ظروف وقوانين اللجوء في فرنسا

0

(لقاء مع المحامي باسم سالم)

سعيًا لفهم موقف الجمهوريّة الفرنسيّة من موضوع اللاجئين، ومن ثمَّ فهم مستجدّات هذا الموقف في عهد الرئيس “مانويل ماكرون”، وما إذا تغيّرت معاملتهم والقوانين الخاصّة بهم، وارتباط ذلك بمجمل المعالجة الأوروبيّة للأزمة، اتّجهنا إلى الأستاذ باسم سالم، وهو محامٍ ومستشارٌ قانونيٌّ في باريس مختصٌّ بموضوع اللجوء

  • لماذا فرنسا هي الأقلّ جاذبيّةً للاجئين السوريّين؟

فعلًا، لم تكن فرنسا من الخيارات الأولى للاجئين السوريّين، كون معاملة اللاجئين فيها ليست كالمعاملة التي يتلقّاها اللاجئ في السويد أو هولندا أو ألمانيا. ففي هذه الدول يجد طالب اللجوء منذ اللحظة الأولى الرعاية؛ حيث يجد فورًا من يساعده بأوراقه حتى حصوله على الإقامة، ومنها مساعدته على الحصول على البطاقة الصحيّة، ومساعدته في إجراءات الحصول على المساعدة الماديّة الشهريّة. كما يحصل طالب اللجوء فورًا على اتّصالٍ مع محامٍ، إضافة إلى حصوله مباشرة على سكنٍ في مراكز سكنٍ جماعيّةٍ لطالبي اللجوء (كامب).
بينما ينتظر اللاجئ في فرنسا مدّة تمتدّ ما بين ثلاثة أو أربعة أشهر أو ربّما سنة للحصول على مسكن. إضافة إلى اهتمام الجهات المعنيّة في تلك الدول في متابعة أوراق اللاجئ. كما يعاني طالبو اللجوء في فرنسا من الروتين الإداريّ والتنظيميّ، ولا سيّما في مدينة “باريس”. فعلى سبيل المثال يحتاج اللاجئ للحصول على أوّل موعدٍ في “البرفكتور” (وهي الجهة التي تصدر إذن الإقامة المؤقّتة إلى أن يحصل طالب اللجوء على الإقامة، وبعدها تصدر له الكثير من الأوراق المهمّة بما فيها جواز السفر) إلى مدّةٍ زمنيّةٍ تُراوح بين ثلاثة إلى خمسة أشهر، أمّا في مناطق أخرى تنجز في أقلّ من شهر. وكمثالٍ آخر على هذا الروتين ما يحدث للاجئ أثناء تنفيذ إجراء البصمة الأولى في إحدى دوائر الشرطة في “باريس”، حيث يتوجّب عليه أن يحدّد موعدًا قبل أربعة أشهر، بينما في مدينةٍ بعيدةٍ مثل “مونبلييه” يتطلّب هذا الإجراء عشرين يومًا فقط لإجرائه.

  • هل حصل تغييرٌ في فرنسا مع “ماكرون”؟

حتى الآن التغيير الذي حصل لم يكن تغييرًا على القانون، فالقوانين كانت موجودة أصلًا، وكانت ألمانيا الأكثر إصرارًا على تطبيقها، فهي التي اعترضت للمحكمة الأوروبيّة على حالاتٍ وصل فيها أفغان وسوريّون لأراضيها على الرغم من أنّهم “بصموا” في إيطالية، أو في اليونان، ممّا يحرمهم، بحسب نظام “دبلن”، من حقّ اللجوء في دول الاتّحاد الأخرى، فتمّ ترحيل العائلات إلى إيطاليا فعلًا؛ ممّا فسح المجال للدول الأوروبيّة لتحتذي بألمانيا، وأوّل من فعل ذلك فرنسا التي كانت في الوقت نفسه تتفرّد بامتلاك تمييزٍ بين إقامة الحماية وإقامة اللجوء وهو ما احتذت به دولٌ أوربيّةٌ أخرى لاحقًا.

بعد ذلك لم يطرأ تغييرٌ على القوانين الخاصّة باللاجئين في فرنسا، إنّما طرأ التغيير على آليّات تطبيق تلك القوانين من حيث التشدّد في قبول طلبات اللجوء أو تأخير إجراءاتها مع اتّخاذ تدابيرَ معيّنةٍ تنظّم آليّة القبول من عدمه.

وأتوقّف قليلًا عند التمييز بين إقامة الحماية وإقامة اللجوء كونه صار أكثر تأثيرًا على اللاجئين السوريّين. فعلى ما أذكر في بداية أزمة اللجوء لدى ألمانيا والسويد وهولندا، كان اللاجئون يحصلون في هذه البلدان على إقامة اللجوء (من ثلاث سنواتٍ إلى خمس سنوات إقامة دائمة في السويد مثلًا)،  بينما في فرنسا كان هناك نظام الحماية ونظام اللجوء، وبيّنت فرنسا أنّ نظام الحماية مفعّلٌ لديها تبعًا لقوانين الجمهوريّة وشرعة حقوق الإنسان والقانون الدوليّ، هذا بشكلٍّ عام، ويمكن للاجئ أن يحصل على لجوءٍ بعد دراسة وضعه. وفعلًا بدأت الدول الأوروبيّة من تشرين الثاني/  نوفمبر 2015، بتطبيق “نظام الحماية”، تيمّنًا بفرنسا. ويكمن الفرق بين “نظام الحماية” و”نظام اللجوء” في نقطتين أساسيّتين: النقطة الأولى، الفرق بين الطالب الحاصل على اللجوء والطالب الحاصل على الحماية. فالطالب الحاصل على اللجوء يحصل على المساعدات من السنة الدراسيّة الأولى، أمّا الطالب الذي تحت الحماية يعامل معاملة الطالب العاديّ؛ حيث يتوجّب عليه أن يصرّح عن دخل أهله ولا يمنح المساعدة إلّا في السنة الثانية. والنقطة الثانية: تتلخّص في أنّ الحاصل على اللجوء عندما يستطيع أن يتكلّم اللغة الفرنسيّة شفهيًّا، يحقُّ له التقديم على الجنسية. أمّا الحاصل على الحماية عليه أن ينتظر خمس سنوات حتى يحقّ له الحصول على الجنسية، إضافة إلى تطبيق شروط الحصول على الجنسيّة، التي تطبّق على المقيم العاديّ، عليه؛ من إتقان اللغة الفرنسيّة قراءة وكتابةً، إلى وجود دخل ثابتٍ لديه، إلى تسديد الضرائب…

حاليًّا، بعد ما وصل “ماكرون” إلى السلطة، انتهى الاستثناء الذي أعطي للاجئين السوريّين، ومبرّر ذلك عندهم هو أنّ هناك مناطقَ عدّةً في سورية استقرّت الأوضاع فيها. ومن الجدير ذكره أنّ السوريّ، قبل هذه الفترة، إن قال في مقابلة طلب اللجوء التي يجريها إنّه ليست لديه مشكلةٌ مع أحد أطراف النزاع في سورية إنّما مشكلته مع ظروف الحرب وانعدام الأمان، كان يحصل على الإقامة الفرعيّة، بينما يحصل من يتعرّض لخطرٍ شخصيٍّ من النظام أو من جماعةٍ معيّنةٍ على اللجوء. أمّا الآن فنشهد إجراءً جديدًا يتلخّص في رفض طلب لجوء من يقول إنّ لا مشكلة له مع أطراف النزاع، وإنّما هو هاربٌ من الحرب.

إذًا، إلغاء “الاستثناء” يعني أن يعامل طالب اللجوء السوريّ كأيّ طالب لجوء من جنسيّاتٍ أخرى في فرنسا؛ حيث يُقبل طلب اللجوء أو يُرفض تبعًا لاقتناع الجهات المختصّة بأسبابه، ولاسيّما أنّها لم تعد تشعر بضغط الرأي العامّ الفرنسيّ الذي كان في البداية يتابع المأساة السوريّة عبر وسائل الإعلام باهتمامٍ بالغٍ.

ويقول المعنيّون في فرنسا إنّهم لم يلغوا قرار اللجوء، فهو موجودٌ في أدبيّات ومبادئ الجمهوريّة الفرنسيّة، لكن آليّة وعرف قبول هذه الطلبات هو ما تغيّر. وظهر ذلك في طول فترة دراسة الملفّ والتشدّد في إجراءات القبول؛ فمن بدء تقديم طلب اللجوء إلى موعد المقابلة كانت الفترة تمتدّ ما بين عشرين يومًا إلى ثلاثة أشهر، أمّا الآن فهذا الإجراء يستغرق من الزمن بين أربعة إلى ستّة أشهر.  وقرار الإقامة الذي كان يحتاج إلى ثلاثة أشهر كحدٍّ أعلى ليصدر، أصبح يستغرق تسعة أشهر في حال أثبتت المقابلة تعرّض طالب اللجوء إلى خطرٍ مباشرٍ من أحد أطراف النزاع في سورية.

ومن الجدير بالذكر هنا أنّ الدول الأوروبيّة رفعت شعار “لا للهجرة الاقتصاديّة”، وفرّقت بين المهاجر واللاجئ. ولقد عمد “ماكرون” إلى إنشاء مراكز لتقديم الطلبات في ليبيا، لأنّ أغلبيّة اللاجئين من إفريقية قد يكون تصنيفهم كمهاجرين، فمن بين عشرة آلاف طلبٍ قد يقبل منها مئة طلب مثلًا. وبهذا يكون “ماكرون” قد حمى الحدود الأوروبيّة من خلال الاتفاق مع الحكومة الليبيّة والبارجات الإيطاليّة.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: