دور الأسرة في التخفيف من الآثار النفسيّة للحروب على الأطفال

0

تترك الحروب، بما تحمله من عنفٍ وعدوانٍ، آثارًا ملموسةً على الحجر والبشر، من تدميرٍ يلحق العمران والبيئة، وجرائم ترتكب بحقّ الأبرياء ترسخ في ذاكرة من عاشها وعايشها. ويعدّ الأطفال من أكثر الفئات العمريّة  تضرّرًا وتأثّرًا بمثل هذه الأحداث الصادمة. حيث تعدّ الطفولة اللبنة الأولى في تكوين سمات شخصيّة الإنسان، وتسهم الأحداث والخبرات المتنوّعة فيها في رسم ملامح أوّليّةٍ مستقبليّةٍ لمن سيكونه هذا الطفل، لتقوم مراحل الحياة اللاحقة بترسيخها أو تعديلها وفقًا لمستوى الوعي لدى الراشدين من الأهل أو من في حكمهم.

وتتحدّد ردّات فعل الأطفال إزاء الأحداث القاسية ضمن ردّات الفعـل الأوّليّة وتشمل التخدير الحسّيّ عند وقوع الحدث، ثمّ الانتقال إلى مرحلة عدم استيعاب الحدث، تتبعها مرحلة الخوف الشديد من الصراخ والبكاء، وردّات الفعل قريبة الأمد وهي صعوبات التفكيـر وحالةٌ من القلق والتوتّر. وردّات الفعل متوسّطة الأمد، وفيها يبدأ الشعور بعـدم الاطمئنان، وأحيانًا الإحساس بالذنب إذا كان في الطفولة المتأخّرة لعدم قدرته على تقديم المساعدة، وقد تنتابـه حالةٌ من الغضب الناتج من العجز، وهذا يؤدّي إلى انتكاساتٍ نفسيّةٍ وجسديّةٍ. وردّات الفعل طويلة الأمد تعتمد على قدرة الإنسان على التكيّف مع الأحداث، ومستوى الدعم والمساندة النفسيّة التي يتلقّاها  من المقرّبين والاختصاصيّين.

ومن خلال ملاحظات الأطفال بعد سبع سنواتٍ من الرضوض النفسيّة المستمرّة نسبيًّا، ولاسيّما في المناطق التي ما زالت تتعرّض للعنف أو القريبة منه بشكلٍ مباشرٍ، تظهر الأعراض الصدميّة على شكل مجموعةٍ من المشكلات النفسيّة والسلوكيّة الحادّة والمستمرّة والتي تعكس انتكاساتٍ نفسيّةً وجسديّةً واضحةً كنتيجةٍ طبيعيّةٍ لغياب الشعور بالأمان المترافق  بغياب الاهتمام من الأسرة أو غياب الأسرة في بعض الحالات. ذلك أنّ الشعور بالأمان والطمأنينة هو القاعدة لحياةٍ انفعاليّةٍ سويّة.

فما هي السمات التي تميّز السلوك السويّ باعتباره مؤشّرًا لحياةٍ انفعاليّةٍ سليمة؟ وما دور الأسرة في تشكيله؟ من أهمّ ما يميّز السلوك السويّ:

1- العلاقة الصحيّة مع الذات : ويسهم فهم الأسرة للطفل وتقبّله والعمل على تطوير ما لديه من إمكانات انطلاقًا من وعيها لما لديه من مشكلاتٍ، في دورٍ كبير في تقديره لذاته بشكلٍ صحيحٍ ومناسب. حيث يعاني الطفل في الحالات الصادمة من خللٍ بنظرته لذاته وعجزٍ عن فهم وتقبّل ما يحدث معه وحوله، ما يولّد لديه نقصًا في تقدير الذات.

2-  المرونة: من خلال تعليم الطفل القدرة على الاستفادة من الخبرة الصادمة وتزويده بأساليب التعامل مع خبراتٍ لاحقةٍ انطلاقًا منها، ما يسهّل عمليّة التكيّف مع الظروف الجديدة كتغيير المكان والأشخاص… إلخ. حيث يظهر الطفل المعرّض لخبراتٍ قاسيةٍ صعوبةً في تقبّل هذه التغيّرات الحاصلة، تبدو على شكل مشكلاتٍ سلوكيّةٍ ونفسيّة.

3- القدرة على التواصل الاجتماعيّ: من خلال تشجيع الطفل ومساعدته على تأسيس علاقاتٍ اجتماعيّةٍ صحّيّةٍ مع الأطفال من أقرانه ليحقّق نموًّا اجتماعيًّا سليمًا في ظلّ ظروفٍ صعبةٍ.

4- الواقعيّة: من خلال مساعدة الطفل أن يختار لنفسه أهدافًا سهلة التحقيق بالنسبة إليه، طلبًا للشعور بالنجاح  من خلال التشجيع على التعليم ووضع أهدافٍ وطموحاتٍ مستقبليّةٍ تشكّل حافزًا مهمًّا لتجاوز ما مرّ به من صدماتٍ نفسيّة.

5- التوجيه الصحيح: من خلال مساعدة الطفل على الملاحظة والتفكير والمواجهة لما قد يتعرّض له من مشكلاتٍ تعرقله عن المضيّ قُدمًا، كأن يقابل بالرفض من جماعة الأقران في مكان إقامةٍ جديدٍ أو يفشل بتحقيق درجاتٍ دراسيّةٍ بعد انقطاع سنواتٍ عدّةٍ عن الدراسة، عندما يجد الطفل من يساعده في التوجيه الصحيح ليحدّد طريقةً  يستعيد من خلالها توازنه وثقته بنفسه وبالمحيط.

6- التناسب: يعني عـدم المبالغـة، ولاسيّما في المجال الانفعاليّ، فإذا لاحظت الأسرة عدم تناسب بين مشاعر الطفل والحدث الذي تسبّبه كأن يخاف الطفل من الذهاب إلى المدرسة أو من الخروج للعب لأنّه سيخرج من المنزل بعد انتقاله من مكان الخطر إلى مكانٍ آمن، فإنّ هذا الشعور بالخوف غير متناسبٍ مع المسبّب له، وهنا لا بدّ من مساعدة الطفل على الوعي بأنّ الخطر قد زال ويفضّل طلب المساعدة من جهاتٍ مختصّةٍ.

متى تكون سلوكيّات الأطفال عامّة لافتةً للانتباه؟

  • عندما يظهر الطفل سلوكًا غير متوافقٍ مع العمر والجنس والعادات المتعارف عليها ضمن المجتمع.
  • عندما تتكرّر السلوكيّات غير المناسبة لفترةٍ زمنيّةٍ طويلةٍ عدّة مراتٍ في اليوم.
  • عندما تستمرّ خلال فتراتٍ متقاربةٍ مثلًا كلّ يوم ، كلّ أسبوع، كلّ شهر. وكلّما ازدادت كانت لافتةً للانتباه أكثر.

وفي حال ظهرت هذه النقاط الثلاث أو إحداها، لا بدّ للأسرة أو أولياء الأمر من طلب المساعدة من الاختصاصيّ النفسيّ.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: