النازحات السوريّات بين آلام النزوح ومرارة الحاجة

0

مع اقتراب الثورة في سورية من نهاية عامها السابع، كان أثرها على السوريّات، خاصّة، وحشيًّا. فقد عانت المرأة السوريّة من آلام النزوح والاعتقال والاغتصاب والإقامة الجبريّة، والتهميش السياسيّ.

ملايين النازحين

تشير تقديراتٌ دوليّةٌ وإقليميّة إلى لجوء ما يقدّر بأربعة ملايين سوريٍّ إلى دولٍ مجاورةٍ وبعيدةٍ، فيما نزح7,6  مليون داخل الأراضي السوريّة.

ورغم أنّ معظم اللاجئين الذين وصلوا إلى سواحل أوروبا، كانوا رجالًا، إلّا أنّ المعاناة الإنسانيّة كانت من نصيب معظم اللاجئات.

وفي ظلِّ انخراط عددٍ كبيرٍ من الذكور السوريّين في القتال، أو لأنّهم منعوا من السفر خارج مناطق النزاع، كانت أغلبيّة النازحين السوريّين من النساء. ولكنّ الهروب من الحرب لم يكن يعني نجاتهنّ من العنف والإذلال.

مفاوضات عند نقاط التفتيش

أشارت صحيفة “ذا إندبندنت” البريطانيّة في تقريرٍ نُشر في بداية العام الجاري، إلى ما يعرفه معظم السوريّين، من معاناة فتياتٍ ونساءٍ عند مرورهنّ بنقاط تفتيشٍ تسيطر عليها جماعاتٌ مسلّحةٌ، حيث ارتكبت جرائم اغتصابٍ وتحرّشات جنسيّة.

وعند وصولهنّ إلى مخيّماتٍ غير مجهّزةٍ بأبسط متطلّبات الحياة، كنّ يواجهن معاناة من نوعٍ آخر، ولاسيّما في مجال الرعاية الصحّيّة للأطفال والحوامل.

عوامل اقتصاديّة وأمنيّة

كما أشارت الصحيفة لتسبّب النزوح بتفاقم عواملَ اقتصاديّةٍ وأمنيّةٍ، ما يدفع عددًا من الأمّهات والآباء لتزويج بناتهنّ القاصرات، وهو ما يعرّضهنّ لمزيدٍ من المعاناة جرّاء سوء المعاملة والعنف المنزليّ. وقد أشارت إحصاءاتٌ إلى ارتفاع معدّل زواج القاصرات بين النازحات السوريّات في الأردن بمعدّل الضعف خلال عامي2011   و  2012.

قوافل النزوح

ولأنّ أغلب قوافل النازحين تضمّ نساءً وأطفالًا، فإنّ العبء الأكبر يقع على عاتق المرأة النازحة.

وأمّا النساء اللاتي يبقين داخل مناطق تشهد صراعاتٍ، فهنّ يعانين من نمطٍ معيّنٍ من التهديدات. ومن النقاط التي أشار إليها محقّقون دوليّون، ارتفاع عدد النساء المختطفات. وحيث أخفق مقاتلون في التغلّب على فصائلَ أخرى معاديةٍ، عمدوا إلى اختطاف إناثٍ من أقارب خصومهم كوسيلةٍ لابتزاز مقاتلين كي يستسلموا.

درجة من الحرّيّة

وتقول “ذا إندبندنت” إنّه قبل الحرب في سورية، كانت علمانيّة الدولة تعني تمتّع السوريّات بقدرٍ من الحرّيّة الشخصيّة في ملابسهنّ، ولكن ضمن مناطقَ سيطر عليها متشدّدون، أُجبرت النساء على تغطية وجوههنّ. وحتى في تلك الحالة، منعت نساء من مغادرة بيوتهنّ لعدم وجود أحد الأقارب برفقتهنّ. وبسبب انخراط آلاف الرجال في القتال، أو لإصابتهم بجروحٍ، أو لأنّهم قتلوا، فقد أدّى ذلك إلى بقاء نساء داخل منازلهنّ في حالة” إقامةٍ جبريّة”.

تجّار الأزمات

كان لاتّباع سياسة الأرض المحروقة التي طبّقها النظام السوريّ على شعبه في المناطق التي خرجت عن طاعته، أثرها في إكراه النساء والمسنّين والأطفال على مغادرة بيوتهم، والهروب للنجاة بأرواحهم إلى مناطق أكثر أمانًا.

من هؤلاء من اتّجه إلى أوروبا عبر البحر، فغرق بعضهم ووصل آخرون بسلامٍ ليعيشوا هناك في معسكراتٍ لا تخلو الحياة فيها من مشقّاتٍ ومنغّصاتٍ، قبل أن يندمجوا في المجتمعات الجديدة.

ومن هؤلاء النازحين السوريّين من حطّ به الرحال في مدنٍ وبلداتٍ حدوديّةٍ، أو داخل مخيّماتٍ يشرف عليها تجّار الأزمات وحيتان الإغاثة الإنسانيّة، بعدما ظنّوا أنّهم وصلوا إلى برِّ الأمان.

وغالبًا ما تشكّل النساء والأطفال معظم أعداد تلك القوافل، ليجدوا آلاف النازحين قد سبقوهم إلى الأمان المفترض، فيفاجَؤون بواقعٍ مريرٍ ما كان ليخطر على بالهم. وعندها تبدأ معاناتهم الحقيقيّة، فإن استطاعوا تأمين خيمةٍ تقيهم برد الشتاء وحرّ الصيف، يعدّون من المحظوظين.

أعباء جمّة

وفي تلك الحالات، غالبًا ما كانت المرأة مع أطفالها بصحبة نسوةٍ من أمثالها، وحيث حملن مسؤوليّاتٍ وأعباءَ كبرى، كان أهمّها تأمين المستلزمات الأساسيّة من خيمٍ وأغطية، ومن ثمَّ تأمين الطعام والشراب. وكثيرًا ما وقعن تحت رحمة من ليس في قلبه أيّ رحمة، ومن يتاجر بمآسيهنّ، ومن يعمل على استغلالهنّ أبشع استغلال.

وتشير إحصاءات منظّمة يونيسيف التابعة للأمم المتّحدة إلى أنّه في مخيّمات اللجوء في لبنان والأردن والعراق، تتولّى امرأةٌ مسؤوليّة تدبير شؤون أسرةٍ من بين كلّ أربع أسرٍ موجودةٍ هناك. وفي تركيا تعيش عشرات الآلاف من الأسر على تلك الحالة. وجاء في تقرير “اليونيسيف”: “إنّ حياة المنفى بالنسبة إلى هؤلاء النسوة تعني أن يصبحن المعيلات الوحيدات والراعيات اللاتي يسعين لتأمين قوتهنّ وقوت أسرهنّ، بعيدًا عن مجتمعاتهنّ ومصادر دعمهنّ التقليديّة. ويبدو العبء بالنسبة إلى معظمهنّ ثقيلًا، وحيث يضطررن للاستدانة بما في ذلك من ذلٍّ ومعاناة. كما يعني ذلك عدم توفّر ما يكفي من طعامٍ لأطفالهنّ، فيجبرن على العمل  بأعمالٍ مرهقةٍ لا تتحمّلها أجسادهنّ الغضّة، فضلًا عن الحرمان من التعليم، وجعلهنّ عرضةً لعنفٍ واستغلالٍ جنسيٍّ وسواه.

زيادة كبيرة

ولا يخفى على كلّ متابعٍ لأوضاع النازحين مدى هشاشة وضع الفتيات الصغيرات اللاتي يجبرن على الزواج بما يعرضهنّ لحالات عنفٍ منزليّ، ولعمليّات إجهاضٍ متكرّرٍ، بما ينطوي عليه من أخطارٍ صحّيّةٍ كبيرةٍ تهدّد حياتهنّ.

إنّ آثار النزوح شديدة الإيلام بالنسبة إلى أولئك الفتيات اللاتي يحتجن عادةً إلى رعايةٍ وحمايةٍ خاصّة، وإلى خدماتٍ مناسبة. وفي تلك الحالة، تحرم الفتيات أيضًا من فرص استكمال تعليمهنّ، فضلًا عن تعرّض القاصرات المتزوّجات لمشكلاتٍ صحّيّة، ولاسيّما عند الولادة، وتحمّلهن مسؤوليّة رعاية مواليدهنّ، إضافة إلى التبعات النفسيّة الخطِرة.

كما أشارت “يونيسيف” إلى زيادة عدد الأطفال والنساء اللواتي انفصلن عن أسرهنّ خلال رحلة النزوح إلى أوروبا أو إلى دولٍ مجاورةٍ لسورية، ما فاقم من سوء أوضاعهنّ المعيشيّة، وفقرهنّ وحاجتهنّ الماسّة إلى الرعاية والحماية.

في ظلّ الحروب على مرّ التاريخ، يكون الأطفال والنساء وكبار السنّ الذين يتعرّضون لأبشع أنواع الاستغلال هم الحلقة الأضعف. وهذا ما كان عليه حال النازحات السوريّات مع أطفالهنّ المساكين.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: