“وفيقة هاشم”: من ريف دمشق إلى إدلب

0

عاشت المرأة السوريّة أهوال الحرب، ودفعت ضريبتها موتًا واعتقالًا وتهجيرًا ونزوحًا، وكانت ضريبة التهجير من أكبر الضرائب التي دفعتها المرأة السوريّة؛ فالتهجير القسريّ ليس اقتلاعًا من المكان فحسب، بل هو اقتلاعٌ من الذاكرة والمحيط الاجتماعيّ وشبكة العلاقات ونمطها، اقتلاعٌ يرافقه شعورٌ بالغربة والاغتراب وعدم الأمان. كلّ هذا ولا تزال المرأة السوريّة تعاند الواقع الصعب بالتحدّي، وتتوق إلى تطوير ذاتها عبر العمل وأداء رسالتها.

“وفيقة هاشم” شابّةٌ عزباءُ في الثلاثين من عمرها، ومدرّسةٌ سابقةٌ في الثانويّة العامّة في مدرسة “بقين” المختلطة، أُرغمت على النزوح عن بلدتها “بقين” الواقعة في ريف دمشق الغربيّ إلى محافظة إدلب في الشمال السوريّ، في 14 نيسان/ أبريل  من العام الجاري, وحيدةً من دون أيّ مرافقٍ من عائلتها. تحدّثنا “وفيقة” عن ظروف نزوحها وعن معاناتها: “وصلت إلى مدينة إدلب وليس لي أيّ معيلٍ أو كفيلٍ إلّا الله, و لا أمتلك في جيبي إلّا 25 ألف ليرةٍ سورية وسوار ذهب كنت قد جمعت ثمنه من الرواتب التي حصلت عليها من مدرستي خبّأته لأيامٍ سوداءَ تمامًا كالتي نعيشها اليوم في الشتات داخل الوطن”. واستطاعت “وفيقة” أن تؤمّن سكنًا لها برفقة عائلةٍ من مدينة “مضايا” في ريف دمشق أبت أن تتركها تسكن وحدها فعوّضتها قليلًا عن مرارة الغربة.

حاولت “وفيقة” عند وصولها إلى محافظة إدلب أن تقيم شبكة علاقاتٍ جديدةٍ في البيئة النازحة إليها حديثًا، لتتمكّن من تحقيق تواصلٍ اجتماعيٍّ يعوّضها عمّا فقدته جرّاء نزوحها، ولتتمكّن أيضًا من الحصول على فرصة عملٍ تستطيع من خلالها تأدية رسالتها في المجتمع، ولاسيّما مع العائلات المهجّرة من ريف دمشق, حيث احتكّت بعددٍ من العائلات بشكلٍ شبه يوميٍّ، حيث تقوم بتعليم أطفالهم على اللغة الفرنسيّة وتحاول أيضًا أن تعلّمهم على استخدام الحواسيب.

جلّ ما تأملهُ وفيقة اليوم هو حصولها على فرصة عملٍ تضمن لها العيش بكرامةٍ وتبعدها عن العوز أو طلب المساعدة، الأمر الذي ترفضه بشكلٍ قاطعٍ، وتعتبره جريمةً قد ترتكبها بحقّ نفسها، فهي درست وتدرّبت على مدار خمسةٍ وعشرين عامًا لتساهم في تعليم الأجيال وبناء المجتمع لا لتكون عالةً عليه. وترى “وفيقة” أنّ العمل هو ما يعوّضها بعض الشيء عمّا تعرّضت له أثناء رحلة النزوح القسريّ إلى مدينة إدلب وفراقها لأهلها الذين ما فارقتهم طوال حياتها أكثر من ثلاثة أيام. تحدّثنا “وفيقة” والغصّة في حلقها: “بعد أن سكنت وسط مدينة إدلب برفقة عائلةٍ من مدينة مضايا، وكضرورةٍ ملحّةٍ بدأت على الفور بالبحث عن فرصة عمل، ولم تقبل أيّ جهةٍ بتوظيفي بحجّة عدم توفّر شواغر رغم أنّني أمتلك شهادتين جامعيّتين. الأمور صعبةٌ جدًّا ومرارة العيش تزداد لؤمًا يومًا بعد يوم. إدلب اليوم هي مدينة الأقوى، والضعيف ليس له كلمة، القانون السائد قانون الغاب، فالوظائف للأقوى، والشواغر للأقوى، والمشاريع ووظائفها للأقوى”.

لا تخبر “وفيقة” أهلها عمّا تعانيه من مشقّة الحياة، وهي دائمًا تخفي عنهم واقعها المزري كي لا تتسبّب في زيادة معاناتهم. وعن هذا تحدّثنا والشوق إلى أهلها وأقاربها يفيض من وجهها: “عندما يتّصل أخوتي وأقاربي بي، كي يطمئنّوا على حالتي، وعلى الرغم من أنّي لستُ بخير ولست على ما يرام على جميع الصعد، إلّا أنّي لا أستطيع أن أشكي حالتي التي أعيشها، محاولة دائمًا إقناعهم بأنّي جيّدة وبخير وفير وأنّه في حال احتاجوا لأيّ مساعدةٍ أستطيع مساعدتهم، أحاول دائمًا أن أحجب كلّ شيءٍ عنهم، لأنّ ذلك سيزيدهم حزنًا وألمًا ليس على فراقي فحسب، إنّما على الحالة التي وصلت إليها”.

وعلى الرغم من محاولة أقارب “وفيقة” إقناعها بالعودة إلى بلدتها لكي تنعم بالعيش وسط أقاربها وتعود لتحقيق طموحاتها في المكان الذي ولدت وترعرعت فيه، إلّا أنّها ترفض الموضوع بشكلٍ قاطعٍ ولا تجد أنّ لديها أملًا في العودة إلى بلدتها إلّا بزوال سلطة الأسد التي لا تثق بها أو بمواثيقها التي تبرمها مع الناس.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: