عائلة من الرقة

0

تعدُّ عائلة “محمد” محظوظةً، كونها استطاعت الفرار من الرقة بعد اشتداد المعارك هناك بين تنظيم “داعش” و”قوّات سوريا الديمقراطيّة”، يقول “محمد”: إنّه استطاع نقل أفراد أسرته المكوّنة من طفلين وزوجته ووالده، حيث انطلقوا من قرية اسمها “جزرة البوحميد” بسيارة أجرة مجتازين طرقًا مليئةً بالألغام، ووصلوا إلى مشارف مدينة “الحسكة” بعد رحلةٍ دامت عشر ساعات. وبحكم عمله كعامل إغاثةٍ في “الهلال الأحمر السوريّ” استطاع “محمد” تجاوز مخيّمات اللاجئين والتوجّه إلى مدينة “القامشلي”، علمًا أنّه يجب على جميع الفارّين من مدينة “الرقة” و”دير الزور” المكوث في المخيّمات المخصّصة لهم في ريفي “الحسكة” و”الرقة”.

يُكمل “محمد” سرد حكايته، وفي حلقه غصّةٌ، كنت طالبًا في كلّيّة الاقتصاد في السنة الثانية حين اندلعت الثورة وأجبرت على توقيف دراستي بسبب الحرب، بعد أنّ شُلّت حركة المدارس والجامعات، وعملت بعد ذلك كمتطوّعٍ في الهلال الأحمر السوريّ، مجال المياه والإصحاح. ومع دخول تنظيم الدولة الإسلاميّة (داعش) الرقة عدّ التنظيم عمل المتطوّعين في الهلال الأحمر بدعة، بحجّة أنّه لا يجوز تقديم المساعدات كونها أموالَ صليبيّةٍ وكفرة بحسب زعمه. يستطرد “محمد” في حديثه ويقول: أصبحنا نعمل بسرّيّةٍ تامّة، لأنّنا كنّا معرّضين للقتل في أيّ لحظة؛ فأنا جُلدتُ أكثر من مرّةٍ، والكثير من زملائي في العمل قُتلوا على يد التنظيم، إضافة إلى أنّ التنظيم صادر سيّاراتنا ومبانينا.

يصف “محمد” تنظيم الدولة الإسلاميّة بأنّه تنظيمٌ همجيٌّ يعتمد الترهيب والتخويف وإذلال النفوس، فقد قتل الرجال ورجم النساء وقطّع الأطفال من دون ذنب. إضافة إلى أنّه أوقف مظاهر الحياة كلّها؛ حيث أغلق المدارس بغرض نشر الجهل والتخلّف ومنع الأطفال من الذهاب إليها، وأجبرهم على الخضوع لدوراته الشرعيّة لزرع الفكر المتطرّف في عقولهم.

تصف “مروة” زوجة “محمد” وضع المرأة في الرقّة تحت حكم (داعش) بالمأسويّ، فقد تقلّص دورها حتى كاد ينحصر داخل بيتها فحسب؛ ففي البداية فرض التنظيم عليها البرقع (وهو تغطية كامل الجسم بالأسود، فلا يظهر منه سوى العينين)، ثمّ منع حتى ظهور العينين. حتى داخل المنزل كانت مجبرةً على تطبيق قوانينهم وإلّا تعرّض الزوج للعقاب. فإذا نشرت الملابس من دون أن تلبس القفّازات يعدّ هذا مخالفة، فيُجلَد الزوج ويخضع لدورةٍ شرعيّة، ويغرّم بغرامةٍ ماليّةٍ قدرها 5000 آلاف، حتّى إنّ زوجها خضع لعدّة دورات.

كانوا يضعون النساء المخالفات في أقفاصٍ موزّعةٍ في شوارع المدينة كدوار النعيم ويكتبون لافتة بالتهمة الموجّهة إليها (كاسية، عارية)، ويجب على الزوج أو الأب أن يقوم بجلدها أمام الجميع لتتأدّب. تقول “مروة”: حتى عندما كنت أقوم بأداء عملي كممرّضةٍ كنت مجبرةً على ارتداء الرداء الشرعيّ، كما أنّهم استدعوني للعمل في ليلة عرسي، فاضطررت إلى الخروج من البيت في الساعة الثانية ليلًا تحت التهديد، في النهاية طلبوا منّي مبايعتهم أو عدم السماح لي بالعمل.

تكمل “مروة”: بحكم عملي كممرّضةٍ شهدت الكثير من جرائمهم بحقّ الفتيات القاصرات، إذ اضطرّت بعض العائلات، نتيجة إغلاق المدارس وانعدام الأمن وقلّة الدخل، إلى تزويج بناتهم لعناصر من تنظيم الدولة الإسلاميّة (داعش)، حيث عاينت عدّة حالاتٍ لفتياتٍ تعرّضن لمعاملةٍ وحشيّةٍ من الزوج، وتمزيقٍ لأجزاءٍ من أجسادهنّ الهشّة. وكانت الفتاة لمجرّد أن يعجبهم شكلها تصبح ملكًا لهم، ولا يبقى أمام الأهل إلّا الخضوع لرغبتهم، أو الفرار، هذا إذا بقوا على قيد الحياة.

تتابع “مروة” حديثها: “بعد وصولنا إلى مدينة القامشلي تلقّينا معاملةً جيّدةً من أهالي المنطقة، ولم أتعرّض لأيّ إزعاجاتٍ كوني نازحةً، أو قادمة من مناطق سيطرة داعش، وتابعت مزاولة مهنتي كممرّضةٍ بعد أن استكملت أوراق نقلي إلى الحسكة وبعدها إلى مستوصفٍ في القامشلي، وعاملوني بكلّ حبٍّ وكأنّني من أهل المنطقة”.

وبابتسامةٍ واضحةٍ قالت “مروة” إنّ النساء في القامشلي يتمتّعن بكامل حقوقهنّ، وأنا سعيدةٌ جدًّا كوني امرأةً أحظى بكلّ الاحترام من الجميع.

وفي النهاية سألتها عن نيّتهم في العودة إلى الرقة فأجابت بحسرة، وكأنّ العودة أصبحت حلمًا مستحيلًا، إذا عادت الحياة إلى طبيعتها في الرقة، وعاد الأمن ورمّمت البنى التحتيّة، لا بدّ أن نعود، ولا بدّ لكلّ غائبٍ أن يرجع إلى دياره وأرضه، مع تنهيدة طويلة (والله اشتقنا للرقة).

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: