النزوح تحت الحصار

0

تعدُّ مناطق الريف الدمشقيّ، ولاسيّما منطقة “دوما”، من أولى المناطق المنتفضة على سلطة الأسد بعد محافظة درعا، وقد عوملت تلك المناطق بعنفٍ منذ الأشهر الأولى للانتفاضة السوريّة، لقربها من العاصمة دمشق ولمحاولة أبنائها أكثر من مرّةٍ الوصول إلى قلب العاصمة من بوّابة حي “جوبر” إلى ساحة “العباسيّين”. وبدأت موجات النزوح عن الغوطة تتزايد بالتزامن مع ازدياد عنف السلطة ووصلت ذروتها في عام 2012، وكان نازحو الغوطة يتوجّهون بصورةٍ رئيسةٍ باتّجاه العاصمة دمشق، ولاسيّما الأحياء الشرقيّة منها، والمناطق الآمنة في الريف الدمشقيّ كمدينتي “جرمانا” و”الغزلانيّة” وغيرهما، وإلى محافظة السويداء.

إلّا أنّه في عام 2013، بدأ النزوح يأخذ طابعًا آخر بعد أن أحكمت سلطة الأسد حصارها على الغوطة، ما عدا بعض المعابر التي كانت تتحكّم بفتحها وإغلاقها بالتعاون مع سلطات الأمر الواقع التي جاءت على أنقاض الجيش الحرّ؛ فبرزت تجارة الأنفاق عبر تهريب البضائع والأشخاص. هنا أصبح سكّان الغوطة عالقين فيها، فهم غير قادرين على الخروج منها باستثناء بعض من يملكون المال أو العلاقات مع سلطة الأمر الواقع فيها. عندها ظهر النزوح داخل الغوطة وهو نزوحٌ تحت الحصار، حيث يتنقّل السكّان من منطقةٍ إلى أخرى تبعًا لانتقال المعارك والقصف، وعلى الرغم من أنّ الغوطة كلّها تقريبًا تعدُّ مناطق غير آمنةٍ إلّا أنّ السكّان كانوا ينزحون إلى المناطق الأقلّ خطرًا، وتعرّض بعضهم لمرّاتٍ عديدةٍ من النزوح طلبًا لبعض الأمان. وبلغ عدد النازحين داخل الغوطة الشرقيّة المحاصرة 78 ألف نازحٍ من أصل 367 ألف شخصٍ وهو عدد سكّان الغوطة، وفق أقلّ التقديرات.

وبرزت أربع محطّات نزوحٍ رئيسةٍ داخل الغوطة الشرقيّة:

1-      النازحون عن البلدات الجنوبيّة (المليحة وزبدين ودير العصافير وحتيتة التركمان)، وقدّر عددهم بـ 25 ألف شخص.

2-      النازحون عن المنطقة الشرقيّة ومنطقة “المرج”، وقدّر عددهم بـ 40 ألف شخص. وكانت قد شهدت هذه المنطقة أشرس حملة تدميرٍ ممنهجٍ من جانب سلطة الأسد وحلفائها في عام 2016.

3-      النازحون من الأحياء الشرقيّة للعاصمة دمشق (جوبر وبرزة وتشرين والقابون)، ويقدّر عددهم بـ 8000 شخصٍ. والجدير بالذكر أنّ هذه الأحياء تتّصل جغرافيًّا مع الغوطة الشرقيّة، والتي كانت ملجأ لأبناء الغوطة قبل الحملة الأخيرة عليها في بداية عام 2017، والتي أدّت إلى تهجير سكّانها.

4-      النازحون عن بلدة “حزّة”، وأطراف بلدتي “مديرا” و”الأشعري” جرّاء الاقتتال الذي نشب بين جيش الإسلام من جهةٍ، وجبهة النصرة وفيلق الرحمن من جهةٍ أخرى، في نيسان/ أبريل من العام الجاري، وأيضًا في التاريخ نفسه من العام الذي سبقه. الاقتتال الذي أدّى إلى شرخٍ في النسيج المجتمعيّ ونزوحٍ داخليٍّ بين مدن وبلدات الغوطة، تبعًا لأماكن سيطرة الفصائل، ولم يعد الأهالي يستطيعون التنقّل بحرّيّةٍ لرؤية أقاربهم وأصدقائهم، وقسّمت الغوطة إلى قطاعات تبعًا لخريطة سيطرة الفصائل.

اتّجهت معظم موجات النزوح تلك باتّجاه عمق الغوطة الشرقيّة، وكان التنقّل وعدم الاستقرار حليفها الدائم وسمتها الأكثر حضورًا؛ ومنهم من اتّخذ الخيام ملجأ له، حيث انتشرت المخيّمات العشوائيّة في عدّة مناطق في الغوطة، منها “أوتايا” و”الشيخ فضيل” و”بيت سوى” و”حمورية” و”مزرعة حوش الأشعري”. وغالبًا ما يتشكّل المخيّم من تجمّع عددٍ من العائلات التي تجمع بينها روابط عائليّة أو علاقات صداقة أو جوار. وتتغيّر أماكن تلك المخيّمات تبعًا لخريطة العمليّات العسكريّة التي تقوم بها سلطة الأسد وحلفاؤها. وكان المخيّم الذي أقيم في منطقة “حوش الأشعري”، مثالًا حيًّا على واقعٍ يتّسم بشحِّ المساعدات وانعدام الرعاية الطبيّة إلى جانب حرمان الأطفال من الدراسة، بسبب غياب القادرين على التدريس في المخيّم؛ فترى الأطفال يقضون معظم أوقاتهم وهم يتجوّلون بين الخيام في العراء، أو يلجؤون إلى ألعابٍ بدائيّة.

والآن، لا تختلف معاناة النازحين في الغوطة عن معاناة القاطنين فيها، فبحسب مكتب تنسيق الشؤون الإنسانيّة التابع للأمم المتّحدة، فإنّ آخر قافلةٍ إنسانيّةٍ دخلت الغوطة الشرقيّة كانت في 23 أيلول/ سبتمبر الماضي، بعد قافلةٍ مماثلة في حزيران/ يونيو الماضي، إلّا أنّ هذه القافلة لم تستطع الوصول إلّا إلى ثلاث بلدات، كما أنّها لم تكن كافيةً لسدّ حاجة المدنيّين، والمساعدات التي دخلت مؤخّرًا وُصفت بأنّها قليلةٌ جدًّا مقارنة بالكارثة الإنسانيّة التي يعيشها سكّان الغوطة الشرقيّة في ظلِّ الحصار والنزوح، وهي لا تكفي 10 في المئة من سكّان الغوطة الشرقيّة المحاصرين فيها، بحسب المرصد السوريّ لحقوق الإنسان. فالأهالي يعانون من شحِّ الأدوية والطعام ومستلزمات الحياة، وأصبح الخبز عندهم وجبةً نادرةً؛ إذ يلجأ الأهالي إلى سلق الذرة والخضار الموجودة لديهم وأكلها كوجبةٍ رئيسةٍ وشبه يوميّة. فربطة الخبز، إن وجدت، بلغ سعرها 1500 ل.س، وكيلو السكر تجاوز ستّة آلاف ل.س وبلغ سعر كيلو الحطب 500 ل.س على أبواب فصل الشتاء، بينما بلغ سعر ليتر المازوت أربعة آلاف ل.س وسعر ليتر البنزين سبعة آلاف ل.س، بحسب ناشطين من المنطقة. وزاد الأوضاع سوءًا أنّ نحو 30 في المئة من الأراضي المزروعة في الغوطة الشرقيّة، تقع في مناطق قريبة من جبهات القتال، وهي تمتدّ من بلدات (النشابية والبلالية والقاسمية والبحارية وميدعا) في منطقة “المرج” إلى ريف “دوما” و”الٲحواش”؛ حيث أدّى القصف على الأراضي الزراعيّة في منطقة “المرج” وريف “دوما”، إلى قطع كثيرٍ من الأشجار المثمرة فيها وحرق المحاصيل الزراعيّة.

واقع الحصار هذا ألقى بثقله على جميع الموجودين في الغوطة من نازحين ومقيمين، فانتشرت الأمراض الناجمة عن سوء التغذية وشحّ الأدوية والخدمات الطبيّة. ونشر ناشطون صورًا ومقاطع فيديو تُظهر تحوّل أجساد الأطفال إلى هياكلَ عظميّةٍ، وهي الصور التي انتشرت على نطاقٍ واسعٍ ونشرتها صحفٌ عالميّة. وكشف القائمون على حملة “الأسد يحاصر الغوطة” عن وجود 5258 حالة إعاقة دائمة، و252 حالة طبيّة حرجة في حاجة إلى إخراجٍ فوريٍّ إلى مراكز العلاج خارج المنطقة، إضافة إلى تعرّض 40 مستشفى ومستوصفًا طبيًّا للتدمير. وفي السياق نفسه أعلنت منظّمة الأمم المتّحدة للطفولة “يونيسيف” أنّ أكثر من 1100 طفلٍ في الغوطة الشرقيّة التي تحاصرها قوّات النظام يعانون من سوء التغذية الحادّ. وأفادت المنظّمة في بيانٍ لها نُشر، الأربعاء 25 تشرين الأول/ أكتوبر، أنّ الأمّهات أيضًا لا يحصلن على الغذاء الجيّد، ما يجعلهنّ هزيلاتٍ وغيرَ قادراتٍ على إرضاع أطفالهنّ. وأشارت المنظّمة إلى أنّ هذا الوضع الكارثيّ يتطلّب تدخّلًا طبّيًّا عاجلًا لإبقاء الأطفال على قيد الحياة. وذكرت أنّ طفلين رضيعين فارقا الحياة جرّاء عدم كفاية الرضاعة الطبيعيّة، أحدهما عمره 34 يومًا، والآخر عمره 45 يومًا. كما وثَّق تقريرٌ نشرته “الشبكة السوريّة لحقوق الإنسان”، الثلاثاء 24 تشرين الأوّل/ أكتوبر المنصرم، مقتل ما لا يقلّ عن 397 مدنيًّا، بينهم 206 أطفال، و67 سيّدة، بسبب الجوع ونقص الدواء؛ تحديدًا منذ بداية الحصار على الغوطة الشرقيّة في تشرين الأوّل/ أكتوبر 2013 حتى 22 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2017. ونوَّه التقرير بأنَّ معظم الوفيات حصلت بين الفئات الهشَّة، كالأطفال الرضّع وكبار السنّ والمرضى والجرحى.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: