد اللجوء. ولقد نظّمت الاتفاقيّة  المركز القانونيّ لطالب اللجوء، فطالبُ اللجوء هو شخصٌ أجنبيٌّ في الدولة المضيفة، وفي الوقت نفسه هو لاجئٌ محتملٌ، وهو ما جعله مختلفًا عن الشخص الأجنبيّ العاديّ الذي يقيم في إقليم الدولة المضيفة له، ومن هنا برزت أهمّيّة تحديد المركز القانونيّ للاجئ حتى يمكنه الاستفادة من أحكام القانون الدوليّ سواء المتعلّقة بالأجانب أو المتعلّقة باللاجئين. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ القواعد الخاصّة بالأجانب تحمي الأجانب المقيمين بطريقةٍ مشروعةٍ على أرض الدولة المضيفة فحسب، في حين نجد أنّ طالب اللجوء في معظم الأحيان لا يتمكّن من دخول الدولة المضيفة بطريقةٍ شرعيّةٍ، الأمر الذي يجعله تحت وطأة الإبعاد والتسليم من قبل السلطات الأجنبيّة، وينتهي به الأمر بين يدي سلطات الدولة التابع لها والتي خرج منها جرّاء تعرّضه للاضطهاد فيها.

ويقصد بعبارة “لاجئ محتمل” أنّ الدولة، وإن كانت غير ملزمةٍ بقبول اللاجئ على إقليمها، ومنحه ملجأ، يجب أن تلتزم في بعض الحالات بمنحه فرصةً للذهاب إلى دولةٍ أخرى، وذلك من خلال السماح له بدخول إقليمها أو البقاء لفترةٍ محدّدةٍ أو تأجيل إبعاده أو طرده حتى يتسنّى له الاتصال بدولةٍ أخرى، أو المفوّضيّة السامية لشؤون اللاجئين. وهو ما نجده باتفاقيّة  1951، في المادّة (31/2) الخاصّة باللاجئين الموجودين على إقليم الدولة بطريقةٍ غير شرعيّة، إذ يُلزم النصّ الدول المتعاقدة بمنح هؤلاء اللاجئين مهلةً معقولةً للإقامة على إقليمها، إضافة إلى منحهم جميع التسهيلات اللازمة للحصول على الإذن بالدخول إلى دولةٍ أخرى.

تعريف الاتفاقيّة للاجئ وجوانب القصور فيه

عرّفت اتفاقيّة جنيف 1951 في مادّتها الأولى اللاجئ: “كلُّ شخصٍ يوجد، نتيجة أحداث وقعت قبل 1 كانون الثاني/ يناير 1951، وبسبب خوفٍ له ما يبرّره من التعرّض للاضطهاد بسبب  عرقه أو دينه أو جنسيّته أو انتمائه إلى فئةٍ اجتماعيّةٍ معيّنةٍ أو آرائه السياسيّة، خارج بلد جنسيّته. ولا يستطيع بسبب ذلك الخوف أو لا يريد أن يستظلَّ بحماية ذلك البلد أو العودة إليه بسبب ذلك الاضطهاد.

وممّا يؤخذ على هذا التعريف: أنّه قصر وصف اللاجئ على الأشخاص الذين يضطرّون إلى مغادرة بلدهم الأصليّ بسبب الخوف من الاضطهاد، أو تعرّضهم بالفعل للاضطهاد، بسبب الجنسيّة، أو العرق، أو الدين، أو الآراء السياسيّة، ولم يتضمّن الأشخاص الذين يفرّون من أوطانهم بسبب الخوف على حياتهم نتيجة نشوب حربٍ أهليّةٍ مثلًا، أو نتيجة عدوانٍ خارجيٍّ، أو احتلال، أو سيطرةٍ أجنبيّة. إضافة إلى أنّ التعريف حدّد أسباب الاضطهاد من دون أن يحدّد الجهة المضطهدة. ولعلّ أبرز جوانب القصور هو القيد الزمنيُّ الذي فرضه التعريف على اعتبار الشخص لاجئًا؛ حيث منح صفة لاجئٍ للأشخاص الذين تعرّضوا للاضطهاد قبل تاريخ 1 كانون الثاني/ يناير 1951، واستثنى ما بعده. لذا تعدُّ هذه الاتفاقيّة، على الرغم من صفتها الدوليّة، اتفاقيّةً خاصّةً بشعوبٍ محدّدة، هي شعوب أوروبا المتضرّرة من ويلات الحرب العالميّة الثانية، وهدفها إيجاد حلٍّ لمشكلة اللاجئين الذين تركوا ديارهم نتيجة ذلك.

أخيرًا: تعدُّ جميع الدول، بما فيها تلك التي لم توقّع على هذه الاتفاقيّة، ملزمةً بالتمسّك بمعايير الحماية الأساسيّة التي تُعتبر جزءًا من القانون الدوليّ العامّ. ويجب، على سبيل المثال، ألّا يُعاد أيُّ لاجئٍ إلى أراضٍ تتعرّض فيها حياته أو حريّته للتهديد.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: