عينٌ على النزوح في محافظة السويداء

0

يُعدُّ النازحون داخليًّا، جرّاء النزاعات المسلّحة، الفئةَ الأكثر تضرّرًا منها؛ فهم نزحوا عن أماكن إقامتهم الأصليّة جرّاء تعرّض حياتهم للخطر، تاركين خلفهم مورد رزقهم وسكنهم، وقد عانوا ما عانوه من ويلات الحرب على الصعيد النفسيِّ والاقتصاديِّ… إلّا أنّهم، وعلى عكس اللاجئين، يبقون في حالة فرارٍ داخل حدود بلدانهم وفي ظلِّ حماية حكومتهم، وإن كانت تلك الحكومة هي السبب في نزوحهم. ونتيجة لذلك، فإنّ هؤلاء الأشخاص هم من أكثر الفئات اضطهادًا في العالم، ولاسيّما في الحالة السوريّة؛ حيث كانت الحكومة المنشغلة في الحرب الدائرة، والمتمثّلة بالمؤسّسة العسكريّة والأمنيّة بصورةٍ رئيسة، هي الفاعل الأساسيّ في تهجير السكّان قسريًّا.

تزامن توافد النازحين إلى محافظة السويداء مع اقتحام قوّات الأمن والجيش النظاميّة وقوى “الشبيحة” المدنَ والبلدات السوريّة، وتزايد باطّراد مع تزايد وتيرة العنف والحصار والقتل، وبلغ النزوح في المحافظة ذروته في عام 2013، حيث قُدّر عدد النازحين بـ 300 ألف نازح بحسب بعض الناشطين؛ أي ما يعادل عدد سكّان المحافظة الأصليّين (لا يوجد تقديراتٌ دقيقةٌ لأعداد النازحين في محافظة السويداء، ويعود هذا إلى حركة النزوح المستمرّة وعدم استقرار الوافدين؛ فمنهم من سُجّل لدى الهلال الأحمر أو في سجلّات الناشطين، ومن ثمّ غادر المحافظة. إضافة إلى تعتيم الحكومة على العدد الفعليّ للنازحين، ولاسيّما في مراكز الإيواء الرسميّة). توزّع النازحون بشكلٍ أساسيٍّ في مدن: “السويداء” و”شهبا” و”صلخد” و”القريا”، وعدد قليل منهم استقرَّ في قرى: “عرى” و”صما الهنيدات” و”شقا” و”رساس” (معسكر الطلائع)، ويعود هذا إلى سببين رئيسين: أوّلهما، قدرة المدن على الاستيعاب. فهي تحوي المدارس وبيوت السكن وفرص العمل، بينما القرى ليست لديها قدرةٌ استيعابيّة؛  فبيوتها بنيت لتستوعب سكّانها فحسب، ومدارسها متواضعةٌ ومواردها شحيحةٌ، ولاسيّما مع توالي سنوات القحط عليها. والسبب الثاني: يعود إلى البنية الاجتماعيّة في القرى، فهي بنيةٌ مغلقةٌ تحكمها علاقات القرابة والنسب، ولا تسمح لغريبٍ باختراق بنيتها والتعرّف على أسرارها، على الرغم من تمسّكها بحسن الضيافة كقيمةٍ إيجابيّةٍ تفخر بها. أمّا المدينة فمجتمعها منفتحٌ نسبيًّا بحكم انفتاحه على باقي المحافظات السوريّة، ولاسيّما على مستوى العلاقات التجاريّة. وهذا لا ينسحب على النازحين “الدروز” من دمشق وريفها (حيّ التضامن ومدينتي جرمانا وصحنايا)، حيث استقرّوا في المدن والقرى على حدٍّ سواء حسب المنطقة التي ينحدرون منها.

معظم النازحين في محافظة السويداء وفدوا من المنطقة الجنوبيّة في سورية، ولاسيّما محافظتي درعا وريف دمشق بحكم القرب منها. أمّا النازحون من باقي المحافظات فعددهم أقلّ، ولم تكن محافظة السويداء وجهتهم الأولى، فغالبًا ما كانوا يمرّون برحلة نزوحٍ قاسية قبل وصولهم إلى محافظة السويداء، بسبب انعدام الخيارات. يقول “أبو العبد” وهو نازحٌ من حمص القديمة: “أتيت برفقة عائلتي إلى دمشق؛ حيث وصلنا –بداية- إلى مدينة السيدة زينب، ثمّ انتقلنا إلى مخيّم اليرموك، وبعد أن ساءت الأوضاع هناك وجدنا أنفسنا متّجهين إلى السويداء”. رحلة النزوح تلك كانت محفوفةً بالأخطار والصعوبات، ابتداءً من لحظة الخروج تحت القصف، وما يتخلّلها من أوضاعٍ نفسيّةٍ قاسيةٍ ترافق مع هلعٍ وخوف منع معظم النازحين من اصطحاب متاعهم الشخصيّ، حتى إنّ بعضهم لا يملك أوراقًا ثبوتيّة أو أموالًا تغطّي نفقات تنقّلهم، فالحدث فجائيٌّ لدرجة الذعر والصدمة؛ ومرورًا بممارسات الحواجز التابعة للنظام المنتشرة على طريق دمشق- السويداء والتي أمعنت في التنكيل بالنازحين الوافدين إلى محافظة السويداء وامتهنت كرامتهم، ولاسيّما حاجزا “قصر المؤتمرات” و”المسمية”. هذه الحواجز كانت تحتجز النازحين بحجّة التدقيق في هويّاتهم. وعلى الرغم من أنّ معظم النازحين كانوا من الأطفال والشيوخ والنساء، إلّا أنّ هذا لم يشفع لهم. فكانوا يبقون ساعاتٍ طويلةً في العراء يفترشون الأرض في ظلِّ ظروفٍ سيّئةٍ للغاية تحت وطأة شتائم واستهزاء عناصر الحاجز.

عند وصول النازحين إلى محافظة السويداء، تحلّلت الدولة من التزاماتها تجاههم، مع العلم أنّه يقع على عاتقها حمايتهم وإغاثتهم. فوجد ناشطو المحافظة أنفسهم في مواجهة أزمة النازحين، وليس هذا فحسب، بل بالغوا في إعطاء الأولويّة للعمل الإغاثيِّ والإنسانيّ، وذلك نتيجة شعور بعضهم بالعجز والتقصير والذنب من عدم دخول السويداء بشكلٍ جدّيٍّ في الحراك الثوريّ كباقي المحافظات. واستثمرَ النظام في هذا، ليصرف أنظار الناشطين عمّا يجري في المحافظات الأخرى من حراكٍ ثوريّ، ويدخلهم في أزمة النازحين التي هي مشكلته أصلًا، لذا غضَّ البصر عن بعض نشاطات المعارضة الإغاثيّة، إن بقيت ضمن حدود المحافظة ولم تتجاوزها. يقول أحد الناشطين الحقوقيّين في محافظة السويداء: “من واجب الدولة أن تؤمّن الحماية والرعاية للنازحين ضمن نطاق سيطرتها. لكن ما حدث في السويداء أنّ النظام أغرق المحافظة الفقيرة بمواردها بأزمة النازحين من دون أن يجترح الحلول، فترك الأمر على عاتق الناشطين والمجتمع الأهليّ يواجهونه منفردين بمواردَ بسيطةٍ. فمن جهةٍ استنزف الناشطين بالعمل الإغاثيّ وحرفهم عن العمل الثوريّ والسياسيّ، ومن جهةٍ أخرى رفع عن كاهله إدارة أزمة النازحين في المحافظة. إضافةً إلى فائدته الماديّة من خلال الحصول على الموادّ الإغاثيّة من المنظّمات الدوليّة وتوزيعها على مريديه ليبيعوها في السوق السوداء وتصبح موردًا من موارد اقتصاد الحرب”.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: