المرأة السوريّة والنزوح واقع ومشكلات (١)

0

النزوح هو أحد إفرازات الحرب، بل أخطرها، من خلاله يُقتلع الكائن من بيته ومحيطه الاجتماعيّ وعمله وشبكة علاقاته، ويذهب إلى المجهول حاملًا معه ذكرياته وآلامه وأثر الحرب على جسده وعلى نفسه، ومثقلًا بمصيرٍ يتقاذفه شعورٌ بعدم الأمان وعدم الراحة والغربة المكانيّة والاغتراب الروحيّ. ولعلّ المرأة تبعًا لطبيعتها الفيزيولوجيّة والنفسيّة، وكونها كائنًا يرتفع لديه مستوى الحساسيّة، هي الأكثر تأثّرًا من غيرها بواقع النزوح، إضافة إلى أنّ ويلات الحرب قد وقعت عليها من قتلٍ واعتقالٍ واغتصابٍ وتعذيبٍ وتشريد. وقد بلغ عدد النساء اللواتي قُتلن جرّاء الحرب في سورية 24 ألفًا و746 امرأة، قتلت منهم سلطة الأسد 20 ألفًا و919 امرأة، ما نسبته 84،5 في المئة من إجماليّ عدد الضحايا النساء، بحسب تقريرٍ صدر مؤخّرًا عن الشبكة السوريّة لحقوق الإنسان. فضلًا عن أنّ معظم النساء اللواتي نزحن عن ديارهنّ كنّ من دون معيلٍ للأسرة في مجتمعٍ تقليديٍّ يحصر تلك المهمّة بالرجل؛ فالأسر النازحة غالبًا ما تفتقد المعيل، حيث يكون معظم الرجال إمّا منخرطين في الحرب وإمّا مصابين أو قُتلوا في تلك الحرب، أو لا يستطيعون التنقّل خوفًا من أن يُعتقلوا، وإن وجدوا مع أسرهم تحاصرهم البطالة وقلّة فرص العمل.

هنا أصبحت المرأة السوريّة في واقعٍ يحتّم عليها القيام بعملها وعمل الرجل في آنٍ، وازدادت مسؤوليّاتها بشكلٍ كبير جدًّا. ولمواجهة هذا، وغيره من آثار النزوح، اتّبعت غالبًا آليّاتٍ تمكّنها من التكيّف مع واقعها الجديد بكلّ تعقيداته.

أوّلًا: المرأة النازحة والمنزل


المنزل هو صورةٌ رمزيّةٌ لرحم الأمّ بعد أن يطلق المولود صرخة الحياة؛ فجدران المنزل وسقفه وأبوابه هي مصدر حمايةٍ وشعور بالأمان وبالاحتضان. وتنشأ علاقةٌ وطيدةٌ ما بين الإنسان ومنزله؛ فهو موطن راحته، ومخبأ أسراره، ومكانٌ اختار موجوداته حسب رغبته. فالمجتمع خارج المنزل مرتّبٌ بطريقةٍ جمعيّة، أمّا المنزل فهو مرتّبٌ وفق ميول ورغبة وذوق صاحبه. ولعلّ المرأة هي الأكثر تعلّقًا بمنزلها، ولاسيّما في المجتمعات التقليديّة المحافظة، حيث تقضي المرأة معظم وقتها في منزلها وتعدّه مملكتها الخاصّة، ترتّبه بالطريقة التي تريدها وتختار مقتنياته. إضافة إلى العلاقة الوطيدة التي تنشأ ما بين المرأة وموجودات البيت وارتباطها بذكرياتٍ، لها طابعٌ اجتماعيٌّ وتترك أثرها في النفس؛ كهدايا المباركة في الزواج أو إنجاب الأطفال أو هدايا الأبناء للأمّ… وكلّ الأغراض الموجودة في البيت مرتبطةٌ بحكايةٍ ما، فيغدو البيت عالمًا مصغّرًا تحاول المرأة ترتيبه وفق صورةٍ ترضيها عجزت عن تحقيقها في العالم الأكبر. كلّ هذا تركته المرأة السوريّة النازحة خلفها، وحملت منه ذكرياتٍ تؤرّقها وتقضّ مضجعها، وتركت معه الشعور بالأمان والراحة. تقول “فاطمة”: “تركت بيتي هناك، ما زلتُ في نومي أسقي “القرنفل” و”الختمية” في الحديقة. أحلامي دائمًا تكون حيث كنت لا حيث أنا الآن. ثبّتتْ مخيّلتي تلك اللحظة التي فارقتُ فيها قطعةً من روحي التي بقيت هناك؛ في صحون “روميو وجولييت” التي ورثتها عن أمّي، وأطباق القشّ، التي ساهمت في صنعها (أذكر أنّ وظيفتي كانت –آنذاك- مقتصرةً على تليين القشّ بالماء)، وفناجين “السجادة” و… تفاصيل تسكنني وتأبى الرحيل، وجهي ما زال معلّقًا في مرآة بيتي”.

ومن ناحيةٍ أخرى، فالمرأة السوريّة بعد نزوحها عن بيتها غالبًا ما سكنت في أماكنَ ليس فيها الحدّ الأدنى من مقوّمات الحياة؛ حيث سكنت معظم  تلك الأسر  في بيوتٍ من دون نوافذ أو أبواب، أو في أقبيةٍ غير صالحة للسكن، أو في خيامٍ مقامةٍ في العراء، وهو ما أدّى إلى مشكلاتٍ صحيّةٍ ونفسيّةٍ واجتماعيّةٍ، فتكت بتلك الأسر. وهذا هو واقع الأسر النازحة في سورية باستثناء بعض الأسر الميسورة الحال أو تلك التي استطاعت حمل مدّخراتها معها عند نزوحها. تقول “أمّ محمد” واصفةً معاناتها: “عند نزوحنا عن حيّ الخالديّة في حمص، وصلنا إلى مدينة جرمانا في ريف دمشق بعد رحلةٍ فيها الكثير من الخوف والعناء والمشقّة، استُقبِلنا في إحدى المدارس ثمّ انتقلنا لنسكن شقّةً في إحدى البنايات قيد الإكساء، كانت الشقّة من دون أبوابٍ أو نوافذَ أو خدماتٍ إلّا أنّنا سكنّاها بعد أن قمنا بتسكير النوافذ بمشمّعاتٍ بلاستيكيّةٍ ثبّتناها بقطعٍ خشبيّةٍ ومسامير، وأسدلنا على الأبواب ستائرَ قماشيّةً، كان أحد المحسنين قد وهبنا إيّاها”.

إضافة إلى هذا كلّه، تشاركت الكثير من الأسر المسكن، ما أفقد المرأة الشعور بالاستقلاليّة وإدارة شؤون منزلها وفق رغبتها، ابتداءً من ترتيب المكان وصورته، وصولًا إلى التدخّل في شؤون تربية الأطفال أو عدم قدرة المرأة على الشعور بالراحة بسبب وجود أشخاصٍ تشاركهم المكان اضطراريًّا. فضلًا عن انتشار الأمراض وضيق المكان على الأشخاص الذين يقطنونه، وعدم انسجامهم بسبب اختلاف طريقة تفكيرهم أو حتى نمط معيشتهم. تقول “أمّ فوّاز”: “نسكن في البيت أنا وزوجي وأولادي ووالدة زوجي وأخوه وأسرته، نحن تسعة أشخاصٍ في منزلٍ مكوّنٍ من غرفتين ومطبخ وحمّام واحد. أشعر بالضيق الشديد، ليس لأنّ الذين يسكنون معي سيّئو الخلق، بل لأنّ المكان ضيّقٌ جدًّا ولأنّي لا أشعر بالراحة أو حريّة التصرّف في المنزل، فالأطباع مختلفةٌ ونمط العيش كذلك. ولم نتمكّن إلى الآن منذ ثلاث سنواتٍ تقريبًا من أن نستأجر بيتًا أوسع من هذا أو نستقلّ أنا وأسرتي بسبب الضائقة الماديّة التي نعيشها”.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: