حدّثتني أمّ صالح

0

لم يفارقني الخوف قط طوال حياتي، كان يسكنني كما تسكن النار في الخشب ويعشّش فيّ كما تعشّش الرائحة في الجسد، وأراه منثورًا حولي على الحائط الذي “له آذان” وفي صوت أمّي المرتجف عندما تريد أن تخيف ابني “تاع يا صالح إجاك الدركي”. أمّي التي عايشت فترة الاستعمار الفرنسيّ، وماتت ولم تقتنع أنّ الاستعمار قد زال، وسورية قد أصبحت بيد أبنائها. وكيف لها أن تقتنع؛ فلا القرية تغيّرت معالمها، ولا الخوف من “الدركي” زال، وبقيت آذان الحيطان مشنّفةً، حتى طرقات القرية بقيت على حالها كما شقّها المستعمرون. نعم، ماتت أمّي في الثمانينيّات وهي تردّد دائمًا (الله لا يوفقهم إيمت بدهم يحلّوا عنّا).

تحدّثني “أمّ صالح” وتأخذ شهيقًا وكأنّها تريد أن تبتلع العالم، لا لشيء، إنّما لتبصقه بكلّ قيمه التي أصبحت جوفاء كطبلٍ لا يجيد سوى القرع، والخوف بادٍ على بؤبؤيها المتراقصين ذعرًا كنوّاس الساعة. تفرك جبينها الملبّد بالتجاعيد وكأنّها تريد أن تمسح شريطًا يمرّ عبر ذاكرتها وتراه أمام عينيها حاضرًا. وفجأةً، بصوت المذعور تصيح “صالح”، صوت جعلني أحسُّ بأنّ “صالحًا” في مكانٍ قريبٍ منّي ويحتاج إلى المساعدة. إلّا أنّي استدركت أنّها تستذكر حدثًا ما، حصل منذ زمنٍ ليس بالقريب إلّا أنّه لا يزال حاضرًا بحجم صرخة المستغيث.

تتابع أمّ صالح، والدمع يترنّح في جفنيها: كان يدرس الحقوق في جامعة حلب في الثمانينيّات، وعلى الرغم من أنّي كنت أردّد على مسمعه دائمًا وصايا جدّته أنّ “الحيطان لها آذان ونحن نمشي بجانبها  ونقول يا ربّ الستر”، وعلى الرغم من أنّ جدّته نفسها كانت في طفولته تخيفه من “الدركي”، إلّا أنّه كان يجاهر بآرائه السياسيّة، ويرى نفسه بطلًا تقع على كاهله مهمّة تغيير العالم. وأنا كنت أراه فارسًا هاربًا من حكايا الجدّات إليّ، لا يقبل بالضيم وفيه صفات النبلاء. آخر كلماته كانت “عندما سأعود سأجلب لك الزعتر من حلب”، ومن يومها لم آكل الزعتر قط. ومن يومها لا يغيب عنّي صوت وقع أقدامه عندما يقترب من الباب وأكون في انتظاره؛ إنّ لصوت وقع خطا “صالح” إيقاعًا خاصًّا.

يرتجف فكّها السفليّ، وتقضم شفتيها، ثمّ تتابع: في بيتنا هناك في القرية التي نزحنا عنها كانت غرفته تتوسّط الدار، وكنت أرتّبها دائمًا على الرغم من أنّ أحدًا لم يدخلها منذ غيابه، لكنّني أرتّبها بعد أن أعمل فيها ما كان يعمله؛ أبعثر الكتب على الطاولة، وأفتح ذاك الكتاب الأحمر الذي يتوسّطه رأس الرجل الأصلع ذي “السكسوكة”، وأضع بيجامته كما كان يقلعها دومًا مكوّمةً على بعضها، وأفتح أبواب خزانته كلّها كما كان يتركها… وأعود مجدّدًا لأرتّب تلك الغرفة كما كنت أرتّبها قبل أن يغيب.

والآن… بعد أن تركت منزلي وقريتي، أكثر ما أشتاق إليه هو تلك الغرفة وعملي المعتاد فيها. “صالح” لم يخرج منّي بعد، أحسّ وكأنّه لا يزال في أحشائي جنينًا؛ صحيح أنّي لا أشعر الآن بثقلٍ في بطني أو تقلّصاتٍ ناجمةٍ عن حركته، إلّا أنّني أشعر بثقله في روحي وبحركاته في مخيّلتي. “صالح” الآن موجودٌ معي أكثر من أيّ وقتٍ مضى، فأنا وإيّاه نتشارك الظلم والقهر والعجز.

حبيبي يا صالح أنبئك أنّ النبلاء اليوم هم في السجون أو في القبور أو تحت الحصار، أو في المنافي، أو ينتظرون ما حلّ برفاقهم، وهم مسكونون بأنّاتك وأنّات المعذّبين في سورية، يقتاتون على أملٍ شحيحٍ بانتصار الحقّ ونصرة العالم للمظلومين.

نعم، يا أمّ صالح يسكننا الخوف كما تسكن النار في الخشب، قلتها وأنا أرتعد خوفًا من أن يذوق أبناؤنا ما ذقناه. يا ربّ العرش أما من خلاص؟!

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: