العودة إلى الرقة

0

ثلاثة أشهرٍ مرّت على تحرير مدينة الرقة من تنظيم “داعش”، ورغم هذه المدّة إلّا أنّ العائدين إلى أحيائهم لا يزالون يجدون جثثًا متعفّنةً تحت الأنقاض، وفي الشوارع النائية بين الركام، فيعيشون فزع الأمراض، والضيق من روائح الجثث المتعفّنة المنبعثة في حاراتهم. وأمام جهل المدنيّين بالجهة المسؤولة عن إجلاء الجثث، يتوجّهون إلى عناصر غير مختصّةٍ، مثل الحواجز العسكريّة القريبة منهم، ليشتكوا إلى عناصرها، ما يؤدّي إلى حساسيّاتٍ غير محسوبة.

من جهةٍ أخرى لا تزال الألغام تنفجر بالمدنيّين العائدين إلى بيوتهم، وينقل الأهالي أنّه لا يمرّ يومٌ واحدٌ، منذ تحرير المدينة، من دون انفجار لغمٍ يتسبّب بحالة وفاةٍ أو أكثر. وأمام العجز أطلق ناشطون حملةً على موقع التواصل الاجتماعيّ “فيسبوك” تحت عنوان “إرث داعش” للدلالة على ما خلّفه التنظيم المتطرّف، كما وُجِّهت إرشاداتٌ للمدنيّين لتجنّب الألغام والتوعية بأخطارها.

ولم ينفرد الموت وحده، رغم قسوته، في إتعاس الرقاويّين، ولا حجم الدمار وغياب أساسيّات الحياة (من مياهٍ وكهرباء)، ولا تدمير الجسور التي تربط المدينة وريفها ببعضها، حيث لا تزال الإجراءات الأمنيّة، التي أُنشِئت لمنع “داعش” من ارتكاب جرائمه، ومنها شبكةٌ كثيفةٌ من الحواجز العسكريّة، تحدّ من حرّيّة حركة المدنيّين. كما تطلب “قوّات سوريا الديمقراطيّة” من المدنيّين الرقاويّين كفيلًا إذا ما أرادوا التوجّه إلى مناطقَ أخرى مثل مدينتي “تل أبيض” أو “رأس العين” على سبيل المثال.

الشكوى رفيق المدنيّين في الحروب، ولربّما كانت آخر ما تبقّى لهم. وهناك من بين المدنيّين في الرقة من يجد سببًا للشكوى حتى من الرأفة، كما حصل عندما اعترض كثرٌ من بينهم على إفراج المجلس المدنيّ في مدينة “تل أبيض” عن أكثر من مئتي عضوٍ سابقٍ في تنظيم “داعش”، في اليوم الأول من كانون الثاني/ يناير من العام الجاري؛ وهو اعتراضٌ يظهر مدى غضب المدنيّين من تنظيم “داعش” الذي نكّل بهم وتسبّب بتدمير حياتهم، وينعكس حتى على عناصره الذين أثبتت التحقيقات أنّهم لم يتورّطوا بالقتل. الاعتراض الذي كان من بين حججه القول بوجود تناقضٍ بين إطلاق سراح عناصر من تنظيمٍ إرهابيٍّ وبين التضييقات التي يتعرّضون لها بدعوى مكافحته.

تربويًّا باشرت أكثر من مدرسةٍ عملها وفتحت أبوابها للتلاميذ، عبر مدرستين في الرقة، وواحدةٍ في كلٍّ من “السباهية” و”المشلب” و”الحمرات” و”القالطة” و”السلحبية”، وفي “الطبقة” أيضًا، ويتلقّى الطلبة مناهج الإدارة الذاتيّة، وهي كالمنهاج السوريّ مع إدخال بعض التعديلات عليه.

ويقدّر ناشطون تمّ التواصل معهم، أعداد المدنيّين العائدين بـ 70 إلى 90 ألف مدنيّ، توزّعوا على سبعة أحياءٍ في أطراف المدينة، وحيّين في داخلها، كما توقّعوا تضاعف هذا الرقم مع انجلاء فصل الشتاء، حيث ينوي العديد من الرقاويّين العودة من مخيّمات النزوح إلى المدينة مع بداية فصل الربيع. كما بدأ آخرون موجودون في مدن جنوبيّ تركيا ومنها مدينة “أورفا” التي يوجد فيها الرقاويّون، بالتهيّؤ للعودة.

وعن تطلّعات الرقاويّين المستقبليّة، وبحسب الأحاديث المتداولة نظرًا لصعوبة إجراء استطلاعات رأيٍ دقيقةٍ في ظلّ التغريبة الرقاويّة، يمكن تقسيمها إلى ثلاثة تطلّعاتٍ رئيسة، أحدها ومركزه مدينة “أورفا” جنوبيّ تركيا والذي لا يزال داعمًا للثورة وآمالها، وداعيًا إلى إسقاط النظام، ومعوّلًا على تفعيل الدور التركيّ الذي يقف ضدّ النظام السوريّ بحسب رأيهم. وهناك آخرون في منافي الغربة بين أوروبا ودول الخليج، لا يشكّلون ثقلًا على أرض الواقع. أمّا القسم الثاني وهو المؤيّد للنظام السوريّ والراغب في عودته، وهؤلاء موجودون في دمشقَ والمدن السوريّة الأخرى، ويلخّصون رأيهم بأنّ زمن النظام هو الأفضل، وأنّ كلّ ما حدث لمدينتهم وأبنائها كان نتيجة غياب سلطة النظام عنها، وبأنّ الأطراف الأخرى لا تملك سوى الفوضى. القسم الثالث والأخير، هم دعاة التحالف مع القوى الجديدة، حيث يرون أنّها تشكّل أفضل الخيارات لأنّها تمثّل سلطة الأمر الواقع والتي تدعمها القوى العظمى. ويؤيّد هذا الاتّجاه في الرقة المتعاونون بشكلٍ مباشرٍ مع “قوّات سوريا الديمقراطيّة”، وتبقى الأغلبيّة العظمى من الرقاويّين مطالبةً بدعم الاستقرار وإعادة إعمار المدينة وعودة النازحين والمشرّدين.

أمّا تنظيم “داعش”، فيشير من تواصلنا معهم أنّه لم يعد موجودًا، وأنّه أصبح جزءًا من الماضي. ربّما لا يزال بعض الأفراد يعتنقون توجّهات التنظيم ويخفونها، لكنّها لن تستطيع التأثير على مستقبل المدينة ومجتمعها، ما يعيد مقولة الصحافيّ الفرنسيّ “نيكولا هينان” الذي اختطفه التنظيم: “داعش اختار الرقة، أمّا الرقة فلم تختر داعش”.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: