الأثر النفسيّ للنزوح على الطفل السوريّ

0

لم يكن النزوح في سورية بعد آذار/ مارس 2011، حركةً طبيعيّةً للسكّان يهدفون من خلاله تحسين واقع معيشتهم، بل كان أحد إفرازات الحرب، بكلِّ ما فيها من عنفٍ وخطرٍ وخوفٍ وعدم شعور بالأمان؛ فالنازح السوريُّ مقتلعٌ من أرضه قهرًا بعد أن فتكت آلة الحرب بأسرته ورزقه وبيته وأرضه وأحبائه. وإن كان هذا واقع المهجّر قسريًّا بشكلٍ عامٍّ، فلنا أن نتخيّل انعكاسات التهجير على الطفل الذي لا يملك بعد آليّاتٍ دفاعيّةً نفسيّةً قد تمكّنه من مواجهة هذا الحال، إضافةً إلى بنيته النفسيّة التي هي قيد التشكّل والمنفعلة بالأحداث بشكلٍ كبير. وليس خافيًا على أحد أنّ الصحّة النفسيّة للإنسان قائمةٌ على ركائزَ أساسيّةٍ؛ الحاجات الفسيولوجيّة (التنفّس، الطعام، الماء، النوم، الجنس، التوازن، الإخراج)، وحاجات الأمان، والحاجات الاجتماعيّة، والحاجة إلى التقدير، والحاجة إلى تحقيق الذات، بحسب هرم “ماسلو” للاحتياجات الإنسانيّة. وتلك الركائز يحطّمها النزوح فيغدو الطفل معرّضًا للتوتّرات والاضطرابات النفسيّة التي قد تصل فيه إلى مرضٍ نفسيٍّ أو انحرافاتٍ في السلوك.

فالطفل النازح عن أماكن التوتّر والصراع شهدَ الحربَ بكلِّ تفاصيلها وتأثّر فيها وعاش صدمتها. وكثيرٌ من الأطفال عاشوا الحصار في بعض المناطق السوريّة، بما فيه من حرمان وجوع، قبل بدء رحلة نزوحهم القاسية. هذا إضافة إلى أنّ كثيرين منهم قد فقدوا أحد الأبوين أو أحد الأقرباء، إمّا قتلًا أو اعتقالًا أو نفيًا، أو شاهدوا قتل أو إهانة مصدر الأمان (الأبوين). فضلًا عن تركهم منازلهم وتفكّك شبكة العلاقات الاجتماعيّة التي كانوا قد أنشؤوها مع أقرانهم في المناطق التي نزحوا عنها. ونشأ عن هذا الواقع عددٌ من المشكلات النفسيّة التي يصعب حصرها، فالعنف الذي شهده الطفل أو عايشه أو وقع عليه يختلف من طفلٍ إلى آخر بحسب درجته، وهذا الاختلاف بالتأثّر تتدخّل فيه عدّة عوامل، ومنها غياب المعيل الأساسيّ وهو الأبوان أو أحدهما أو تولّي أحد الأقارب مهمّة الإعالة (الخال أو العمّ أو الجدّ أو الخالة أو العمّة…)، وعدم تلقّي الدعم النفسيّ من أفراد أسرته أو المتبقّي منها أو من منشأته التعليميّة والتربويّة إن وجدت، إضافة إلى الفروق الفرديّة الناتجة من طبيعته وبنيته النفسيّة أو من الظروف التي تعرّض لها مثل درجة العنف التي تلقّاها أو شاهدها، وطبيعة المنطقة التي نزح إليها، وقدرة أسرته على التكيّف مع المحيط الجديد، وطبيعة تقبّل هذا المحيط له… كلُّ هذا يجعل المشكلات النفسيّة التي يعانيها الطفل النازح متنوّعةً وواسعة ومركّبة في بعض الأحيان يصعب تحديد أسبابها وإيجاد حلول لها.

وعلى هذا يكون كلُّ طفلٍ نازح هو حالةٌ فريدةٌ تستوجب الدراسة على حدة، إلّا أنّ هذا يصعب حصوله، فيلجأ الدارس أو الباحث إلى المقارنة والمقاربة والقياس ثمّ التعميم، وغالبًا ما تهمل الفوارق الفرديّة لمصلحة الخلوص إلى نتائج تفيد في تنميط المشكلات النفسيّة لدى الأطفال ووضع فروضٍ لحلّها أو علاجها.

ويمكن ملاحظة مجموعةٍ من السمات النفسيّة والسلوكيّة والاجتماعيّة لدى الطفل النازح بدلالة الشهادات التي حصلنا عليها، ومنها:

السمة الأولى: عدم الشعور بالأمان والخوف وما يرافقه من اضراباتٍ نفسيّة وسلوكيّة، كاضطرابات النوم والقلق الدائم والتوتّر الشديد وقضم الأظافر، وحبّ العزلة والانطواء والرهاب الاجتماعيّ، والشعور بالفقد والخوف الدائم منه، وانعدام الثقة بالآخرين وصولًا إلى التبوّل اللا إرادي.  تقول أمّ ياسر: “ابني يبلغ من العمر سبع سنوات، وصلنا إلى مكان إقامتنا الجديد بعد نزوحنا عن منطقتنا منذ أربع سنوات تقريبًا، وإلى الآن لم يتّخذ صديقًا دائمًا له، وتقول عنه مدرّسة صفه إنّه مشتّت الانتباه غالبًا ولا يشارك في الدرس. وفي الفرصة غالبًا ما يكون منعزلًا عن رفاقه ولا يشاركهم في ألعابهم الجماعيّة”.  وتضيف أمّ ياسر: أكثر شيءٍ يحزُّ في نفسي هو سؤاله المتكرّر لي عندما أخرج من المنزل (ماما بدك ترجعي؟)”.

السمة الثانية: هي محاولة التنكّر للمرحلة العمريّة، فترى الطفل يترفّع عمّا يقوم به الأطفال من حوله سواء أكان على مستوى اللعب أو الحركات الطفوليّة ويتّجه إلى تقليد الكبار في سلوكهم ولغتهم، وفي بعض الأحيان تراه في حقل العمل والسوق. ومردُّ ذلك إلى شعور الطفل بالمسؤوليّة في ظلِّ غياب المعيل أو الشعور بالفقر والعوز الشديدين، أو كحالة تمرّدٍ على الضعف وإثبات للذات، وأحيانًا يسابق الزمن ليثأر لأحد أقربائه ممّن قتلهم أحد الأطراف المتحاربة على الأرض السوريّة. تقول أمّ مصعب: “ابني لم يتجاوز سنّ العشر سنوات بعد، يتحكّم بسلوكي على أنّه المسؤول عنّي وعن أخوته في غياب والده، حتى إنّه ترك المدرسة ويعمل الآن في بيع الخبز أمام أحد الأفران. وهو لا يلعب وليس لديه أصدقاء. وعندما يأتي إلى البيت، يُخرج من جيبه النقود متفاخرًا، ويبدأ بعدّها أمامي وأمام أخوته، لكن للأمانة ساهم في تحسين مستوى معيشتنا”.

السمة الثالثة: العنف، ويظهر ذلك جليًّا في التعامل مع الأقران في المدرسة أو الأخوة في المنزل، ولاسيّما الأخوة الأصغر سنًّا، ومردّ هذا العنف إلى كون الطفل النازح قد شاهد كثيرًا من مشاهد العنف، أو وقع العنف عليه مباشرةً أو على أحد المقرّبين منه. هذا فضلًا عن أنّه قد يكون أحد الأبوين أو كلاهما يمارس العنف في الأسرة، وذلك تبعًا للتوتّر والظروف القاسية التي تمرّ فيها الأسرة النازحة، ولاسيّما معيلها، إضافة إلى التمييز وعدم القبول الذي قد يلقاه الطفل من الوسط الاجتماعيّ الذي نزح إليه. وفي هذه الحالة يعيد الطفل تدوير العنف المخزون لديه بطرقٍ عديدةٍ ابتداءً من العنف اللفظيّ وصولًا إلى العنف الجسديّ الذي يمارسه على أقرانه أو أخوته. ويظهر تدوير العنف هذا أحيانًا من خلال طبيعة الألعاب التي يمارسها الطفل ووسائل لعبه؛ فتراه يقيم الحواجز على الطرقات ويحمل عصا في يده يستخدمها كبندقية، أو يقوم بقذف أقرانه بالحجارة على أنّها قنابل، أو من خلال رسوماته لأدوات الحرب كالطائرات والبنادق والدبابات وغيرها، أو من خلال الألوان ودلالتها النفسيّة.

يقول أحد الخبراء النفسيّين من الذين قابلناهم: “العنف عند الطفل النازح هو إعادة تدويرٍ للعنف الذي شاهده أو وقع عليه، سواء أكان هذا العنف هو خارج الأسرة أم داخلها. فالآباء النازحون هم غالبًا ليسوا أفضل حالًا من أبنائهم، فهم عاشوا الظروف نفسها ويعانون من ضنك العيش والفقر والعوز، إضافة إلى المشكلات العائليّة الناجمة عن هذا الواقع وتأثيرها على الطفل الذي تمتلئ ذاكرته بمشاهد العنف الذي بدوره لا يزال واقعًا عليه من قبل الأسرة أو المحيط الاجتماعيّ”.

السمة الرابعة: ضعف الدافعيّة للتعلّم وانخفاض مستوى التحصيل العلميّ وعدم الالتزام بالقواعد المدرسيّة، ويعود ذلك إلى الفقر والظروف الاقتصاديّة الصعبة للكثير من أهالي الطلّاب والتي أدّت إلى إهمال الأهل لتعليم أولادهم وعدم السؤال عنهم، نظرًا لانشغالهم بتأمين لقمة العيش، وعدم وجود وقتٍ ومكانٍ وظرفٍ مناسبٍ لعناية الأهل بأولادهم على الصعيد العاطفيّ وتلبية الاحتياجات النفسيّة لهم. إضافة إلى الظروف النفسيّة للطفل والتي ذكرناها آنفًا وتسرّب بعض الأطفال من المدارس للعمل ومساعدة الأسرة في تأمين قوت يومها. كلُّ هذا يؤدّي إلى فشل الطلّاب دراسيًّا، وهو ما ينعكس على صحّتهم النفسيّة فيأخذ هذا الفشل أشكالًا نفسيّةً وسلوكيّةً عدّة (عدم الثقة بالنفس، الإحباط، التمرّد كردّة فعل عكسيّة، العنف، الانطواء، الخجل المرضيّ…). تحدّثنا المرشدة النفسيّة “مها” عن إحدى الحالات لديها في المدرسة (عامر) وهو طفلٌ نازحٌ عمره 11 عامًا: “عامر مضطربٌ دائمًا ويظهر هذا من خلال حركاته؛ فهو يتّجه باتجاهاتٍ غير محدّدة وغالبًا ما يقوم بأعماله وهو شاردٌ وغير منتبه، فتراه يصطدم بالمقاعد وبرفاقه عند خروجه من الصفّ. لا يكتب وظائفه ولا يهتمّ بكتبه ودفاتره ولا يلتزم بالقواعد المدرسيّة، وحالته تتفاقم بشكلٍ مستمرّ على الرغم من الجهد الذي بذلناه لتعليمه وتعديل سلوكه”. وتضيف: “غالبًا ليس لديه مشكلات صعوبات تعلّم فحواسّه سليمةٌ وذاكرته جيدةٌ وذكاؤه ظاهرٌ من خلال سرعة بديهته وقدرته على المراوغة. إلّا أنّ شروده وتشتّت انتباهه وعدم التزامه بالقواعد ناجمٌ عن مشكلاتٍ نفسيّةٍ واجتماعيّةٍ، قد تكون عدم الشعور بالحبّ والأمان والرعاية، وكلّما تراكم فشله في التحصيل العلميّ انعكس هذا على صحته النفسيّة وسلوكه”. ومن الجدير ذكره أنّ الاستقبال (Receiving)، والتجاوب (Responding) هما مهارتان سلوكيّتان تتحكّمان بالعمليّة التعليميّة وفق تصنيف “بلوم” وهما غالبًا ما تكونان في الحدِّ الأدنى عند الطفل النازح.

السمة الخامسة: شعور الطفل النازح بالدونيّة وعدم الثقة بالنفس وهو –غالبًا- انعكاسٌ للفروقات الاقتصاديّة والطبقيّة التي يشعر بها الطفل النازح عندما يقارن نفسه بأقرانه من القاطنين الأصليّين في المنطقة التي نزح إليها. فنتيجة ظروف الأسرة النازحة الماديّة وعدم قدرتها على العناية بلباس طفلها وهندامه بالشكل المطلوب، يظهر هذا الطفل بصورةٍ تختلف عن تلك التي يظهر فيها أقرانه.

تحدّثنا “أمّ أحمد” عن ابنها “خالد”، ممتعضةً: “يشعر بالضيق والحسرة دائمًا لأنّ زملاءه يملكون أحذيةً جديدةً وملابسَ جديدةً، بينما ملابسه كانت لأخيه الأكبر منه سنًّا ثمّ أصبحت له، ودفاتره من المعونة، بينما رفاقه ينتقون دفاترهم وأقلامهم كما يريدون”. 

وفي لقائنا مع الاختصاصيّ التربويّ “جمال” لخّص لنا بعض الصعوبات التي يواجهها القائمون على تقديم الدعم النفسيّ وتعديل السلوك للأطفال النازحين. يقول جمال: “نواجه صعوباتٍ كبيرة، وأهمّها عدم تجاوب الأهل غالبًا معنا لتعديل سلوك ابنهم أو حلِّ مشكلته النفسيّة، لأنّهم مشغولون بما هو أهمّ بحسب اعتقادهم، وهو تأمين قوت يومهم وهو ما يعدّونه أولويّتهم، أو بسبب عدم اعتراف الأهل بمشكلة ابنهم أو عدم اقتناعهم بجدوى ما نطرحه عليهم من ضبط سلوكهم تجاه طفلهم. مع العلم أنّ تقديم الدعم النفسيّ للطفل والعمل على تعديل سلوكه هو عمليّةٌ تشاركيّةٌ بين الأهل والاختصاصيّ التربويّ أو النفسيّ، ولا تنجح هذه العمليّة إلّا بجهد كليهما”. ويضيف: “إنّ من أبرز المشكلات التي نواجهها مع الطفل النازح هي عدم المركزيّة في التربية والتعامل مع الطفل؛ فأغلب الأسر النازحة تتشارك المسكن، فتجد في البيت الواحد أكثر من أسرة. إضافة إلى إعطاء التوجيهات للطفل من أكثر من مصدرٍ من الموجودين في هذا المسكن ولكلٍّ منهم طريقته في التربية وإعطاء التوجيهات. كما تطالعنا مشكلاتٌ أخرى تتمثّل بقلّة الدعم الموجّه من الجهات المعنيّة باتجاه الدعم النفسيّ للأطفال النازحين لمصلحة الدعم الإغاثيّ وهو ما تعدّه تلك الجهات أولويّةً لنشاطها”.

ومن خلال رصدنا لاتّجاهات الرأي في بعض المناطق المستضيفة للأطفال النازحين، تبيّن لنا أنّ هناك ردّتي فعل رئيستين تجاههم. الأولى: تنطلق من مشاعر الشفقة ووجوب تركيز الاهتمام عليهم. والثانية: تنطلق من مشاعر الضيق والتأفّف منهم؛ فعلى سبيل المثال، المعلّمة التي كان لديها 25 طالبًا في الشعبة، أصبح لديها 40 طالبًا بعد تدفّق موجات النزوح. وكلا الاتجاهين خاطئان نفسيًّا وتربويًّا، لأنّهما قائمان على ردّات فعل، فالاتجاه الأوّل يجعل لدى الطفل امتيازًا كونه نازحًا، ومن ثمَّ هو محطّ شفقةٍ واهتمامٍ مبالغ فيه، ما ينمّي لديه حالة الرضا بواقعه واستمرائه إضافة إلى تنمية الاتكاليّة والدونيّة لديه النابعة عن تلقّيه شعور الشفقة. والاتجاه الثاني يولّد عند الطفل مشاعر عدم الحب وعدم الرغبة فيه وأنّه “زائد عن اللزوم” ومتطفّلٌ وعبءٌ على غيره.

كلُّ ما ذكر آنفًا يستوجب من منظّمات المجتمع المدنيّ والمنظّمات الإغاثيّة في سورية التفكير بحلولٍ جدّيّةٍ في ما يتعلّق بالصحّة النفسيّة للأطفال النازحين، وإلّا ستظهر لدينا أجيالٌ كاملةٌ من المرضى النفسيّين وأصحاب السلوك الشاذّ. ومن الجدير ذكره أنّ تلك المنظّمات لا تزال تركّز جهدها على تقديم المساعدات الإغاثيّة من دون مشاريع تذكر تتّجه إلى العناية بالصحّة النفسيّة للنازحين، ولاسيّما الأطفال منهم. ومعظم ما قدّمته هذه المنظّمات في مجال العناية بصحّة الطفل النازح لا يتعدّى النشاط الترفيهيّ الآنيّ الذي يمكن عدّه وسيلةً من وسائل الدعم النفسيّ لكنّه ليس كافيًا لدعم نفسيّة الطفل ولا يحلّ مشكلاته.

ملاحظة: الأسماء الواردة في التقرير هي أسماءٌ وهميّة، وذلك لضروراتٍ أمنيّة.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: