عودة النازحين: واقع وعوائق

0

من خلال متابعة “أصوات” لخريطة النزوح في سورية، تبيّن أنّ شهر تشرين الثاني/ نوفمبر المنصرم شهد عودة نازحين من أكثر من منطقةٍ في سورية إلى أماكن سكناهم الأصليّة، ولاسيّما محافظتا الرقة ودير الزور، ويعود هذا إلى تقليص المساحات التي يسيطر عليها تنظيم “الدولة الإسلاميّة” (داعش)، إضافة إلى أنّ بعض المناطق شهدت انخفاضًا في مستوى القصف.

حيث عاد معظم السكّان إلى قراهم غرب مدينة الرقة والمناطق الفاصلة بينها وبين محافظة دير الزور.  كما عاد نحو 1500 شخصٍ من أهالي حيّ “المشلب” شرقيّ الرقة إليه، مطلع تشرين الثاني/ نوفمبر. وأعلنت “قوّات سوريا الديمقراطيّة” أنّها سمحت بإعادة أهالي قرى “نص تل” و”خويرة كبير” و”خويرة صغير” و”رجم عنوة” و”شابداغ”، بعد تنظيفها من الألغام. وكان أهالي القرى المذكورة قد فرّوا منها قبل عامين ونصف العام، نتيجة المعارك بين “وحدات الحماية” و”الدولة الإسلاميّة”. إضافة إلى عودة العشرات من أهالي بلدة “ذيبان” وقريتي “الشحيل” و”الطيانة” شمال شرق مدينة دير الزور شرقيّ سورية، بعد سيطرة “قوّات سوريا الديمقراطيّة” عليها وانسحاب تنظيم “الدولة الإسلاميّة” منها. وقال قائد “مجلس دير الزور العسكريّ” التابع لـ “قوّات سوريا الديمقراطيّة”، أحمد الخبيل، إنّهم سمحوا لأهالي قرى “التوامية” و”السجر” و”حريزة” و”ضمان” و”طيب الفال” التابعة لناحية البصيرة، بالعودة إليها بعد إزالة الألغام التي زرعها تنظيم “الدولة الإسلاميّة”.

كما ذكرت إدارة مخيّم “مبروكة” غربيّ مدينة “رأس العين” غرب مدينة الحسكة، أنّ أهالي قرى وبلدات (الكبر، الكسرة، الصور، مركدة، حوايج، ذيبان، الطيانة، حجة، درنج، سويدان، البصيرة، السبخة، السكر، والشحيل) قد بدؤوا بالتسجيل لديها للعودة، بعد أن أصبحت تلك المناطق آمنةً وخاليةً من الألغام.

وفي محافظة درعا، قال المجلس المحلّيّ في بلدة “معربة” شرق مدينة درعا، إنّ 150 عائلةً نازحةً في البلدة عادوا إلى منازلهم في أحياء درعا البلد بعد توقّف المعارك بين قوّات النظام السوريّ والجيش السوريّ الحرّ وعودة الهدوء إليها.

كما رصدنا عودة نازحين إلى مدينة “جسر الشغور” والقرى المجاورة لها في محافظة إدلب، أواخر شهر تشرين الثاني/ نوفمبر. وفي ما يتعلّق بالمناطق التي عاد منها النازحون، قال مدير المكتب الإعلاميّ في جسر الشغور، دريد حاج محمد، لمجلّة “أصوات”: إنّ “النازحين عادوا من مخيّمات الشريط الحدوديّ مع تركيا ابتداءً من المخيّمات الموجودة في منطقة “خربة الجوز”  التي كانت  الملجأ الأكبر والتي استوعبت العدد الأكبر من النازحين، إضافة إلى عدّة مخيّماتٍ صغيرةٍ مثل “الدرية” و”الزوف” و”صلاح الدين”.  وهنالك أيضًا مخيّماتٌ أنشأها الأهالي كما هو حال مخيّم قرب بلدة “بداما” في ريف جسر الشغور الغربيّ”. وأضاف “حاج محمد” موضّحًا ظروف النزوح: “تسبّب قصف الطيران الروسيّ بدمارٍ في البنى التحتيّة ومنازل المدنيّين، إضافة إلى المحلّات التجاريّة، الأمر الذي دفع أكثر من 80 في المئة من السكّان المدنيّين إلى النزوح خارج المنطقة”.

وقد أكّد أحد أعضاء المجلس المحلّيّ في مدينة جسر الشغور لـ “أصوات”: “أنّ عدد العائلات التي عادت إلى منازلها منذ منتصف شهر تشرين الثاني/ نوفمبر، يقدّر بأكثر من 250 عائلةً، تحاول ترميم منازلها بالإمكانات المتواضعة الموجودة لديها، وسط غياب دور منظّمات المجتمع المدنيّ أو المنظّمات الإغاثيّة التي لا تقدّم شيئًا لهم سوى الإحصاءات والدراسات”.

إلّا أنّ عودة النازحين تصطدم بالكثير من المشكلات والعوائق التي جعلتهم يفضّلون البقاء في المخيّمات على العودة إلى قراهم وبلداتهم ومدنهم. ويمكن تلخيصها في ما يلي:

  • عدم امتلاك منازلَ صالحةٍ للسكن بعد أن دمّرها القصف، إضافة إلى غياب الدعم أو قلّته، وعدم الوصول إلى حلولٍ سياسيّةٍ برعايةٍ دوليّةٍ يؤدّي إلى تعدّد السلطات وهو ما يضعف حالة الطمأنينة: عند عودة النازحين إلى بيوتهم غالبًا ما يجدونها مهدّمة، إضافة إلى انعدام الخدمات بسبب تدمير البنية التحتيّة نتيجة القصف. عندها يحاول العائدون ترميم بيوتهم وتأمين الخدمات الأساسيّة وهو ما يحتاج إلى دعمٍ من منظّماتٍ ومؤسّساتٍ قادرةٍ على القيام بهذه المهمّة، وهو ما يراه المهتمّون بهذا الملفّ أنّه لا يزال شحيحًا أو يكاد يكون معدومًا في بعض الحالات. يقول أحد أعضاء المجلس المحلّيّ في مدينة “جسر الشغور” في محافظة إدلب: “بقيت عائلاتٌ كثيرةٌ في المخيّمات، ويعود هذا إلى عدّة أسبابٍ، أبرزها عدم امتلاكها منازلَ صالحةً للسكن بعد أن دمّرها الطيران الروسيّ في حملته الأخيرة على المدينة والقرى المجاورة لها. إضافة إلى خشيتها من انفجار الوضع مجدّدًا، ولاسيّما في ظلّ تعثّر المفاوضات السياسيّة”.
  • استمرار نشاطات تنظيم “الدولة الإسلاميّة” (داعش) الإرهابيّة على الرغم من انحسار سيطرته: خلّف تنظيم “الدولة الإسلاميّة” وراءه حقول ألغامٍ في المناطق التي انسحب منها، وتعدّ هذه المشكلة من أبرز المشكلات التي تقف عائقًا في وجه عودة النازحين إلى ديارهم. وقد تأخّرت عودة النازحين إلى المناطق التي انسحب منها (داعش) في محافظتي الرقة ودير الزور بسبب هذه المشكلة، حيث لا تسمح “قوّات سوريا الديمقراطيّة” بعودة النازحين إلّا بعد سبر المنطقة والتأكّد من خلوّها من الألغام. وفي بعض الأحيان سمحت بذلك بعد أن يصرّح العائدون بأنّهم سيدخلون على مسؤوليّتهم الشخصيّة.
  • ممارسات سلطة الأسد والميليشيات التابعة لها في المناطق التي سيطرت عليها: أعادت سلطة الأسد والميليشيات التابعة لها سيطرتها على عدّة مناطق في سورية مؤخّرًا، وغالبًا ما تمارس سلطة الأسد ممارساتٍ تعسّفيّةً بحقّ العائدين إلى مناطقهم، من اعتقالٍ وتضييقٍ وابتزازٍ ومحاولة زجّ الشباب بالقتال تحت قيادة الجيش أو إحدى الميليشيات التابعة لها. ومثال على هذا، ما يحدث في محافظة دير الزور؛ حيث تسيطر سلطة الأسد والميليشيات التابعة لها على كامل القرى والبلدات الممتدّة على ضفّة “الشاميّة” من نهر الفرات في الريف الغربيّ لدير الزور، إضافة إلى سيطرتها على بعض القرى والبلدات في ضفّة “الجزيرة”. وقد فرضت سلطة الأسد شروطًا مقابل عودة السكّان المدنيّين إلى تلك المناطق. وأوّل هذه الشروط هي تسوية أوضاع الملاحقين أمنيًّا الراغبين في العودة لدى أجهزة النظام الأمنيّة، ثمّ التحاقهم بميليشيات “اللجان الشعبيّة”. أمّا بالنسبة إلى الشبّان المطلوبين لـ”الخدمة الإلزاميّة” فيراجعون شعب تجنيدهم ليتمّ فرزهم، ثمّ إلحاقهم بتشكيلات جيش الأسد. ويقول ناشطون إنّ القرار في هذا الشأن بيد قادة الميليشيات المموّلة إيرانيًّا فحسب.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: