شهادة ألم وأمل

0

“سُهى” سيّدةٌ من الرقة في الثلاثين من عمرها، تخرّجت في كلّيّة الآداب من جامعة حلب، ولديها ولدٌ واحدٌ في الثالثة من عمره. حين اجتاح تنظيم “الدولة الإسلاميّة” (داعش) محافظة الرقة، كان لزامًا على “سُهى” وعائلتها المقيمة في حيّ “دوار النعيم” أن تتقيّد بالإجراءات التي فرضها التنظيم المتشدّد على الرقة وأهلها من فتاوى ومحظورات في أكثر تفاصيل الحياة اليوميّة دقّة، إلى درجة أنّ الموت أو الاعتقال كانا يقبعان خلف أيّ خطوةٍ تخطوها وأهلها، ولاسيّما على النساء اللواتي فُرض عليهنّ نظامٌ جائرٌ، سواء في ما يتعلّق بارتداء اللباس الشرعيّ المكوّن من طبقتين داخليّة وخارجيّة بلونٍ أسود، وأيّ مخالفةٍ قد تكلّف الخطف أو الزواج القسريّ من أعضاء التنظيم، أو سير حركتهنّ في الأسواق في ظلّ مراقبةٍ دقيقةٍ يسودها العسف والتقدير المزاجيّ لأعضاء التنظيم في جهاز “الحسبة”، مع ما يفرضه التنظيم من حظرٍ للتجوّل –من دون مَحرم- ومنع النساء من التسوّق من الباعة الرجال.

كانت العودة الشاقّة إلى البيت تستدعي تقييمًا ومعرفةً بكلّ ما يجري لأخوتها وأخواتها في “لمّة” العائلة المسائيّة، وكان الحديث الهامس سيّد الموقف في تبادل خبرات التكيّف والتقيّد وممارسة فنون “الكذب الذكيّ” والمُقنع، الذي لم يكن يحول دون الوقوع في شباك أسئلة التنظيم المربكة، ولاسيّما مع نساء التنظيم المتشدّدات اللواتي مارسن سلطةً يسودها الهوس الدينيّ وانعدام الرأفة.

خلاص السماء الدمويّ

مع تواصل قصف قوى التحالف الدوليّ للرقة، فُرض على عائلة “سُهى” كما المئات من الأسر الرقاويّة الانتقال إلى أكثر من مكانٍ داخل مدينة الرقة أو ريفها، هربًا من القصف والموت الحتميّ.

تقول “سُهى” في شهادتها إنّها نزحت وعائلتها إلى منطقةٍ محرّرةٍ من تنظيم “داعش” شمال مدينة الرقة، اسمها “كبش” ومكثوا فيها لفترةٍ قصيرةٍ ما يقارب الثلاثة أشهر، لم يكن ثمّة أدنى مقوّمات الحياة، لا ماء، ولا كهرباء، ولا طعام، ولا دواء. المتوفّر الوحيد كما تقول “سُهى” هو الموت. قرّرنا وأخوتي النزوح في ظلّ تلك الظروف الرهيبة مع معرفتنا بكلّ تكاليف الخروج من المحافظة ماديًّا ومعنويًّا، واحتمال وقوعنا في قبضة التنظيم المتشدّد، لتبدأ رحلة جديدة من القهر والابتزاز الماليّ التي فرضها المهرّبون علينا، أخذوا منّا 700 ألف ليرة سوريّة، عدا أجرة الطريق 30 ألف من كلّ شخص، حتى وصلنا إلى ريف حماة، وعانينا خلال تلك الرحلة، التي استمرّت 14 ساعة، الأمرّين من تفتيشٍ وإهاناتٍ وابتزازٍ ماليّ طوال الطريق. مكثنا فترةً من الوقت لدى أقرباء تربطنا وإياهم رابطة العشيرة، لكن أرواحنا ترنو إلى الرقة ومنازلنا، قرّرنا خلالها بعد تحرير الرقة من سلطة التنظيم العودة إلى الرقة.

وجدت منزلي مهدّمًا بالكامل (كما وصفت سُهى وهي تبكي)، فقدان المنزل بالنسبة إليّ يعني الكثير، لكن ما من كلماتٍ تصف حال الدمار الشامل الذي تعرّضت له المدينة، وصار هاجسنا في السؤال عن أحوال من تبقّى من أسرتنا ومعارفنا، أجزم أنّ مدينة الرقة غير مؤهّلةٍ للسكن اليوم بسبب الألغام والهدم وانعدام مقوّمات العيش الضروريّة للحياة.

قررنا النزوح مرّةً ثانية إلى ريف الرقة. أثناء ذلك، زوج أختي الذي كان يعمل كموزّع أدوية من الرقة إلى ريفها قتل برصاص قنّاص تاركًا خمسة أطفال وزوجة وغصّة فقد لن تبارحنا.

نعلم أنّنا نعيش إقاماتٍ متقطّعةً وغير مستقرّةٍ وصعبة، لكنّنا الآن تحرّرنا من سلطة قوّةٍ غاشمةٍ ومنحطّة أخلاقيًّا وإنسانيًّا… من الصعب أن تندمل جراحنا قريبًا، وأن ننسى ما جرى لنا.

قد يبدو السلام والأمان بعيدًا بعض الوقت، لكن الأمل لا يزال يسكن قلوبنا

هكذا تنهي “سُهى” شهادتها في ما عانته وكابدته.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: