معاناة اللاجئين السوريّين، مسألة سياسيّة أيضًا

0

ها نحن صرنا في فصل الشتاء حيث تطلق العواصف الثلجيّة صفّارة الإنذار، فتتراجع في مجالس السوريّين الأحاديث المتعلّقة بأخبار المعارك في المناطق التي لا تزال تتعرّض للقصف والتدمير أو بأخبار المعارضة ومشكلاتها، أو بما يحصل من تسوياتٍ محلّيّةٍ وخفضٍ للتوتّر أو بالمبادرات والمفاوضات السياسيّة التي تؤكّد عجز المجتمع الدوليّ إلى الآن عن وضع حدٍّ لمحنةٍ لم يعرف التاريخ الحديث لها مثيلًا، لتطغى تاليًا معاناة اللاجئين السوريّين في أيّام الصقيع على المشهد، وتنتشر الحكايات التي ترصد الواقع المزري لحياة أكثر من نصف سكّان سورية، وضغط المستلزمات الحيويّة التي يحتاجونها كلاجئين إلى بلدان الجوار ونازحين في طول البلاد وعرضها بحثًا عن ملاذٍ يقيهم جحيم العنف والبرد والعوز.

يصحّ النظر إلى المشهد ككارثةٍ إنسانيّةٍ، لكنّه في الأسباب والنتائج مسألةٌ سياسيّةٌ، ردًّا على من يعتقد أنّ التفكير بأحوال اللاجئين السوريّين وما يكابدونه والعمل على التوجّه بصورةٍ خاصّةٍ لتخفيف آلامهم هو انزياحٌ عن شعارات الثورة وهدف التغيير السياسيّ، وأيضًا ردًّا على من لا يرى في إغاثة اللاجئين والنازحين جرّاء ما تعرّضت له منازلهم من دمار وفقدان ممتلكاتهم، مسألةً حيويّةً لتمكين المجتمع السوريّ الذي مدّ، ولا يزال يمدّ، مشروع التغيير بالقوّة والاستمرار.

والحال، إنّ طول أمد الصراع وتردّي الأوضاع الأمنيّة وما يجلبه العنف المفرط من خرابٍ وتهجيرٍ أفقد أعدادًا ما فتئت تتزايد من السوريّين القدرة على العيش حيث ولدوا وترعرعوا، وزاد الطين بلّة شدّة الحصار المزمن على بعض المناطق وحرمان ملايين البشر من حاجاتهم الحيويّة والبسيطة، في محاولةٍ من النظام لتخريب البيئات الشعبيّة المعادية له وفي رهان أنّ ترك سكّانها في حالةٍ مأسويّةٍ يشجّع على الهروب والهجرة وتحرير مؤسّسات دولته من أعبائهم، ما يفسّر إصراره على منع وصول أيّ مساعدةٍ للمناطق المنكوبة قد تمكّنها من استعادة عافيتها، والأنكى من ذلك  حين يغدو كلّ من يقدّم العون للمهجّرين واللاجئين والنازحين أو للمحاصرين في بعض المناطق والأحياء، موضع إدانةٍ ويستحقّ الاعتقال والتعذيب إن لم تتعرّض حياته للخطر، ولا يخرج عن هذا الإطار محاصرة وقتل الفارّين عند الحدود والتحرّش ببلدان الجوار للضغط على شروط حياة الملتجئين إليها وتأليب الناس ضدّهم.

وفي بلدان اللجوء السوريّ يمكن أن تلمس المرارة العميقة لدى اللاجئين السوريّين حين يسمعون عن خطوطٍ حمر يحذّر هذا الطرف أو ذاك من تجاوزها، فهم خبروا جيّدًا معنى التهديدات إن زاد عدد اللاجئين عن حدٍّ معيّن، وهم خير من يدرك أنّ أطرافًا دوليّةً إن أرادت تستطيع بما تملكه من قوّةٍ ونفوذٍ فرض حلٍّ ينهي العنف كأساسٍ لمشكلة اللجوء والنزوح، وإنّها على العكس لا تريد إغلاق هذا الملفّ لغاية في نفس يعقوب، وأقصى ما تقدّمه هو معوناتٌ لتلطيف حياة المتضرّرين وإدانات بمختلف اللغات لا تتجاوز برودة الكلمات، ربّما من باب رفع العتب، وربّما لامتصاص الضغط الأخلاقيّ الناجم عن معاناةٍ مروّعةٍ لا تحتمل، وأحيانًا كي لا يذكر التاريخ أنّ الإنسانيّة لاذت بالصمت بينما آلة الموت والدمار تعمل بأقصى طاقتها لتشرّد وتهجّر أكثر من نصف الشعب السوريّ.

وهنا لا نضيف جديدًا عند التأكيد على مسؤوليّة النظام تجاه تفاقم أزمة اللاجئين السوريّين بإطلاق آلته القمعيّة والتدميريّة من دون رادعٍ أو وازعٍ، أو بإرجاع الأمر إلى سلبيّة المجتمع الدوليّ وتقصيره في حماية المدنيّين وإغاثة المنكوبين، ولا يفيد القول، لتخفيف عمق المأساة، إنّ كوارث أصابت بلدانًا عديدةً وكبّدتها خسائر أكثر هولًا، أو إنّ الشعوب لا بدّ أن تدفع أثمانًا باهظة، من لجوءٍ وتشرّد، لقاء تحرّرها، فما يفيد هو الوقوف عند دور المعارضة السوريّة والذي يعدّه بعضهم السبب الأهمّ، في إشارةٍ إلى استهتارها بهذا الملفّ واعتباره هامشيًّا أمام أولويّة العمل العسكريّ والسياسيّ، أو التهرّب من تبعاته طالما يسهل تحميله للنظام، أو عجزها بعد سنواتٍ عن خلق قنواتٍ صحيّةٍ للتواصل مع اللاجئين والنازحين وإمدادهم بالحدّ الأدنى من الأمان والاحتياجات الإنسانيّة، ربطًا بأحاديثَ عن مماطلةٍ ومراوغةٍ مقصودة لا تخلو من غمزاتٍ حول الفساد.

وإذا كان من المؤكّد أنّ النظام لن يغيّر موقفه وتعامله العدائيّ مع قضيّة اللاجئين السوريّين ومجاهرته بأن لا مكان لهم أو حقوق في مجتمعه المتجانس، فإنّ العبء الأكبر يقع على عاتق المعارضة، والقصد أنّ مشروع التغيير لن يعاود الإقلاع والتقدّم من دون إعادة بناء علاقةٍ صحيّةٍ مع الناس والكتلة الرئيسة من اللاجئين والنازحين الذين أصبحوا جزءًا رئيسًا من موضوع التغيير وهدفه، وتاليًا من دون تخفيف ما يتكبّدونه لقاء مساندتهم للثورة، ومن دون تطمين من يرغب على المستقبل وأيّ حالةٍ ستكون عليها حياته، ومن دون معالجة مختلف التعدّيات والتجاوزات التي تحصل في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام، وتزيد من مصاعب البشر، ومن دون تخصيص جهدٍ رئيسٍ لمصلحة تأمين احتياجاتهم وحاجاتهم الحيويّة لتشجيعهم على العودة.

أخيرًا، ليس من بلدٍ نضجت فيه الدوافع الأخلاقيّة والقانونيّة لفعلٍ أمميٍّ حاسم ينقذ المدنيّين من نازحين ومهجّرين ويخفّف معاناتهم وما يكابدونه كما سورية، وليس من بلدٍ كما تقول لغة الأرقام وصلت مأساة شعبه إلى هذا العمق وبسرعةٍ قياسيّةٍ كما الحال في سورية، وليس من معاناةٍ أشدّ اليوم ممّا يعانيه هذا الشعب المنكوب، أو لحظة تلحّ فيها حاجته إلى الدعم والمساندة أكثر من اللحظة الراهنة، ما يُفرض ليس مساعداتٍ إسعافيّة على أهمّيّتها وإلحاحها إنسانيًّا بل قرارًا أمميًّا يفرض حلًّا سياسيًّا يرضي السوريّين ويوفّر فرص الأمان لعودة ملايين اللاجئين والنازحين إلى وطنهم وديارهم.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: