نازحون ممنوعون من العودة إلى بلدات جنوب العاصمة

0

بعد أشهرٍ طويلةٍ من المعارك والحصار والقضم التدريجيّ للمناطق، استطاع النظام أواخر عام 2013، السيطرة على مناطقَ وبلداتٍ عدّة في جنوب العاصمة دمشق، كان قد خسرها، أو انسحب منها، خلال النصف الثاني من عام 2012. أبرزها مخيّم وبلدة “سبينة”، على أوتستراد درعا القديم، وبلدات “الذيابيّة”، و”البحدليّة”، ومخيّم “الحسينيّة”، و”البويضة”، و”خربة غزال”، و”حجيرة البلد”، وبعض أحياء “السيّدة زينب” الجنوبيّة، كحيّ “المشتل” وشارع “علي الوحش” المتاخم لبلدة “يلدا”، والأحياء الغربيّة على أطراف مخيّم “السيّدة زينب” وحارة “غربة” ومحيط دوّار “حجيرة”.

مع استعادة النظام السيطرة على هذه البلدات، يؤكّد كثيرٌ من المتابعين والمراقبين أنّ هناك سببين رئيسين دفعا النظام إلى إعادة السكّان إلى بعض هذه البلدات، حيث يُعزى السبب الأوّل إلى حاجة النظام إلى أن يُظهر لجميع الأطراف، سواء الداخليّة منها أو الخارجيّة، أنّ الأوضاع تعود بالتدريج إلى طبيعتها، وأنّ البلاد تتعافى، وأنّ النظام لا يزال يملك زمام المبادرة لاستعادة ما خسره خلال السنوات السابقة.

أمّا السبب الثاني فهو تظافر جهد سكّان هذه البلدات من خلال “لجان المصالحة” و”الفرق الحزبيّة” و”الفصائل الفلسطينيّة” المحسوبة على النظام، والتي تنشط في بعض هذه التجمّعات، بعد أن ذاقوا الأمرّين خلال سنوات النزوح والتهجير، إذ إنّ هذه الجهات أبدت استعدادًا كبيرًا لضبط الأوضاع الأمنيّة لمصلحة النظام في هذه المناطق في حال العودة إليها. ويبدو أيضًا أنّ النظام رغب في مكافأتها تقديرًا لاصطفافها إلى جانبه خلال سنوات الثورة وتقديمها العشرات من كوادرها في معارك الدفاع عنه.

من ضمن جميع المناطق سالفة الذكر سمح النظام إلى الآن لسكّان أربع بلداتٍ وتجمّعاتٍ سكنيّةٍ بالعودة إلى بيوتهم وممتلكاتهم، وهي مخيّم “الحسينيّة”، وبلدة “الذيابيّة”، وبلدة “البحدليّة”، وبلدة ومخيّم “سبينة”.

فيما لا تزال مناطق “حجيرة البلد”، وشارع “علي الوحش”، وحيّ “المشتل” في محيط “السيّدة زينب”، وبلدة “البويضة”، و”خربة غزال”، والقسم الجنوبيّ من بلدة “سبينة” المتاخمة لمدينة “الحجر الأسود” وحيّ “العسالي”، مغلقةً من قبل النظام الذي يمنع عودة السكّان إليها.

وكان مخيّم “الحسينيّة” أوّل الأحياء التي عاد إليها نازحون ومهجّرون في جنوب دمشق بعد طول انتظار.  حيث نُظّمت عودة السكّان بقرارٍ من وزير المصالحة الوطنيّة “علي حيدر”، الذي وافق على عودة سكّان “الحسينيّة” من فلسطينيّين وسوريّين، بعد عدّة زياراتٍ له نظّمتها “لجنة المصالحة الوطنيّة” في مخيّم “الحسينيّة”، والتي تضمُّ ممثّلين عن “حزب البعث” و”الفصائل الفلسطينيّة” المؤيّدة للنظام وبعض الوجهاء والمخاتير. وبعد نجاح التجربة، من وجهة نظر النظام، بدأ العمل على إعادة سكّان “الذيابيّة” و”البحدليّة” و”سبينة” على التوالي وبفتراتٍ زمنيّةٍ متباعدةٍ نسبيًّا، وبالآليّات المتّبعة نفسها، إذ تولّت “لجان المصالحة الوطنيّة” في هذه المناطق تنظيم عودة السكّان إليها بالتنسيق مع الأجهزة الأمنيّة والوحدات العسكريّة العاملة في محيطها.

قامت “لجان المصالحة” في هذه المناطق باستقبال السكّان الراغبين في العودة إلى منازلهم في مكاتبها، ونظّمت قوائم بأسمائهم بعد التدقيق في أوراق ملكيّة المنازل، وطلبت تسديد فواتير الماء والكهرباء المتراكمة، وقامت برفع القوائم للأجهزة الأمنيّة التي أشرفت على دراسة القوائم وتنظيم عودة الأهالي بعد التدقيق والتحقّق، حيث سمحت بداية بعودة العسكريّين وموظّفي الحكومة، من ثمَّ بقيّة السكّان المدنيّين الذين اشترطت عليهم في حال وجود أفرادٍ من الأسرة خارج القطر استخراج ورقةٍ مصدّقةٍ من دائرة الهجرة تثبت أنّهم غادروا بشكلٍ قانونيٍّ ومن خلال المعابر الرسميّة.

لوحظ هنا خضوع عائلات المفقودين والمعتقلين والغائبين لإجراءاتٍ مشدّدةٍ فرضتها “الأجهزة الأمنيّة” التي كانت تتسلّم قوائم الأسماء من “لجان المصالحة”، وكذلك العائلات التي ينتمي أحد أفرادها إلى فصائل المعارضة، ومنعت أغلبيّة هذه العائلات من العودة، وفي الوقت نفسه لم يسمح النظام لعائلات “الشهداء”، من المؤيّدين له، بالعودة من دون استخراج ورقةٍ تثبت مكان وسبب “استشهاده”، بحسب مصادرَ محلّيّةٍ. مع العلم أنه في جميع هذه البلدات والمخيّمات يرأس “لجان المصالحة” أحد كوادر “حزب البعث” من أبناء المنطقة، وتضمّ مخاتير ووجهاء وممثّلين عن “الفصائل الفلسطينيّة” المقرّبة من النظام.

ومن الجدير بالذكر أنّ عائلاتٍ كثيرةً تُحسب على “الثورة” و”المعارضة”، أحجمت عن تقديم طلبات موافقةٍ للعودة إلى منازلها، خوفًا من الملاحقة الأمنيّة، ولاسيّما بعد علمها بالإجراءات المتّبعة، والتي كانت تؤدّي أحيانًا إلى اعتقال ربِّ العائلة أو بعض أفرادها. من اللافت أيضًا، أنّ الأغلبيّة العظمى من العائدين إلى تلك البلدات، هم من العائلات التي كانت قد نزحت سابقًا إلى مناطق النظام.

تخضع عمليّة عودة السكّان إلى إجراءاتٍ بيروقراطيّةٍ تأخذ وقتًا طويلًا، بين تنظيم الطلبات وأخذ البيانات والأوراق الثبوتيّة من قبل لجان المصالحة، وبين تحويلها إلى الفروع الأمنيّة لدراستها، والردِّ بالموافقة أو المنع أو الاستدعاء للتحقيق.

في حال الحصول على الموافقة الأمنيّة، تتسلّم لجان المصالحة بشكلٍ دوريٍّ قوائمَ بأسماء عددٍ من العائلات التي حصلت على الموافقة، ليصار إلى تبليغها بالقرار، وتتسلّم الحواجز العسكريّة في مداخل البلدات نسخًا عن هذه القوائم، حيث تنظّم الحواجز عمليّة الدخول في المرّة الأولى وتتحقّق من مطابقة البيانات وتدقّق الأسماء بقوائم المطلوبين أمنيًّا، من ثَمَّ يُمنح أفراد العائلة بطاقات مرورٍ موقّعة من الحاجز و”لجنة المصالحة” ومختار الحيّ، ولا يسمح لمن لا يحملون هذه البطاقة دخول البلدة أو المخيّم إلّا بموافقةٍ أمنيّةٍ من الفرع الأمنيّ العامل في المنطقة.

تقدّر نسبة العائلات التي سُمح لها بالعودة إلى مخيّم “الحسينيّة” بأكثر من ثمانين في المئة من عدد سكّانها، وفي بلدة “الذيابيّة” أقلّ من أربعين في المئة كونها كانت من أنشط نقاط الاحتجاج والتظاهر ضدّ النظام. بينما لا تزال عمليّة إعادة سكّان “سبينة” ومخيّمها تسير ببطءٍ وفق قوائم الموافقات التي تصدرها الفروع الأمنيّة. وهناك تفاوتٌ في التعاطي الأمنيّ بين منطقةٍ وأخرى، حيث يلاحظ التشديد والتدقيق على السكّان في المناطق الخاضعة للجانٍ تتبع للفصائل الفلسطينيّة المؤيّدة للنظام أكثر من غيرها.

بعد السماح بعودة السكّان، لوحظ إبعاد بعض العائلات بذريعة انتماء أحد أفرادها للمعارضة. ومن جهةٍ أخرى فقد عادت بعض العائلات لتجد منازلها قد احتُلّت، إمّا من قبل عسكريّين متنفّذين، أو من عائلاتٍ أخرى قدم بها النظام من مدينة “بصرى الشام” في ريف درعا. وقالت مصادر محلّيّةٌ إنّ النظام كان قد فجّر منازل بعض الناشطين والمطلوبين، وختم أخرى بالشمع الأحمر قبل عودة السكّان.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: