شرقيّ محافظة حماة: حصار فنزوح

0

تصاعدت حركة النزوح من قرى شرقيّ محافظة حماة، تبعًا لاحتدام المعارك هناك وازدياد ضراوة القصف على تلك المناطق من جانب سلطة الأسد وحلفائها، وبلغ النزوح عنها ذروته منذ آب/ أغسطس 2017، مع احتدام المعارك ضدّ تنظيم الدولة الإسلاميّة (داعش) الإرهابيّ. وفي أيار/ مايو 2017، أُحكم الحصار على قرى وبلدات ناحية عقيربات شرقيّ مدينة حماة (أبو دالي، أبو حكفة، أبو الفشافيش، بستان صبيح، دكيلة، حمادي العمر (كوكب السويد)، الحانوتة، هداج، جني العلباوي، جب الأبيض (بيوض)، جب دكيلة، جروح، المخبوطة، مسعود، مشيرفة، النعيمية، مكيمن شمالي، عقيربات، القسطل، رسم العبد، رسم الأحمر، الرويضة، سوحا، تبارة الحمراء، طهماز، رسم البردقانة)، وتزامن الحصار مع قصفٍ جوّيٍّ عنيفٍ استُخدمت فيه أسلحةٌ محرّمة دوليًّا، وارتُكبت مجازرُ كثيرةٌ في تلك المنطقة. وهو ما دفع المجلس المحليّ لناحية “عقيربات”، إلى إعلانها منطقةً منكوبة، وناشد المجلس جميع الأطراف الدوليّة لفتح ممرّاتٍ آمنةٍ لخروج المدنيّين من القرى المنكوبة، كما أُطلق نداء استغاثةٍ للمنظّمات الإنسانيّة والإغاثيّة لتقديم الدعم اللازم لأهالي ريف حماة الشرقيّ الموجودين في محافظة إدلب.

وعلى الرغم من إعلان ناحية “عقيربات” منطقةً منكوبة، إلّا أنّها لم تحظَ بالاهتمام الكافي من المنظّمات المحليّة والعالميّة، ولا من مؤسّسات المعارضة. إضافة إلى هذا كلّه، عانت المنطقة من ممارسات تنظيم الدولة الإسلاميّة (داعش)، حيث فرض التنظيم على أصحاب المحلّات التجاريّة ضرائبَ تحت مسمّى الزكاة، تختلف قيمتها ومواعيد جبايتها تبعًا لطبيعة المحلّات والتجّار، ممّا رفع الأسعار بشكلٍ كبير. فضلًا عن تجنيد التنظيم للأطفال القاصرين، حيث أغراهم برواتبَ شهريّةٍ تُراوح بين 250 و300 دولار أميركيّ لاستقطابهم. كما فرض مناهجَ تعليميّةً تخدم سياسته في تجنيد الأطفال والشباب بين صفوفه، ونشر الفكر المتطرّف. وممّا زاد من مأساة العيش في تلك المنطقة هو الوضع الطبيّ المتدهور جدًّا؛ فتلك المنطقة تفتقر إلى الأطباء، حيث هرب جزءٌ منهم نتيجة مضايقات التنظيم  واشتراطه العمل معه، فيما التحق جزءٌ آخر بالتنظيم وبات يعمل لمصلحته فحسب. كذلك تعاني المنطقة من نقصٍ حادٍّ في الأدوية، ولاسيّما أدوية الأمراض المزمنة مثل القلب والضغط والسكريّ، فضلًا عن منع التنظيم المدنيّين من مغادرة مناطقه وإن بقصد العلاج. ونظرًا لانعدام النقاط الطبّيّة يضطرّ المدنيّون لإسعاف جرحاهم إلى مدينة الميادين في دير الزور بسيّاراتهم الخاصّة، حيث سجّلت حالات وفاة على الطريق. كما وثّق المجلس المحلّيّ لناحية “عقيربات” والقرى التابعة لها 60 إصابة بمرضي الجدري والحصبة بين الأطفال، بسبب عدم تلقّيهم اللقاحات اللازمة التي لم تدخل المنطقة منذ سيطرة التنظيم عليها. ومن الجدير بالذكر أنّ 90 في المئة من البنية التحتيّة دمّر بشكلٍ تامٍّ، أو جزئيّ جرّاء القصف؛ فالكهرباء مقطوعةٌ عن المنطقة، والمياه يحصل عليها الأهالي عن طريق مضخّات سحب المياه من الآبار المنزليّة والتي تعمل على المولّدات، والمدارس دمّرت إمّا كلّيًّا أو جزئيًّا.

وقد  تجلّى الحصار في أكثر صوره مأسويّةً في تجمّعي “الجابرية” و”وادي العذيب” التابعين لناحية “عقيربات” واللذين كانا ممرًّا إجباريًّا للنازحين للوصول إلى ريف إدلب الجنوبيّ، حيث حاصرتهم قوّات النظام قرابة شهر ونصف الشهر. وبلغ النازحون فيهما ما يزيد على ثمانية آلاف نسمة من قرى شرقيّ حماة. وبالتدريج بدأت الموادّ الغذائيّة التي بحوزتهم بالنفاد، وأصبحوا مهدّدين بالمجاعة، حيث سُجّلت حالات وفاةٍ بين الأطفال وكبار السنّ فاق عددها عشر وفيّات، نتيجة النقص في الموادّ الغذائيّة والطبيّة وحليب الأطفال، إضافة إلى شربهم مياهًا غير صالحةٍ للشرب سبّبت لهم الكثير من الأمراض.

كلُّ هذه الأوضاع السيّئة دفعت بعض العائلات إلى المغامرة والخروج من المنطقة عبر طرق التهريب المزروعة بالألغام والمستهدفة من قوّات النظام وميليشياته، حيث قُتل 40 مدنيًّا بينهم أطفالٌ ونساءٌ برصاص ميليشيا النظام. ولم يكتفِ النظام وميليشياته باستهداف النازحين وفرض الحصار عليهم، بل لجأ إلى اعتقال بعضهم أيضًا، أثناء محاولتهم الهروب من المناطق المحاصرة باتّجاه محافظة إدلب. حيث اعتقلت قوّات النظام عددًا من المدنيّين بينهم نساءٌ وأطفالٌ من المحاصرين في منطقة “وادي العذيب”، أثناء محاولتهم عبور طريق الصبورة – السعن إلى إدلب. هذا فضلًا عن استهداف سلطة الأسد وحلفائها تجمّعات النازحين بالقصف؛ ففي آب/ أغسطس 2017، قال رئيس المجلس المحلّيّ لناحية “عقيربات”، أحمد الحموي، إنّ القصف استهدف تجمّعًا للنازحين في قرية “أبو كهف”، ما أسفر عن سقوط 23 قتيلًا وأكثر من 90 جريحًا.

وشهد شهر أيلول/ سبتمبر 2017 تدفّق المزيد من موجات النزوح عن قرى وبلدات شرقيّ محافظة حماة؛ حيث قال ممثّل المجالس المحلّيّة لبلدات شرقيّ حماة، ريان الأحمد، إنّ قرى (عرفة، الحزم، الكيكية، ربدة، قصر شاوي، قصر علي، والظافرية)، شهدت نزوحًا جماعيًّا، بعد استهدافها بقصفٍ جوّيٍّ عنيفٍ وغير مسبوق من النظام وروسيا. وأضاف “الأحمد” أنّ قرى (الشطيب، الهوية، والرويضة) المحاذية للقرى المذكورة في ريف إدلب، شهدت نزوحًا جماعيًّا أيضًا جرّاء القصف، مشيرًا إلى أنّ النازحين يتوجّهون إلى مخيّمات “المريجب” و”باشكون” و”الفكة”، إضافة إلى قرى “المشهد” و”المكسر”، و”جب القصب” في ناحية “سنجار” شرق مدينة إدلب. وتتابع النزوح في شهر تشرين الأول/ أكتوبر، حيث نزح الآلاف من أهالي قرى (سرحا، النفيلة، الشاكوزية، أبو لفة، بغيديد، المعقر، جنينة وبيوض)، باتّجاه الجزء الغربيّ من ناحية “الحمراء” شمال شرق مدينة حماة ومخيّمات الداخل في ريف ناحية “سنجار”، بسبب القصف الجوّيّ المكثّف.

ويعاني نازحو شرقيّ حماة في مخيّمات إدلب وحماة من سوء الخدمات وشحّ المياه والكهرباء، ما أجبرهم على شراء المياه من الصهاريج، إضافة إلى عدم توفّر مادّة الخبز، حيث يتّجهون إلى بلداتٍ وقرًى بعيدةٍ عن المخيّمات لشراء الخبز بسبب عدم توفّر أفرانٍ قريبة، هذا فضلًا عن شحِّ الدواء وحليب الأطفال وغيرها من الحاجات الأساسيّة. وقد بلغ عدد النازحين من بلدات شرقيّ محافظة حماة نحو 25 ألف شخصٍ يقطنون في 24 مخيّمًا في إدلب وحماة، بحسب تصريحٍ لعضو مجلس محافظة حماة، خالد الهويان.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: