خيمة لا تتّسع لأحد

0

مخيّم “موريا” للاجئين ليس أحد الأماكن السياحيّة التي تشتهر بها اليونان، إنّه السجن القديم والسجن المفتوح الآن على السجن الأكبر في جزيرة “ليسفوس”. سبعة آلاف لاجئٍ ولاجئةٍ عالقون في غابةٍ فيها الكثير من القسوة والأسلاك الشائكة، حيث تجد هناك خيمةً صغيرةً لا تصلح لمقارعة قسوة الشتاء، من ذاك النوع المخصّص للسيّاح على رمال المنتجعات الصيفيّة، متّصلةً بخيمةٍ أكبر قليلًا قدّمتها بعض المنظّمات، لتتقاسمهما عائلاتٌ بالجملة تتصارع فيهما على مكانٍ للنوم، على مقربةٍ من “كرفانات” صغيرةٍ قدّمها الاتّحاد الأوروبيّ تستخدمها ثلاثُ عائلاتٍ ولا تتجاوز مساحة الواحدة منها أربعة أمتار. وهو الاتّحاد الأوروبيّ نفسه الذي يمنع السلطات اليونانيّة من تقديم أيّ حلٍّ لهذه التراجيديا اليونانيّة الحديثة عبر إجبارها على منع اللاجئين من مغادرة الجزيرة نحو العاصمة أو المدن الأخرى. أمام الخيم الباهتة الباردة والرماديّة تجلس أمّهاتٌ مع أطفالهنّ من دون أيّ طاقةٍ أو أمل. وحين تدخل إلى أعماق المخيّم ترى الجوع واليأس في عيون الأطفال التي هربت من الحروب والطغاة وبراميل الموت المرعبة.

فتحت امرأةٌ باب خيمتها، وهي تحمل طفلًا صغيرًا، وقالت: “هذه هي خيمة العائلة، وهنا ينام أطفالي”. كانت أرضيّة الخيمة عبارةً عن ورقٍ مقوّى تطفو على الوحل، وكانت رائحة الرطوبة تملأ سماء الخيمة. “لم تصلنا المياه منذ ثلاثة أيام” أخبرتنا امرأةٌ أخرى تقف بجانب خيمتها، بينما كان زوجها يتمعّن في وحل الحياة.

مخيّم “موريا” الذي يتّسع لـ 1600 لاجئٍ يعيش فيه الآن ما يزيد على 7000 في شروطٍ أكثر من قاسية. ويقوم الاتّحاد الأوروبيّ بدراسة طلبات اللجوء على أرض اليونان، وغالبًا ما يكون القرار سريعًا بالرفض بحجّة أنّ تركيا بلدٌ آمن. فلقد قام الاتّحاد الأوروبيّ بعقد اتّفاقٍ مع تركيا في آذار/ مارس 2016، حيث قدّم الاتّحاد الأوروبيّ مبلغ 6 مليارات يورو مقابل أن تقوم تركيا بوقف تدفّق اللاجئين، إضافة إلى قبولها إعادة اللاجئين الذين وصلوا اليونان بعد آذار/ مارس 2016. لم تساعد مليارات الاتّحاد الأوروبيّ في تحسين وضع اللاجئين في داخل تركيا، ولم تقم تركيا بوقف عبور اللاجئين لبحر “إيجة” بشكلٍ كاملٍ، وأصرَّ لاجئون كثر على العبور إلى اليونان على الرغم من كلّ الظروف السيئة فيها لأنّهم لا يعتقدون بوجود حلٍّ للكارثة التي هربوا منها.

في زيارتي الأخيرة قبل أسبوعين إلى اليونان، كانت أغلبيّة اللاجئين السوريّين من مناطق الرقة ودير الزور والسخنة من حمص، وهي مناطق إمّا كانت تحت سلطة إرهابيّي “داعش”، أو تحت الحصار الذي فرضه النظام السوريّ، ولقد هربوا جميعهم من جحيم المأساة السوريّة إلى جحيم مأساة اللجوء اليونانيّ.

ففي مخيّمات اللجوء اليونانيّ تعيش الأغلبيّة العظمى من الأطفال من دون مدارس ولا رعاية أو اهتمام من السلطات اليونانيّة أو سلطات المخيّمات أو حتى الأهالي الذين فقدوا القدرة على الاستمراريّة. ومع الغياب شبه الكامل للعناية الطبيّة في داخل المخيّمات تزداد مأساة هؤلاء الأطفال؛ فقبل أسبوعين فقدت طفلةٌ في الخامسة من عمرها حياتها بسبب عدم إمكان فحصها أو العناية الطبّيّة بها. لم تكن هي الوحيدة التي عانت، فمن تبقّى من أطفالٍ يعانون ما عانته من دون أيّ انتباه.

ومع وجود العديد من المنظّمات الصغيرة والمتطوّعين والمتطوّعات والنداءات العاجلة والمتكرّرة للمنظّمات الدوليّة والضغط على الحكومة اليونانيّة لفتح الطريق أمام اللاجئين لمغادرة الجزر المكتظّة إلى العاصمة والمدن الأخرى، يبقى الاتّحاد الأوروبيّ ومن خلفه الحكومة اليونانيّة في عالمٍ آخرَ وتبقى الحلول غائبةً عن أذهان المسؤولين الأوروبيّين المصمّمين على تجاهل ما يجري على أراضي القارّة الأوروبيّة في القرن الواحد والعشرين.

وفي مخيّم “فيال” في جزيرة “خيوس”، تفيض رائحة القهر وتمتزج مع أنهار اليأس المتراكم على جدران المعمل القديم الذي تحوّل بدوره إلى مخيّمٍ للاجئين. أغلب العائلات السوريّة التي أتت حديثًا أتت من مناطق الحصار في دير الزور ومن منطقة “السخنة” التي تسيطر عليها عصابات “داعش”. إضافة إلى المناطق التقليديّة التي عانت من براميل النظام القاتلة. يطلّ “أبو مصطفى”، وهو فلسطينيٌّ سوريٌّ في الستينيّات من عمره يتوكّأ على عكّازةٍ خشبيّةٍ. فقد نظّاراته حديثًا في الطريق إلى اليونان وفقد سمعه على وقع قذائف النظام على مخيّم اليرموك قرب العاصمة دمشق. “من يومين ما أكلنا أكل متل العالم”، يشتكي ثمّ يتنهّد ثمّ يبكي ثمّ يقترب من وجهي حتّى يراني، ويتابع “تهجّرنا مرّتين وهذه الثالثة في هذه القارّة القاسية”، ثمّ يمشي مبتعدًا ويركل الحجارة الصغيرة بعكّازه حتى لا يقع، بينما الصخور الكبيرة تحاصره من جميع الجهات.

وأنت تمشي بذعرٍ بين “الكرفانات” والخيام والأسلاك الشائكة ترى الأطفال يجلسون متجمّدين من الملل وغياب كلّ شيء؛ فلا يوجد مدارسُ ولا كتبٌ ولا أقلام تلوين ولا حقائب. ولم يبقَ لهم إلّا الجلوس على حواف “الكرافانات” يراقبون السير البطيء للحياة غير عابئين بما مضى من اليوم وبما سيأتي في اليوم القادم، فلا شيءَ يمكن انتظاره في هذا الفراغ القاسي ومن هذه الفجوة المخيفة.

العائلات التي وصلت منذ أيامٍ، لم تجد مكانًا لها سوى الأرض القريبة من المخيّم. كان “أبو علاء” من دير الزور محظوظًا للغاية فقد حصل على خيمةٍ من المفوّضيّة السامية للاجئين وبناها ونام فيها مع عائلته بهدوء، إلى أن زارته الأمطار فطافت عليه الوحول ومياه المراحيض وسط صراخ أطفاله الأربعة؛ فغرقت الخيمة وغرق “أبو علاء” وأطفاله وزوجته مدرّسة اللغة الفرنسيّة. وفي الصباح التالي تقاسمت معه الخيمة عائلةٌ أخرى مؤلّفة من أربعة أشخاص، ولا يفصل بين العائلتين سوى ستارةٍ من القماش المبلّل. “حين استطعنا الهروب من دير الزور مؤخّرًا ودفعنا للمهرّبين الجشعين حتى أوصلونا إلى الحدود التركية، وبينما كنّا نعبر قام الجنود الأتراك بإطلاق النار علينا. وبعد محاولاتٍ نجحنا في العبور رغم إطلاق نار باتجاهنا، ولكن هرب ابني الصغير ووجدناه بعد ثلاث ساعاتٍ وهو يرتجف وقد فقد النطق نتيجة الخوف”، كلمات “أبو علاء” التي تداخلت وهي خارجةٌ من فمه مع دخان سيجارته. سألتُ ابنته الصغيرة عن عمرها وكانت في الثامنة، وقالت إنّها لم تدخل المدرسة في حياتها ولم تتعلّم الكتابة أو القراءة. كانت تحلم بمستقبلٍ أوروبيٍّ جميلٍ بعد أن قضت أغلب سنواتها تحت الحصار الأسديّ- الداعشيّ. والآن تمرُّ أيامها بخيمةٍ من الانتظار البشع المجهول الهويّة، وقبلها كانت طفولتها ضحيّةً للمهرّبين والمراكب الموبوءة بالخطر.

بين مخيّم “موريا” المرعب ومخيّم “فيال” قواسمُ مشتركةٌ من الألم والإهمال وانتظار اللاشيء والندم والحسرة على ما كان أو على القدوم إلى هذا العالم الأوروبيّ الجميل من الخارج، التعس من الداخل؛ فهناك أطفالٌ لا يلعبون، وأطفالٌ لا يأكلون، وآباءٌ يتحسّرون، ومهرّبون يصوّرون لضحاياهم جمال الحياة في أوروبا، فيعبرون البحر نحوها ليحصلوا إذا ما كانوا محظوظين على خيمة. يقول الموظّف الأوروبيّ للاجئين بعد مقابلةٍ عابرةٍ  لشخصٍ فقد كلَّ شيءٍ؛ فقد أهله وبيته وأمانه ومستقبله: “سنعيدك إلى تركيا لأنّها بلدٌ آمن” ويكمل موظّفٌ آخرُ “ليست لديك مقوّمات اللجوء”، لن نعيدك إلى بلدك بسبب الحرب، لكن سنعيدك إلى تركيا من حيث أتيت فأنت هناك لا تحتاجنا…” ويصبح الانتظار في المخيّم مشوّشًا مخيفًا، انتظار التحرّك إلى الأمام أو انتظار العودة لما هرب منه. تركيا ليست بلد هؤلاء اللاجئين وهم لن يستطيعوا تأمين احتياجات العيش الكريم، والموظّف الذي قال تلك الجملة قبل قليلٍ يعرف ذلك، ولكن ما يهمّ الموظّف ذاته هو الإعادة، وليس مستقبل اللاجئين وكرامتهم.

 

 

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: