أزمة الهُويّة بين النضج والتشتّت

ملامح لهويّة شباب المستقبل في ظلّ الحرب

0

تعدّ أزمة الهويّة لدى الإنسان بشكلٍ عامٍّ ولدى المراهقين بشكلٍ خاصٍّ من أكثر الأسباب لنموّ مشاعر القلق، ذلك أنّ أهمّ الأهداف التي يسعى إليها الإنسان هو بناء هُويّةٍ واضحة الملامح، ثابتةٍ ومستقرّةٍ تتّسم بالتناسق والاتّزان، ولاسيّما في مراحل الشباب الأولى.

والأزمة من الناحية النفسيّة هي: حالةٌ انفعاليّةٌ مؤلمةٌ تنشأ من إحباط دافع أو أكثر من الدوافع القويّة الفطريّة أو المكتسبة، وتكون بمنزلة مشكلةٍ وعقبةٍ حالت دون حصول الفرد على شيءٍ يريده، ممّا يسبّب له التوتّر والقلق ومشاعرَ أليمةً بالنقص والخيبة والعجز أو الشعور بالذنب أو الخزي أو الشعور بالظلم والرثاء للذات أو الشعور بالاغتراب أو بفقد الفرد احترامه لذاته”.

ويعرّف عالم النفس “إريك إريكسون” أزمة الهويّة بأنّها: “الفشل في تحقيق هويّة الأنا في سنّ المراهقة. ويعدّها نتاجًا لفشل الفرد في تشكيل هويّةٍ خاصّة، ومن ثَمّ عدم القدرة على تحديد أهدافه المستقبليّة أو استكمال التعليم أو الاختيار المهنيّ أو الاستقرار العاطفيّ والاجتماعيّ”.

ويعرّف الهويّة بأنّها: “تلك الشخصيّة التي تميّز الفرد من حيث فلسفته الأخلاقيّة والعقليّة التي يشعر عندها بأنّه نشيط جدًّا وموجودٌ وكأنّ صوتًا داخليًّا يناديه هذا أنا، ويبرز فيها إحساس الشخص بأنّه يعرف من هو؟ وإلى أين يتّجه؟”.

وتعدّ هذه الأسئلة مقلقةً ومحيّرةً في ظلّ الظروف الحياتيّة والنمائيّة الطبيعيّة، وتشكّل لدى الفرد مشكلةً جدّيّةً تتطلّب الحلّ، فكيف لها أن تكون في أوقات الحروب وويلاتها؟!.

فما يتعرّض له المراهقون، ولاسيّما في بداية الشباب من أخطارٍ وصراعاتٍ تزداد  شدّةً في ظلّ الحروب وما يرافقها من صدماتٍ نفسيّةٍ رضية، وانهيارٍ في منظومة الأخلاق، وغياب التنشئة الصحيحة كنتيجة لتشتّت الأسرة وغياب أو فقدان أحد أفرادها. وتعدّ مشاهدة المراهقين لما يقوم به أو يتعرّض له الراشدون من ممارساتٍ تقوم على تعزيز اضطراب الهويّة كالقتل والتهجير والنزوح والاعتقال وتجنيد الأطفال والمراهقين الشباب وتلقينهم الأفكار والسلوكيّات التعصبيّة من جهاتٍ متطرّفة كما حدث في المناطق التي وقعت تحت سيطرة تنظيم الدولة الإسلاميّة (داعش)، من أكثر الأحداث تأثيرًا وخطرًا على الهويّة المكتسبة لديهم، وهي أساسٌ لأزمةٍ حقيقيّةٍ في تكوين الهويّة الشخصيّة والاجتماعيّة السليمة وأساسٌ في ترسيخ أزمة الهويّة واستمرارها إلى مرحلة الرشد. حيث ينتج، وفي ظلّ الفكر التعصبيّ، شخصيّات منحرفة مضادّة للمجتمع مؤهّبة لارتكاب الجريمة. ويعرّف السلوك الإجراميّ: “كلّ سلوكٍ يصدر عن الفرد ويكون هذا السلوك ضدّ القانون ومخالفًا للمعايير الأخلاقيّة، ويعكس في مضمونه صراعاتٍ نفسيّةً عميقةً لم تجد الحلّ المناسب. كما يحدث في حالات القتل والسبي والاعتداء وغيرها، وهو ما يشكّل التهديد الأكبر على أبنائنا ممّن تعرّضوا أو شاهدوا خبرات كهذه.

فإذا ما فشل الفرد في ظروف الحياة الطبيعيّة من اكتساب هويّته الشخصيّة، ضمن الاتّجاه الصحيح الذي يحقّق له المكانة الملائمة في المجتمع سواءً كان ذلك في العمل أو الدراسة أو الزواج،  فمن شأنه أن يؤدّي به إلى الشعور بالإحباط والنقص وفقدان الثقة والطمأنينة والضياع، إذ إنّ هذه المشاعر كلّها قد تؤخّر أو تعيق أو تعطّل على نحوٍ دائمٍ إمكان التخلّص من صراعات المراهقة والاندماج المسؤول والصحّيّ في المجتمع وتجعل منه راشدًا غير ناضج.

وهذا ما يتطلّب اهتمامًا واعيًا من المجتمعات والأفراد بضرورة الأخذ بيد المراهقين والشباب ومساندتهم في تكوين فهمٍ صحيحٍ لهويّتهم الذاتيّة لتتّسم بالتوافق والانسجام مع ذاتهم ومع الآخرين من خلال الإحساس الواضح بمكانتهم وتجسيد مبادئ مهمّة في فهم الشخصيّة السويّة مثل التمايز والتفرّد، إذ إنّ القدرة على إحداث التمايز النفسيّ مع زيادة النموّ تساعد على زيادة قدرة الفرد على فهم نفسه وتميّزها عمّا حوله ما يزيد الشعور باستقلال الهويّة وتحقيقها.

ويقصد بتحقيق الهويّة: مدى تحديد الفرد لما كان عليه في الماضي وسيكونه من حيث المستقبل المتوقّع، وهذا يرتبط بقدرة الفرد على تحديد معتقداته وأدواره في الحياة من خلال محاولة الوصول إلى قدرته الواقعيّة التي تسهم في تحقيق هويّته الإيجابيّة بتطبيق مبدأ التطوّر الذي  يقوم على أساس أنّ التغيّر والنموّ محاولة للتكيّف كنتاجٍ للتفاعل بين العوامل المختلفة البيولوجيّة والاجتماعيّة والشخصيّة، وبتأثير عوامل بيئيّةٍ واجتماعيّةٍ وخبراتٍ يكتسبها الفرد بحيث تكون أحد المكوّنات الأساسيّة للشخصيّة لديه، ففي المجتمع الذي يعيش فيه الفرد لا بدّ من ترك بصماتٍ تؤثّر بشكلٍ فعّالٍ في نموّ الأنا. وفي حال لم تتوفّر مثل هذه الفرص للنموّ الطبيعيّ والتطوّر السليم فإنّه سيقع فريسةً لأزمة الهويّة لا محال.

والرسم البيانيّ التالي يوضّح مراحل تشكّل الهويّة في سنّ المراهقة ونمط الشخصيّة في كلٍّ منها.

وهكذا تؤدّي الأسرة باعتبارها الحلقة الأولى وجماعة الأقران بكونها الأكثر تأثيرًا والمجتمع بجمعيّاته ومؤسّساته المدنيّة، دورًا بارزًا في مساعدة المراهق في تحديد ورسم هويّته الشخصيّة والاجتماعيّة، وتزداد المسؤوليّة في حالات الحروب والنزاعات. ولا بدّ أنّنا مسؤولون.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: