الجثث أهمّ تحدّيات العودة إلى الرقة

0

في وسط مدينة الرقة السوريّة، ترى أسراب الذباب تحوم حول جثثٍ لا تزال مدفونةً تحت المباني التي دمّرتها الضربات الجوّيّة خلال الهجوم الشرس الذي أطاح الدولة الإسلاميّة في معقلها، أواخر تشرين الأوّل/ أكتوبر 2017. شارعٌ بعد شارعٍ، والذبابُ ورائحةٌ غامضة، تفوح من أكوام الخرسانة الشائكة والزجاج المحطّم والحديد الملتوي، هما العلامتان الوحيدتان على بقايا البشر المدفونين تحت الأنقاض.

وبعد مرور الشهر الأوّل على استعادة مدينة الرقة ممّا يسمّى بـ “الدولة الإسلاميّة”، أخذ سكّانها الأصليّون يعودون إليها وإلى المناطق المحيطة بها، ليجدوا منازلهم في حالة خرابٍ، وشوارعهم وحقولهم تتناثر فيها مخلّفات الحرب الخطرة، بما في ذلك الفخاخ المتفجّرة والألغام الأرضيّة والذخيرة، والصواريخ.

يقول “كريغ كينزي”، رئيس فريق الاستجابة لحالات الطوارئ التابع لمنظّمة “أطباء بلا حدود”: “عندما زرنا حيّ المشلب لأوّل مرّةٍ، كان مهجورًا إلى حدٍّ كبير، لكن في زيارتنا الأخيرة، كان الناس يعودون ببطءٍ لتفقّد منازلهم التي وجدها بعضهم في حالة خرابٍ، ووجد آخرون جثثًا ومتفجّراتٍ في منازلهم وحدائقهم وشوارعهم. الجميع يخشى الفخاخ المتفجّرة عند دخول المباني أو الوقوف على شيءٍ قد ينفجر”.

ويواجه الأشخاصُ المصابون بإصاباتٍ خطرةٍ صعوباتٍ هائلةً في الحصول على ما يكفي من الاستقرار والرعاية الصحيّة؛ فمع العديد من الطرق المدمّرة أو المحظورة، يمكن أن يستغرق الوصول إلى أقرب مستشفى ساعتين بواسطة سيّارة إسعافٍ. ونتيجةً لذلك، فإنّ الأشخاص الذين يعانون من إصاباتٍ كبيرةٍ معرّضون لخطر الموت قبل أو أثناء الرحلة.

خيارٌ مستحيل

إضافة إلى الدمار، تُشكّل مخلّفات النزاع تهديدًا خطِرًا على السكّان العائدين، فهناك جميع أنواع المتفجّرات بين الأنقاض. وإنّه لمن المحزن أن ترى الناس الذين عانوا من الحرب وانعدام الأمن والتشريد، لا يزالون عرضةً لخطر الإصابة والموت. إنّهم يواجهون خيارًا شبه مستحيل: إمّا البقاء في ملاجئَ مؤقّتةٍ، والتي غالبًا ما يتمّ تقاسمها مع العديد من العائلات الأخرى، أو العودة إلى منازلهم في الرقة، لمواجهة الأخطار والتحدّيات في ساحة معركةٍ حديثةٍ تحيط بها المتفجّرات.

منزلٌ مدمّرٌ أفضل من الخيمة

حسب تقاريرَ كثيرةٍ، فإنّ أربعة أخماس مدينة الرقة على الأقلّ غير صالحةٍ للسكن بسبب الدمار الماديِّ والذخائر غير المنفجرة ونقص الكهرباء والمياه.

وقد عاد ما بين ألفين إلى ثلاثة آلاف شخصٍ إلى أحياءٍ على أطراف المدينة، وفقًا للأمم المتّحدة، وهم يعانون من قلقٍ تجاه المستقبل، بل خوفٍ من تجدّد هجمات “داعش”. “أبو خليل” (50 عامًا) الذي أعاد هو وزوجته فتح متجرٍ لبيع الملابس النسائيّة على الحافة الغربيّة من الرقة، يبيعان فيه أثوابًا ملوّنةً زاهيةً كانت محظورةً في ظلِّ حكم “داعش”. فهو يخاف من انتقام “داعش”، حيث هدّده أحد المقاتلين الذين غادروا المنطقة، عندما مرّر إصبعه على عنقه في دلالةٍ على نيّته ذبح “أبي خليل”.

العودة إلى الخيمة

وعلى الرغم من الأخطار، فإنّ العديد من المقيمين السابقين يعودون. قالت امرأةٌ تبلغ من العمر (45) عامًا: “عدت قبل يومين لأجد بيتي وقد أصيب بأضرارٍ بالغةٍ، حاولت على الأقلّ التخلّص من الأنقاض قبل جلب بقيّة أفراد العائلة. ما زلنا في حاجةٍ إلى إعادة بناء منزلنا، ولكن الذين يعيشون في منازلَ مدمّرةٍ خاصّةٍ بهم، هم أفضل حالًا من الذين يعيشون في خيمةٍ، حيث تنخفض درجة الحرارة تحت الصفر، وليس هناك سقفٌ فوق رؤوسهم ليحميهم”.

وقال رجلٌ يبلغ من العمر (28) عامًا: “ضربت غارتان جوّيّتان منزلنا، وهو ما  سيستغرق أشهرًا لإعادة إعماره، لكن لا يمكننا أن نجعل أطفالنا يعيشون في هذه الظروف”.

بينما علّق رجلٌ يبلغ من العمر (33) عامًا: “سمعت أنّ منزلي قد أصيب، لكنّني لم أكن أعرف أنّه دُمّر. وقد عدتُ لأجد أنّ كلَّ ما تبقّى منه هو ركامٌ، ولا أستطيع تحمّل تكاليف إعادة بنائه، لذلك سأستمرّ في العيش في خيمةٍ حتى أتمكّن من إيجاد طريقةٍ لبناء بيتي مرّةً أخرى”.

ويبذلُ السكّان العائدون قصارى جهدهم لجعل المنازل صالحةً للسكن مرّةً أخرى، بدءًا من مهمّة التنظيف، ومساعدة بعضهم وصولًا إلى إزالة الأنقاض والحواجز التي تركت من آثار قتال الشوارع أمام بيوتهم.

التحدّيات التي تواجه الدفاع المدنيّ والسلطات المدنيّة هائلة، فلا أحد يعرف كم من الجثث تحت الأنقاض، وستكون مهمّة ترحيل الجثث من المدينة المهجورة من أهمّ التحدّيات التي تواجه السلطات المدنيّة.

وإضافة إلى أنّ الرقة في حالة خرابٍ كامل؛ يجب أيضًا إزالة مئات الألغام، إن لم يكن الآلاف، التي خلّفها “داعش”. فضلًا عن ضرورة استعادة المياه والكهرباء وخدمة الهاتف، وإعادة بناء المنازل والمدارس والمستشفيات والمباني الحكوميّة.

وهناك مسألةٌ أعمقُ وأكثر تعقيدًا، وهي كيفيّة إصلاح نسيج المجتمع في مدينةٍ نفّذ فيها “داعش” عمليّات إعدامٍ علنيّةً، وأجبر الأقلّيّات الدينيّة فيها على الفرار، وقام باستبدال المناهج الدراسيّة بمحتوى دينيٍّ بحت.

سوف يستغرق الأمر شهرًا فقط لتنظيف الرقة، لكن سنحتاج سنواتٍ لاستعادة الحياة في المدينة. ومع ذلك، فإنّ إعادة الإعمار أمرٌ ضروريٌّ لتحقيق الاستقرار في المنطقة، حيث يُحاصر عشرات الآلاف من اللاجئين في المخيّمات.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: