اللاجئون السوريّون في “عرسال”: ظروفٌ بائسةٌ وإهمالٌ جاذبٌ للتطرّف

0

 

صرخاتٌ كأنّها صرخةٌ واحدةٌ يسمعها الداخل إلى، والسائل عن، ظروف مخيّمات اللاجئين السوريّين في بلدة عرسال ومحيطها: الشتاء قدم مجدّدًا ليكرّر مأساة السنوات الماضية… بردٌ قارسٌ وسيولٌ وتلوّثٌ بسبب غياب أيّ بنيةٍ تحتيّة، مترافقٌ هذه المرّة مع شحّ المساعدات، والخوف الدائم من مداهماتٍ أرهبت وأرعبت اللاجئين قبل وخلال وبعد المعارك الأخيرة بين الجيش اللبنانيّ وحزب الله من جهةٍ ومجموعاتٍ مسلّحةٍ متطرّفة من جهةٍ أخرى.

وعلى الرغم من انتهاء ظاهرة المسلّحين في البلدة وجرودها، إلّا أنّ الرعب لا يزال يخيّم على مخيّمات اللاجئين، حيث إنّ الصحافيّ الباحث عن إجاباتٍ لأسئلةٍ كثيرة، يصعب عليه سماع إجاباتٍ كاملة، وعندما يطمئنُّ المجيب إلى السّائل، يُطلب أن يغيّب الاسم تمامًا عن النصّ، خوفًا من الانتقام.

لكنّ إخفاء أسماء المتحدّثين، لا يمكن أن يحجب صورة الوضع في المخيّمات، التي تتلاصق فيها الخيمة إلى جانب الخيمة، في خطوطٍ شبه مستقيمة، تتخلّلها خطوطٌ من المياه الآسنة التي تتدفّق كقنواتٍ وسط الأزقّة الترابيّة، حيث يمكن حتّى للصورة الجامدة أن تشيَ بالروائح المنتشرة.

ولا يحجب ذاك الوضع الصحّيّ البائس، أصواتَ الأطفال، الذين يركضون هنا وهناك، يريدون اللعب، غير مدركين واقعَ مخيّماتهم، أو بكاءَ بعض الأطفال المرضى الآتي من داخل الخيام، ولا يحجب صور وجوه النساء المتجهّمة، ولا وجوه الرجال الغاضبة لكن الكاظمة للغيظ، خوفًا من المجهول الذي قد يأتي من أيّ جهةٍ.

كلّ اللاجئين في مخيّمات “عرسال”، ينتظرون القادم، ليس الأمنيّ أو الاجتماعيّ أو الإغاثيّ، إنّما هذه الأيّام، وعلى وجه الخصوص، دنو فصل الشتاء القارس في بلدةٍ تعلو نحو 1600 م عن سطح البحر، والمعروفة بقسوة مناخها، وقد اختبر اللاجئون، الذين قدموا إلى البلدة وجرودها سنة 2011، أو لاحقًا سنة 2014، وما بين تلك السنتين، وبعدهما، مأساة الشتاء في تلك المخيّمات.

“نريد العودة إلى بلدنا”… تسمعها من كلّ من تقابله، لكن كيف العودة والأمن هناك غير مصونٍ على الرغم من سيطرة الجيش السوريّ وحلفائه على كامل المنطقة؟

ظروفٌ بائسةٌ وسط محيطٍ بائسٍ

منذ بداية الأزمة السوريّة بدأت دفعاتٌ من أهالي حمص وضواحيها والقلمون باللجوء إلى “عرسال”، ولاسيّما بعد دخول حزب الله الحرب إلى جانب النظام السوريّ، واحتلاله مدينة القصير ثمّ مشاركته في معارك، وفتحه أخرى، في حمص وريفها كما في القلمون.

يبلغ عدد سكّان “عرسال” نحو 35 ألف مواطنٍ، وقد بلغ عدد اللاجئين نحو 120 ألف لاجئٍ كحدٍّ أقصى، توزّعوا على أكثر من 102 مخيّمٍ، أقيمت بشكلٍ عشوائيٍّ على أراضٍ تابعة لأهالي البلدة، ومشاعاتها وجرودها.

يشير الأستاذ “محمد حسين رايد”، وهو أحد أهالي البلدة، وناشطٌ في جمعيّة “التدريب والدراسات” إلى أنّ عدد اللاجئين اليوم لا يتعدّى 50 ألف لاجئٍ داخل المخيّمات، و15 ألف لاجئٍ خارجها بحسب الإحصاءات الأخيرة، تُقدّم لهم العديد من الجمعيّات والمنظّمات مساعداتٍ، ومن هذه الجمعيّات: “جمعيّة الدراسات والتدريب”، “أطباء بلا حدود”، “اللجنة الدوليّة للصليب الأحمر”، “مؤسّسة عامل”، “لجنة الإنقاذ الدوليّة”، “دار الفتوى”، “كاريتاس”، “الهلال الأحمر القطريّ”… إلخ.

وتعاني بلدة “عرسال” أساسًا من تهميش السلطة المركزيّة والمحلّيّة، فبناها التحتيّة تعاني الإهمال الشديد، فكيف بات حالها مع الازدياد السكّانيّ الضخم المتمثّل باللجوء السوريّ؟

لا صحّة ولا غذاء ولا مدارس

ضعف البنى التحتيّة هذا، من صرفٍ صحّيٍّ ومياهٍ وكهرباءٍ ونقلٍ وغيرها، هو مشكلةٌ أساس من ضمن المعضلات التي يعاني منها اللاجئون وأهالي البلدة على حدٍّ سواء. فالبنى التحتيّة غير مهيّأةٍ لاستيعاب هذا الازدياد السكّانيّ، فعلى سبيل المثال انفجرت أقنية الصرف الصحّيّ داخل المخيّمات في الصيف الماضي، ويقول أحد اللاجئين “انفجرت تمديدات الصرف الصحّيّ بين الخيام وأصبحت الروائح غير محتملةٍ، وتسبّبت بأمراضٍ وأوبئةٍ” وسط ضعفٍ شديدٍ في العناية الصحّيّة. وقد دفع واقع انهيار البنى التحتيّة، بعض الجمعيّات كـ “جمعيّة الدراسات والتدريب”، و”منظّمة العمل ضدّ الجوع”، و”MERSY CORPS”، إلى مدِّ يد المساعدة في حلّ بعض مشكلات الصرف الصحّيّ والمياه.

أمّا صحّيًّا، فتهتمّ بعض الجمعيّات بالأوضاع الصحّيّة للاجئين السوريّين عبر تقديم الأدوية اللازمة واللقاحات للأطفال (“أطباء بلا حدود”، و”اللجنة الدوليّة للصليب الأحمر”، و”مؤسّسة عامل”)، وتقوم “اللجنة الدوليّة للصليب الأحمر” بنقل الحالات المستعصية إلى المستشفيات خارج البلدة وتأمين الأسرّة لهم.

ويقول أحد اللاجئين (م. ح.) إنّ معظم الجمعيّات جمّدت عملها، والحالات المستعصية والأمراض المزمنة لا تجد من يغطّي علاجها. كما يقول لاجئٌ آخرُ: “ابنتي ذات الـستّ سنواتٍ تعاني من مرضٍ وتحتاج إلى علاجٍ تبلغ تكلفته 700 دولارٍ، وحتّى الآن لم أجد من يقدّم لنا يد العون”.

وفي ما يتعلّق بالمساعدات الغذائيّة، فهي ضئيلةٌ، والجهة الوحيدة المانحة للمساعدات الغذائيّة هي “دار الفتوى”، أمّا الجمعيّات الأخرى مثل “منظّمة العمل ضدّ الجوع” و”إنترسوس”، فتمنح بطاقات مساعداتٍ لا تتجاوز قيمتها الـ 260 ألف ل.ل، أي ما لا يزيد على 130 إلى 140دولارًا شهريًّا للعائلة. ويقول أحد اللاجئين: “المعونات التي تصلنا غير كافيةٍ، فلا تكاد تكفي لنصف الشهر”.

وبالنسبة إلى تعليم اللاجئين في “عرسال”، فالمشكلة تكمن في التعليم غير المنظّم لتسعة آلاف لاجئٍ سوريّ، بسبب عدم قدرة المدارس الرسميّة في البلدة على استيعاب الأعداد الكبيرة من الطلّاب. ويقول أحد اللاجئين (ن. د.)، وهو محامٍ، إنّ معظم اللاجئين في المخيّمات يلجؤون إلى تسجيل أولادهم في صفوفٍ دراسيّةٍ تقيمها بعض الجمعيّات، لينالوا شهاداتٍ غير معترفٍ بها رسميًّا. ويشير إلى أنّه طُلب من ممثّل مفوّضيّة الأمم المتّحدة في الشرق الأوسط خلال زيارته “عرسال” دعم المنظّمات التعليميّة بالتعاون مع الجهات المعنيّة في لبنان وتسوية الوضع.

أمّا المدارس الرسميّة فتستقبل نحو 2700 طالبٍ بدعمٍ من الحكومة اللبنانيّة و”اليونيسيف” وقد نال 50 طالبًا سوريًّا الشهادة الرسميّة في العام الدراسيّ 2016 – 2017.

وتقوم جمعيّتا “الدراسات والتدريب” و”كاريتاس”، اللتان تموّلهما “اليونيسيف”، بدورات محو أمّيّة لتأهيل الطلّاب السوريّين لدخول المدارس.

 

ماذا عن الشتاء القادم؟

مجموعةٌ من النسوة، في أحد المخيّمات، لسان حالهنّ يقول: “أطفالنا عم يموتوا من البرد وناطرين حدا يقدّم لنا شي يدفينا”، و”بلشت الشتوية وما حدا قدّم لنا أيّ وسيلة تدفئة نحن نناشد الجمعيّات أن تنظر إلى حالنا وتساعدنا”، و”خيمنا وقعت على رؤوسنا الشتاء الماضي والخوف كبير من تكرار مأساة كل شتاء”.

الشتاء القادم يصطحب معه معاناة اللاجئين السوريّين في “عرسال”، في البلدة الجرديّة المعروفة بشتائها القارس وكثافة الثلوج المتساقطة عليها.

سابقًا كانت تقوم بعض الجمعيّات المختصّة بتأمين ما تيسّر من وسائل التدفئة لهم، لكن ها نحن على أبواب الشتاء 2017 – 2018، حيث يعلو صوت اللاجئين مناشدًا الجهات المعنيّة: “لم نرَ حتى الآن أيّ مساعداتٍ للتدفئة، ولا حتّى مساعداتٍ لترميم خيامنا التي لم تعد تصلح للعيش فيها وكيف لها أن تقينا قساوة الشتاء هنا”.

الخيام بات وضعها مزريًا وغير ملائمٍ للعيش، والبرد يخترق جدرانها المهترئة، ويُتوقع أن تتزايد المشكلات والمعاناة مع حدوث طوفانات تزيل الخيام، إضافة إلى انتشار الأمراض والأوبئة، في حال لم تُعالج هذه المشكلات سريعًا.

استغلالٌ لظروف اللجوء

شكّل اللجوء السوريّ القاسي في “عرسال”، مع عدم تنظيمه من الجهات الرسميّة اللبنانيّة، منفذًا لمتطرّفين أوهموا أوساطًا من اللاجئين بأنّهم يريدون حمايتهم، وهو أمرٌ اكتشف كثرٌ من اللاجئين لاحقًا أنّهم كانوا ضحاياه. وإذ نترك الخوض في تفاصيل الظروف السياسيّة، إن على مستوى المنطقة أو التداخل اللبنانيّ معها، التي ساهمت مع المستويات الأخرى في خلق هذا التعقيد، نذكر أبرز محطّاته لكونها كانت أبرز مراحل المعاناة المستمرّة للاجئين السوريّين.

يقول أحد اللاجئين: “ربّما لم يكن لدينا خيارٌ آخر وكان علينا تقبّل الأمر الواقع ووجودهم بيننا، كما أنّنا ظننّا بأنّهم من يحموننا في بلاد اللجوء وأنّهم هم الحلّ”.

ظروف اللاجئين باتت أكثر صعوبة وتعقيدًا عندما اندلعت مواجهاتٌ عنيفةٌ مع الجيش في 2 آب/ أغسطس 2014، أسفرت عن مقتل العشرات من أهالي البلدة والعسكريّين اللبنانيّين، واختطاف الجهاديّين 27 جنديًّا لبنانيًّا. وبقي بعدها الطابع الحادّ للتجاذب بين الطرفين يسيطر على الصورة حتّى المعركة الأخيرة في تموز/ يوليو 2017، حيث وصفت المعركة من جانب الحكومة اللبنانيّة بأنّها معركة تطهير الجرود من الإرهاب. وبعد انتهاء المعركة غادر من بقي من المتطرّفين الذين أُخرجوا، بعد جولةٍ من المفاوضات التي قادها مدير عام الأمن العامّ اللبنانيّ اللواء “عباس إبراهيم” ممثّلًا الدولة اللبنانيّة بتنسيقٍ مع قيادة حزب الله، في قوافلَ كبيرةٍ انطلقت من “عرسال” إلى الداخل السوريّ.

أمّا عن المداهمات التي جرت قبل المعركة، فقد حصل خلالها اعتقال ما يقارب 400 لاجئٍ من داخل المخيّمات أخضعهم الجيش اللبنانيّ لتحقيقٍ وصفته جهاتٌ حقوقيّة بأنّه “غير مشروعٍ”، ما أدّى إلى وفاة ثمانية أشخاصٍ منهم تحت التعذيب، وأُخلي سبيل ما يقارب 300 شخصٍ بعد التأكد من أن لا علاقة لهم بالمنظّمات الإرهابيّة.

يقول أحد اللاجئين الذين اعتُقلوا: “اعتُقلنا وليست لنا أيّ صلةٍ بالمنظّمات الإرهابيّة، وكان بيننا من هم دون الـ 18 عامًا، كما اعتُقِل بيننا مسنّون وتعرّضنا لمعاملةٍ سيّئةٍ وتحقيقاتٍ قاسيةٍ أثارت رعبًا في نفوسنا حتى باتت رؤية آليّةٍ للجيش بمنزلة شبحٍ مخيفٍ”.

وقد شُكّلت لجنةٌ بمبادرةٍ من مفوّضيّة الأمم المتّحدة لحماية اللاجئين تضمّ فريقًا من المتطوّعين وعددًا من المحامين من لجنة الإنقاذ الدوليّة مع قيادة اللواء التاسع في الجيش اللبنانيّ، طمأنت اللاجئين بعدم القيام بأيّ مداهماتٍ عشوائيّةٍ واعتقال المطلوبين فحسب وفق أسمائهم الثلاثيّة. لكن فيما بعد ازداد التضييق على اللاجئين والضغط عليهم إعلاميًّا وأمنيًّا.

وفي نهاية زيارتنا إلى المخيّم، نسأل اللاجئين عن حاجاتهم ومشكلاتهم، فيأتي الجواب من أحدهم: “نحن نعاني من مشكلاتٍ عديدةٍ مادّيّةٍ لكن المشكلة الأبرز تكمن في فقداننا الأمن”. ويتابع: “كنّا نأمل خيرًا بعد انتفاء وجود أيٍّ من المتطرّفين داخل المخيّمات، لكنّ الآمال قد خابت والمعاملة من سيّئٍ إلى أسوأ”.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: