الألغام تعيق عودة النازحين إلى الرقة

0

مع تحرير مدينة الرقة من تنظيم “داعش”، انتهى شبح الإعدامات والاعتقالات التي مارسها التنظيم في المدينة، وبدأ شبح الألغام يطارد الأهالي لاصطياد أرواحهم.

وفي أواخر شهر تشرين الثاني/ نوفمبر المنصرم قُتل عشرة أشخاصٍ في شارع “سيف الدولة” بسبب انفجار لغمٍ أرضيٍّ، وبحسب “النعوات” التي يكتبها ذوو الضحايا في صفحة “تعازي الرقة” على موقع التواصل الاجتماعيّ “فيسبوك”، فإنّ أكثر من مئة رقاويٍّ قُتلوا في الشهر الماضي بسبب الألغام. وفي المجتمع الرقاويّ ذي الطبيعة العشائريّة، لا مجال للتزوير في حوادث الوفاة التي يعلّق عليها الرقاويّون بالتحسّر على الفقيد وذكرياتهم معه.
وفي الوقت الذي يشتدُّ فيه البرد على مخيّمات النازحين الرقاويّين، ويزداد فيه قلق النازحين جرّاء سماعهم أخبار سرقة البيوت المستمرّة، يرغب العديد منهم في العودة إلى ما بقي من منازلهم المهدّمة، إلّا أنّ الألغام تعيق عودتهم، ولاسيّما مع بطء عمليّات إزالتها التي أوكلها التحالف الدوليّ لفرقتي نزع ألغامٍ تابعتين لشركاتٍ متخصّصةٍ بهذه العمليّة وذات خبرةٍ سابقة.

مقابل ذلك، سادت شائعات في أوساط الرقاويّين مفادها أنّ الألغام لم يقم تنظيم “داعش” وحده بزرعها؛ بل أكدّ  بعضهم أنّه دخل الرقة وخرج من دون أن يشاهد لغمًا واحدًا، وعندما عاد مرّةً أخرى وجد الألغام. وبغضّ النظر عن نظريّة المؤامرة التي نلجأ إليها أمام العجز والإحباط، إلّا أنّ موضوع الألغام، وآخرها لغمٌ انفجر في إحدى فرق نزع الألغام وأدّى إلى مقتل خبيرٍ أجبني في ظلّ أحاديث عن وجود ألغامٍ ذكيّةٍ تنفجر عندما تستشعر حرارة الإنسان، ليس هامشيّا فهي تعيق عمليّة عودة النازحين من دون شكّ.

وتتوزّع الألغام في الرقة على طول الكورنيش بمحاذاة نهر الفرات من الجهة الجنوبيّة، وبمحاذاة سكّة القطار من الجهة الشماليّة، وفي كلٍّ من “تل البيعة” و”رميلة” من الجهة الشرقيّة، وفي منطقة “الدرعية” من الجهة الغربيّة، أمّا الأماكن الأكثر كثافةً لوجود الألغام فهي المدينة القديمة “داخل السور”، حيث ينفجر بمعدّلٍ وسطيّ لغمٌ واحدٌ كلّ يوم، إضافة إلى مركز المدينة المليء بالألغام بسبب السواتر الترابيّة التي أنشأها تنظيم “داعش” وزرعها بالألغام.

أمّا الإصابات فهي كارثةٌ أخرى في مدينةٍ خاليةٍ من المراكز الطبيّة، باستثناء بعض المستوصفات التي تنقصها العديد من التجهيزات، ومستشفيَين اثنين فقط؛ واحدٍ في مدينة “الطبقة” والآخر في بلدة “تل أبيض”، تنقصهما أيضًا الكثير من التجهيزات.

ولا تقف معاناة الرقة على الألغام المزروعة في كلّ مكان، فبعض الجثث لم يتمّ إجلاؤها حتى اللحظة، على الرغم من مرور أشهرٍ على وجودها، والكثير من الأنقاض المدمّرة، تطمر عشرات الجثث التي لم يستطع الأهالي الوصول إليها لدفنها، بسبب الركام الذي يغلق الشوارع بشكلٍ كاملٍ، ووجود الألغام.

بعض مظاهر الحياة عادت إلى حيّ “المشلب” شرقيّ المدينة، والذي كان نصيبه من الألغام هو الأقلّ، فالحيّ من أوائل الأحياء التي حرّرت من “داعش”، وعاد سكّانه إليه بسبب نجاة بعض بيوته من الدمار. في ذلك الوقت اجتمع أهالي الحيّ ليعودوا بشكلٍ جماعيّ، إلّا أنّ “قوّات سوريا الديمقراطيّة” منعتهم بسب ما أطلقت عليه “ضرورات أمنيّة”، لكنّها مع استمرار المطالبة عادت وسمحت لهم بالرجوع إلى منازلهم، ليتحوّل الحيّ إلى مركزٍ مؤقّتٍ للمدينة؛ حيث باشرت بعض الأفران العمل داخله، ونُقل سوق الهال إليه، كما فتحت بعض المستوصفات أبوابها، واتّخذ المجلس المدنيّ مقرًّا له هناك، على الرغم من أنّ الأهالي يؤكّدون صوريّته، وأنّ أعضاءه لا يحملون وزنًا اجتماعيًّا مهمًّا ولن يستطيعوا التأثير على الرقاويّين في المستقبل. كما يتّهمهم بعض الأهالي بالانضمام إلى المجلس من أجل الحصول على الرواتب الشهريّة، وهي رواتبُ متدنّيةٌ لا تتجاوز مئتي دولار.

أخيرًا، لا بدّ من الاستغراب من دول التحالف التي حرّكت أساطيلها وجنودها وحلفاءها، وأنفقت المليارات للقضاء على تنظيم “داعش”. ومنذ شهرين لا تزال الشوارع الرئيسة في المدينة مغلقةً بسبب الركام، والمياه لا تصل إلى البيوت بالطرق التقليديّة السابقة، إضافة إلى أنّ مياه الصهاريج ملوّثةٌ، والتعليم غائبٌ، والكهرباء باتت حلمًا. والأهمّ أنّ الدورة الاقتصاديّة متوقّفةٌ بشكلٍ كامل؛ فالرقة التي يعتمد سكّانها في الدرجة الأولى على الزراعة، هي في حاجةٍ إلى إصلاح قنوات الريّ والمضخّات، وتوفير المحروقات والبذور والسماد، لتعود الحياة فيها إلى طبيعتها.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: