من مناطق “داعش” إلى بيروت الألم باقٍ ويتمدّد

0

ظنَّ “أبو سليمان” (54 عامًا) أنّ مجرّد خروجه من المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلاميّة (داعش)، يعدّ ولادةً جديدةً له ولأسرته. فباع الغالي والنفيس وضحّى بكلّ ما يملك من أجل الخروج من جحيم “داعش” و”الوصول إلى الجنّة (بيروت)”. إلّا أنّ الجنّة لم تكن إلّا تدويرًا للجحيم ورحلةً للعذاب الممتدّ.

يحدّثنا “أبو سليمان” أنّه كان يقطن في منطقةٍ يطلق عليها التنظيم اسم “ولاية الفرات” تقع قرب مدينة الحسكة. وفي تلك الولاية كان ممنوعًا على الأطباء الذكور دخول المشافي ومداواة النساء، ممّا سبّب حالات وفاةٍ عديدة لعدم وجود طبيبٍ يعالجهنّ. ويروي “أبو سليمان” ممارسات التنظيم هذه كشاهدٍ على وحشيّته، وليظهر من خلاله مدى العذاب الذي كانوا يعيشونه. فالتنظيم كان يقتحم العيادات ومراكز العلاج، ويعتقل النساء اللواتي لا يرتدين اللباس الشرعيّ أو المرأة التي تُرضع ابنها في مكانٍ عامٍّ مثلًا. كما يحدّثنا “أبو سليمان” عن سيّدةٍ قرصت بأداةٍ تدعى “العضاضة” من ثديها بعد مشاهدتها تُرضع ابنها في المستوصف.

يتابع “أبو سليمان” موضّحًا تفاصيل رحلة اللجوء المريرة، فيقول: استأجرت هويّاتٍ مزوّرةً لكي أستطيع إخراج زوجتي وابني من مخيّمٍ تابعٍ لـ “قوّات سوريا الديمقراطيّة”، وُضعا فيه بعدما كانا يحاولان المرور إلى قريةٍ تدعى “الحمرا” للوصول إلى المطار. بعدها طلب المهرّب منّا مبلغ 150 ألف ل.س على الشخص لينقلنا إلى دير الزور عن طريق الممرّات الوعرة. والمهرّب في هذه الحالة لا يكون مسؤولًا إن أُمسك بأيّ شخصٍ منّا، حيث يُحكم على الشخص بالسجن وبالغرامة الماليّة.

يواصل “أبو سليمان” حديثه: كنّا 13 شخصًا جُمعنا في شاحنةٍ كبيرةٍ لنقل الماعز، وعند الساعة الواحدة بعد منتصف الليل سلكنا طريقًا خاصًّا بالرعاة، ثمّ وصلنا إلى منطقةٍ تسيطر عليها “قوّات سوريا الديمقراطيّة، عندها قال لنا المهرّب إنّنا أصبحنا في مأمنٍ الآن.

يضيف “أبو سليمان” والألم بادٍ على سحنته: “بعدها تُهنا في الصحراء لساعاتٍ، ولا ماء لدينا ولا طعام، وهو ما زاد من معاناتنا، ولاسيّما أنّ معنا أطفالًا. وبعد عدّة محاولاتٍ وصلنا إلى ثكنةٍ عسكريّةٍ في منطقةٍ تابعةٍ للجيش النظاميّ السوريّ. وهنا الصدمة الكبرى؛ حيث كانت تلك الثكنات مليئةً بجثث المدنيّين، إضافة إلى أنّ المياه كانت ملوّثةً، ولكنّها خيارٌ لا بأس فيه بعد انقطاعٍ لساعاتٍ طويلةٍ في الصحراء من دونها”.

أخيرًا وصل “أبو سليمان” وعائلته إلى قرية “الحمرا”، بعد أن أرشدهم أحد الرعاة إلى الطريق عبر الوديان. وغالبًا ما كانت تحدث في تلك المنطقة اشتباكاتٌ بين تنظيم “داعش” و”قوّات سوريا الديمقراطيّة”، وكانت هناك خطوط اشتباكٍ لا يسمح لأحدٍ بتجاوزها، حيث أعدم تنظيم “داعش” راعي أغنامٍ كرديًّا لتجاوزه تلك الحدود.

بطريقةٍ ساخرةٍ يقول “أبو سليمان”: إنّ كلّ مهرّبٍ كان يبيعنا لمهرّب آخر، حيث إنّ تجّار البشر أصبحوا أكثر من البشر أنفسهم. فبعد وصولنا إلى قريةٍ تدعى “التونية”، وهي تابعةٌ لـ “قوّات سوريا الديمقراطيّة”، كان هناك سائق تكسي أعرفه أوصلنا إلى القامشلي بمبلغ 20 ألف ل.س على كلّ شخص، وأثناء مرورنا على كلّ حاجزٍ كنّا نضطرّ لرشوة عناصره بمبلغٍ كان يصلُ أحيانًا إلى 10 آلاف ليرة سوريّة على كلّ شخص، ومن الملاحظ أنّ تلك الحواجز كانت بمعظمها تابعة لسلطة الأسد.

بعد وصول “أبي سليمان” وعائلته إلى مركز مدينة القامشلي في المربّع الأمنيّ، حيث يقع المطار الذي يسافر منه الفارّون والمدنيّون إلى مناطقَ آمنةٍ كدمشق، نُصحوا بألّا يبتعدوا عن تلك المنطقة وإلّا سوف يُقبض عليهم، فاضطرّ “أبو سليمان” إلى ترك عائلته خلفه، بسبب الأوراق الثبوتيّة الخاصّة بابنه حيث كان سيُسحَب للخدمة العسكريّة في حالِ مروره على أحد حواجز النظام. كانت تكلفة تذكرة الطيارة 10 آلاف ل.س على الشخص الواحد، ولكنّهم طلبوا منهم 55 ألفًا للشخص بحجّة الاستعجال بالإجراءات.

وبقي “أبو سليمان” ينتظر مع عائلته دوره في قطع التذاكر مدّة 12 يومًا. وخلال هذه الفترة عانوا من الابتزاز؛ فلمجرّد الدخول إلى الحمّامات كان عليهم دفع 500 ل.س في كلّ مرّة يدخلونها، فضلًا عن تكاليف الطعام والنوم؛ فأجرة البطانيات وحدها كانت تكلّف 2000 ل.س في الليلة الواحدة. وكلُّ هذا حدث ضمن “حوش المطار” كما سمّاه “أبو سليمان”، ولكن أخيرًا جاء دورهم في قطع التذاكر، بعد تدبير واسطةٍ ودفع مبلغٍ يصل إلى 250 ألف ل.س. إضافة إلى هذا كلّه كان الفتية الذين هم في سنّ الخدمة العسكريّة صيدًا ثمينًا لقوّات النظام التي كانت تسوقهم إلى جهةٍ مجهولة.

ويصف “أبو سليمان” رحلة عائلته على متن طائرةٍ عسكريّةٍ ضخمةٍ تتّسع لـ600 شخص؛ حيث كان يجلس ضبّاط وعناصر الجيش السوريّ في المقاعد، بينما يبقى المواطنون واقفين طوال الرحلة وممنوعًا عليهم الجلوس بسبب ضيق المكان. وقبل إقلاع الطائرة تجبر قوّات النظام الشباب على نقل الحمولة من عتادٍ عسكريٍّ وطعامٍ تحت التهديد والضرب.

وبعد وصولهم إلى دمشق مكثوا فيها 11 يومًا، ثمّ قرّروا الفرار إلى لبنان عن طريق مهرّبٍ أخذ منهم مبلغ 100 دولار على كلّ فرد. وفي منتصف الليل بدؤوا بالسير في طرقٍ وعرةٍ وأمامهم شخصٌ يدلّهم على الطريق، حتى وصلوا إلى “جديدة يابوس” الساعة الثالثة فجرًا، ومن ثمّ سُلِّموا إلى مهرّبٍ آخر في رحلةٍ إلى البقاع، ومن ثمّ إلى بيروت.

وفي لبنان لم يختلف واقع “أبي سليمان” عمّا كان عليه قبل رحلة العذاب تلك؛ فهو لا يستطيع العثور على عملٍ يناسب سنّه، إضافة إلى أنّه وجد نفسه في مكانٍ ليس كما تخيّله، فقد كان يظنّ أنّ الحياة هنا مختلفةٌ عن وضع الحرب في سورية. إلّا أنّه الآن يعيش الظروف التعسة نفسها، لكنّ الفرق هنا أنّه لم يعد هناك شيءٌ يبيعه ويطعم أولاده بثمنه.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: