بعد لغز “داعش”… الرقة تدخل امتحان الشمال الصعب

0

قبيل الظلام

منذ كنّا في خيمةٍ ضيّقةٍ تفصلنا فيها ستائر قماشيّةٍ عن بعضنا، منذ اعتيادنا على النوم خلسةً عن البرد والجوع، لم نعرف ليلةً كتلك التي قالوا لنا فيها “الرقة خاليةٌ من الأعلام السوداء”.  تقول “آمنة” الفتاة ذات العشرين عامًا والتي تنحدر من عائلة “عبد الحميد”، العائلة التي يصعب تتبّع مشوار نزوحها بين ريف الرقة وريف دير الزور، حلب ثمّ دمشق ثمّ مخيّم الكرامة … منذ إعلان تنظيم “داعش” ولايته على مدينة الرقة وحتى لحظة تحرير المدينة.

ليس في حوزتنا الكثير. لطالما يعلّمك النزوح كيف تختصر أشياءك؛ فكلّ ما يلزمنا للعودة إلى الرقة الآن شوالان  وزجاجتان من الماء. تحسّس أبي مفتاح البيت، وانسلّ خارج الخيمة ليغير الماضي مع سكّان المخيّم، العائدين الأوائل إلى الرقة.

على أبواب الرقة…

إلى أين تأخذنا يا أبي؟ يسأل “جربوع” الابن الأصغر لعائلة من شاركونا الخيمة، فيجيبه أبوه بصوتٍ يختلط بضجيج الشاحنة المكتظّة بالناس الآملين في العودة: لا تخف ليس بعد الآن من رصاص. تتابع آمنة: حتى نصل إلى الرقة كان علينا أن نبيت في إحدى القرى القريبة من المدينة بانتظار أن تسمح لنا بالدخول قوّات “سورية الديمقراطيّة” الفصيل العسكريّ الذي قيل إنّه تمكّن من طرد تنظيم “داعش” من المدينة بمساندة قوّات التحالف الدوليّ. على طول الطريق وفي الليالي التي قضيناها قبيل الوصول، كان الحديث يدور دائمًا عن الألغام التي تركها “داعش” وعن المدينة التي تحوّلت إلى ركام. جلّ الأمنيات كانت أن يعثر كلٌّ منّا على بيته أو أجزاءٍ منه. النوم ثمّ النوم في منازلنا من جديد.

الرقة أخيرًا…

هنا أو هناك، أينما وقعت عيناك في هذا المدى، لن تجد إلّا الركام. تكاد ملامح المدينة أن تمحى تمامًا، لا الشوارع تحتفظ بلافتاتها، ولا البيوت تعرف سكّانها، وواجهات المحلّات التجاريّة المتبقّية منهوبة. تسير أمتارًا طويلةً بين تلالٍ من الركام المفخّخ، كلُّ شيءٍ بات أسودَ هنا، كتاباتٌ سوداءُ تملأ الجدران، سيارات الشحن الكبيرة تسير على الطريق تنقل كلّ شيء، مخلّفات الحرب وأسلحتها في كلّ مكان. وصلنا إلى البيت عند الظهيرة ، كان البيت المكوّن من  ثلاث غرفٍ في حيّ “الكراجات” قد دُمّر جزئيًّا، ولم يبقَ من الغرف إلا جدرانٌ متواضعةٌ تسند قسمًا من السقف الذي أحدثت فيه إحدى القذائف فتحةً كبيرةً في وسطه. الصمت خيّم ثقيلًا… أمّي تنتحب وأبي لا يزال يحدّق في الحطام … ينبت السؤال من الدمار والآن إلى أين؟

كيف… إلى أين؟

يقول “فادي إسماعيل”، أحد العائدين إلى الرقة، والذي كان قد عمل في تصليح الدراجات الناريّة لسنواتٍ قبل احتلال المدينة من تنظيم “داعش”: ليس السؤال الآن  “إلى أين”، فليس هناك من مفرّ، ولاسيّما بعدما ذاق الناس لوعة المخيّمات ومرارة التشرّد والنزوح، بل السؤال “كيف نبدأ الآن”، على الرغم من الموت الذي يوحي به الركام الذي تتجاوز نسبته 80% في المدينة بشكلٍ كلّيّ أو جزئيٍّ. إضافة إلى الدمار الكامل للبنية التحتيّة والمدارس، وخروج معظم المراكز الصحيّة والمشافي عن الخدمة.

“فادي” الذي عاد إلى حيّ “المشلب” يقول: احتملت العطش والبرد في المخيّم وسأتحمّله، في الرقة سأجد الماء أو سأحفر في سبيل الوصول إليها، ليس هناك من خيار.

وعن تفاصيل الحياة اليوميّة في الرقة يقول “فادي” إنّ بعض العائلات العائدة ترمّم أجزاءً من بيوتها بطريقةٍ بدائيّة، فالترميم مقتصرٌ على غرفةٍ واحدةٍ في المنزل فقط، لإيجاد مكانٍ آمنٍ تحتمي فيه العائلة، وعلى الرغم من وجود بعض المحلّات التجاريّة إلّا أنّ الوصول إليها محفوفٌ بالأخطار بسبب الألغام.

الدم فوق الحديد..

البيوت تموت إذا غاب سكّانها، لكنّ بيوتنا دمّرت على ساكنيها، يقول الناشط “عبد العزيز بغدادي”: إنّ شوارع الرقة اليوم مملوءةٌ بالجثث جرّاء المعارك السابقة، وانفجار الألغام؛ فالجثث لا تزال تحت الأنقاض حتى يومنا هذا، وهناك عائلاتٌ برمّتها تحت الأنقاض.

ويضيف “بغدادي” أنّ الرقة اليوم مزروعةٌ بأشكالٍ مختلفةٍ من الألغام، منها التقليديّ (عبواتٌ وأوانٍ منزليّةٌ وبرادات وأيّ علبةٍ متوفّرة)، ومنها الليزريّ الذي يعمل على البطاريّات. وبمجرّد عبور أيّ شخصٍ منطقة هذه الألغام تنفجر به مباشرةً، إضافة إلى الألغام الحراريّة. وتشكّل هذه الألغام التحدّي الأوّل أمام عودة الحياة والسكّان إلى الرقة. ويؤكّد “بغدادي” أنّ المدينة فقدت منذ تحريرها العشرات من أبنائها العائدين بفعل هذه الألغام التي تسبّبت أيضًا في إعاقاتٍ لآخرين، وهو ما تؤكّده الإحصاءات الصادرة عن المرصد السوريّ لحقوق الإنسان.

وعن المنظّمات العاملة في محافظة الرقة، يقول “البغدادي”: إنّ الجهات التي تعمل اليوم في المدينة والأرياف القريبة، هي المنظّمات الدوليّة وشركاؤها المحلّيّون من المنظّمات المحلّيّة، وهي منظّمة “كيمونيكس” الأميركيّة (فريق التدخّل المبكر)، ومنظّمة “كرياتيف” الأميركيّة، ومنظّمةERT  ومشروع “فرات” وفريق “ستارت”، وفريق “صُنّاع المستقبل”، ومنظّمات إزالة الألغام “تيتروتيك” و”ماك”. لكنّ عمل هذه المنظّمات يبقى متواضعًا أمام حجم الدمار والكارثة التي حلّت بمحافظة الرقة، ما يدفع سكّان المدينة إلى الاستعانة بأفرادٍ يمتهنون إزالة الألغام، مقابل دفع مبالغَ ماليّةٍ كبيرةٍ.

ويؤكّد عبد العزيز أنّ معظم العائدين إلى الرقة اليوم هم من سكّان المخيّمات الأكثر تضرّرًا من ويلات الحرب، إضافة إلى من تبقّى من العائلات التي تبحث عن أشلاء أبنائها تحت دمار طائرات التحالف.

امتحان الشمال

الرقة درّة الفرات تدخل اليوم امتحان الشمال السوريّ الصعب، وينتظر أبناؤها العائدون أو أولئك الذين ينتظرون في المخيّمات انطلاق مشروعاتٍ تسهم في إيصال الماء والكهرباء وتخليص المدينة من مخلّفات الألغام وتوفّر مقوّمات الحياة البسيطة في ظلّ غموضٍ يلفّ المشهد السياسيّ في الشمال السوريّ كاملًا.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: