أصوات السوريّين ملكهم

0

اعتادت الحكمة الشعبيّة أن تحتفل بالصمت، مرّةً على أنّه من البلاغة وأخرى على أنّه فضيلةٌ وثالثة على أنّه “ذهب”. ولعلّنا نجد سبب هذا الاحتفال في قولٍ لحكيمٍ ورد فيه ” كثيرًا ما تكلّمتُ فَنَدِمْتُ. وأمَّا عن سكوتي فما ندمت”، وهو بالضبط النتيجة التي أملت قوى الطغيان أن يستخلصها الشعب السوريّ حينما سلّطت عليه كلّ صنوف التنكيل.

وإذ نرى حواضر السوريّين قد دمّر نصفها، وأكثر من هذه النسبة من أبنائها وبناتها قد شرّدوا في أصقاع الأرض ما بين نازحٍ ولاجئٍ، نجد أنفسنا من بين كثرٍ منهم نصرُّ على رفع أصواتنا. ومردّ ذلك إلى أنّ كلّ من يفعل يعرف أنّ هذه الأثمان التي دُفعت كانت من أهمّ أسبابها رغبة السوريّين الذين ثاروا في إخراج أصواتهم من صدورهم حيث كبتوها طويلًا في مملكة الصمت الأسديّة، ولذلك لا يمكن للسوريّين أن يخونوا أنفسهم بالعودة إلى الصمت.

إلّا أنّ الحريّ بنا ألّا نقف عند الإصرار على رفع الصوت في وجه حاكمٍ ظالمٍ، وإنّما أيضًا فعل الأمر نفسه في ما فعلناه من صوابٍ وخطأ، وكيف فعلناه، وهل من سبلٍ في هذا الخراب العظيم الذي تسبّبت به قوى الطغيان بمساعدةٍ من قوى الإرهاب والتطرّف، للخلوص إلى الحقوق الإنسانيّة التي دفع التوق إليها من ثار للثورة. وبالطبع، وطوال الوقت، الاستمرار برفع الأصوات لنقل معاناة السوريّين، ومطالبهم.

وإذ تتشابك اهتمامات مجموعةٍ من المؤسّسات والمراكز للاطّلاع على إجابات جمهورٍ من النازحين داخليًّا في عددٍ من المناطق السوريّة عن سؤالٍ يستوضح أولويّاتهم واحتياجاتهم، وإذ كانت الإجابات قد ركّزت على حالة النزوح، واللجوء على أنّها النتيجة الأكثر قسوةً للصراع الدائر، كان لـ”أصوات” أن تصدر من هذه النقطة تمامًا، متمحورةً حول حقوق ما يقارب نصف الشعب السوريّ من المنكوبين، ومشكلاتهم المعقّدة التي تبدأ بالخدمات، والتعليم، وضعف آليّات الدعم والتمثيل، وصولًا إلى قضيّة مشاركتهم في إدارة شؤونهم، وعودتهم إلى مدنهم وقراهم، وتشابك مشكلاتهم وحقوقهم مع بقيّة السوريّين.

من هذا الباب وفيما نطالع اليوم مئات الوسائل والمواقع المتخصّصة التي تستحقّ بعد هذا الوقت التوقّف عند تجربتها والنظر إليها على أنّها جميعها تحمل بذور الضرورة والحاجة عند نشأتها، وتحمل شرعيّة وجودها ووصولها واستمرارها طالما استطاعت القول ونقل الوقائع والصور، نتقدّم بدورنا لنساهم بنقل أصوات اللاجئين والنازحين، ونتابع معاناتهم، ومطالبهم، واحتياجاتهم، وسبل حلِّ مشكلاتهم، لنكون جزءًا من السيمفونيّة السوريّة.

في عددها الثالث تشارك مجلّة “أصوات” مئات المنابر التي تُثبت أنّ سورية ولّادة، وأنّ الثورة التي فتحت باب القول ستحضر دائمًا بحضور مئات الزوايا التي يمكننا من خلالها إنشاء أيّ عمليّةٍ إعلاميّةٍ أو رصديّةٍ أو إبداعيّة، طالما كان الإنسان هو السبب والمخاطب. وطالما كان الحامل الزمنيّ متاحًا لدينا فلا نزال نملك فرصة صناعة المستقبل القريب وما بعده، وكلّ الفرص لاستنهاض ما يتطلّبه “المستقبل كما نتمنّاه لأبنائنا” من أدواتٍ واستعداداتٍ للعمل وإعادة بناء الواقع، مستندين إلى خلاصة الكثير من التجارب الصعبة التي لا بدَّ أنّها أنتجت بالفعل عِبَرَها المناسبة، ووضعت من يستطيع تحمّل المسؤوليّة أمام معاني المسؤوليّة.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: