بعد تحريرها من داعش، أبناء الرقة مصمّمون على استعادة حياتهم الطبيعيّة

0

بعدما رفع مقاتلون أكراد وعربٌ رايتهم فوق آخر معقلٍ لتنظيم “داعش” في مدنية الرقة، في خريف العام الماضي، ومع انتهاء حصار المدينة الذي دام قرابة سبعة أشهرٍ، بدأت أفواجٌ من سكّان المدينة بالعودة إلى بيوتهم التي هربوا منها عقب استيلاء التنظيم عليها.

وفي ذلك اليوم، قالت منظّمة “سيف ذا تشيلدرن” (أنقذوا الأطفال)، إنّ قرابة 270 ألف مدنيٍّ، هربوا من الرقة، وهم في حاجةٍ ماسّةٍ للمساعدة؛ حيث لا تتوفّر منازل يعودون إليها، ولربّما يبقون داخل معسكراتٍ لأشهرٍ أو سنواتٍ قادمة.

ووصفت “صونيا خوش”، مديرة “سيف ذا تشيلدرن”، فرع سورية، الأوضاع في المخيّمات حيث كان يقيم نازحون من الرقة، بأنّها “مأسويّةٌ وبأنّ عائلاتٍ تقيم فيها لا تجد ما يكفيها من الطعام أو الماء أو الدواء”.

تصميم

وشكّلت الألغام التي زرعها “داعش” في كلِّ مكانٍ داخل المدينة، أكبر خطرٍ واجهه العائدون إلى الرقة. ورغم ذلك بدأ سكّان المدينة بالعودة مع أسرهم، بعدما أدركوا أنّه لا بدّ لهم من استعادة بيوتهم، وإن كانت مدمّرةً، مع التصميم على المساهمة في إعادة إحياء المدينة.

وقال أحد زعماء المدينة، وقد رفض التصريح عن اسمه: “يجب أن نتخلّص من بقايا متفجّراتٍ وألغامٍ ما زالت منتشرةً في عدّة أحياء”.

وبعد مقتل عدّة مدنيّين، ومقاتلين شاركوا في تحرير الرقة، إثرَ ألغامٍ وبقايا قنابل، قال الكولونيل “ريان ديلون”، المتحدّث باسم التحالف الدوليّ: إنّ “المعركة التي نخوضها اليوم ليست ضدّ داعش، بل ضدّ متفجّراتٍ وألغامٍ زرعها التنظيم قبل استسلامه”.

منظّمات مختصّة

وفي الوقت الحاليّ، تعمل ثلاثُ منظّماتٍ مختصّةٍ بنزع الألغام وهي: “ماغ” و”تيترا تيك” و”هاندي كاب”، وتنفّذ مشروعًا لتفكيك الألغام الكامنة داخل منشآتٍ عامّةٍ وشوارعَ رئيسةٍ في الرقة. وقد انتهت المنظّمات الثلاث من العمل في بعض الأحياء، وهي: “شارع المنصور” و”المشلب” و”مفرق الجزرة” و”هشام بن عبد الملك” و”الصناعة”. كما قامت المنظّمات المذكورة بتدريب عددٍ من المتطوّعين في صفوفها، والذين يعملون على نزع الألغام من المنازل بأجرٍ قد يصل إلى 75 ألف ليرةٍ سوريّةٍ للغرفة الواحدة، ما يشكّل تحدّيًا بالنسبة إلى بعض سكّان المدينة ممّن لا يتوفّر لديهم المال الكافي.

كما تعمل حاليًّا في مدينة الرقة آليّاتٌ تابعةٌ لمجلس الرقة المدنيّ في إزالة الأنقاض والسواتر الترابيّة، حيث أزيلت الأنقاض المتراكمة في الشوارع العامّة، وكُدّست على جنبات الطرقات.

في هذا السياق، تقول “نجوى” إحدى العائدات إلى الرقة: “نحن مصمّمون على استعادة حياتنا الطبيعيّة مهما كلّفنا ذلك من ثمن، لذا يعمل زوجي على نقل وترحيل تلك الأكوام من الأتربة والأنقاض بمساعدة الجيران والأصدقاء. وحالما ينتهون من عملهم في حيّنا، سوف ينتقلون إلى حيٍّ مجاورٍ لمساعدة سكّانه على تنظيفه وإزالة المخلّفات من جميع أركانه. إنّه تحدٍّ كبيرٌ لنا ولا بدّ من مواجهته”.

عودة إلى المدارس

عاد أطفال الرقة إلى مدارسهم التي أغلق “داعش” معظمها، أو لم يسمح إلّا بتدريس الموادّ الدينيّة التي فرضها.

في مدرسة حيّ “الجزرة”، على مسافة 5   كم غربيّ الرقة، تقف “منى” المدرِّسة الشابّة، أمام سبّورةٍ شبه محطّمةٍ لتؤدّي عملها في تعليم مجموعةٍ كبيرةٍ من البنات عدن إلى الدراسة بعدما حرمن منها لأكثر من ثلاث سنواتٍ ونصف السنة.

استمرّت “منى” في عملها كمدرِّسةٍ في الرقة إلى أن سيطر التنظيم على المدينة بداية عام 2014.

لكنّ “منى” لم تستسلم للواقع الجديد، بل سجّلت في دورةٍ شرعيّةٍ لدى التنظيم بهدف السماح لها بتدريس تلميذاتها في بيتها. وقالت: “لم أجدْ أمامي وسيلةً سوى الدورة الشرعيّة، وانتظرت شهرين حتى حصلت على موافقةٍ بتدريس تلميذاتي في المنزل”. غير أنّها كانت تتحايل على عناصر التنظيم الذين كانوا يجوبون المنازل التي سمح بالتدريس فيها. وتضيف: “عندما كانت تأتي لجنةٌ، كنت أُخرج لهم الكتب التي أرادوا استخدامها، ولكن فور خروجهم، كنّا نعود للدراسة من الكتب الدراسيّة المعتادة”.

فرحة

وأمّا اليوم، وبعد عودتها إلى التدريس، فقد عبّرت “منى” عن فرحتها، قائلةً: إنّه “شعورٌ جميلٌ أن أمسك بالطباشير، وأقف أمام السبّورة من جديد. أشعر بأنّ واجبي يحتّم عليّ تعليم الأجيال، وطيّ صفحة الحرب والعنف”.

خدماتٌ طبيّة

في الوقت نفسه، قرّر الصيدلانيّ، مهند سعادي30)  عامًا)، إعادة افتتاح صيدليّته التي تعرّضت واجهتها لضررٍ بالغٍ، نتيجة وقوع قذيفة “هاون” في محيطها.

يقول “سعادي” إنّه بعد عودة سكّان الحيّ إلى بيوتهم، عاد من جديد لتقديم خدماته الطبيّة. وكان ذلك الصيدلانيّ من بين آخر المدنيّين الذين نزحوا عن الرقة.

وبجهوده الشخصيّة، افتتح “سعادي” صيدليّته من جديد. ولقد تمكّن من تأمين معظم الأدوية التي كانت مفقودةً إبّان حكم “داعش”. ويقول عن تلك الفترة المؤلمة في حياة الرقاويّين: “فقدنا عددًا من الأدوية والمستلزمات الطبيّة نتيجة الحصار والحرب، مثل حليب الأطفال وأدوية العيون والقلب”.

حالةٌ سائدة

كانت مشاهدُ الدمار تجسّد حالةً سائدةً في مدينة الرقة، وهي من أحد الأسباب التي منعت عددًا كبيرًا من سكّانها من العودة إليها، إضافة إلى غياب الخدمات الأساسيّة كمياه الشرب والكهرباء والصرف الصحيّ.

ولكن بالنسبة إلى العائدين، تبقى الحياة في منازلهم وسط الدمار الكبير أفضل حالًا من العيش في المخيّمات المنتشرة في الريف حول الرقة، ولاسيّما مع اشتداد البرد في هذا الوقت من فصل الشتاء، وافتقار تلك المخيّمات لأبسط أساسيّات الحياة.

فيما قال “أحمد” (أحد العائدين) لموقع “الرقة تذبح في صمت”: “أعمل حاليًّا على إصلاح الأضرار التي لحقت بمنزلي. فقد تصدّعت جدرانه وخلعت أبوابه ونوافذه. وعلى الرغم من شحّ موادّ البناء، يبقى منزلي، بجدرانه الضعيفة، أرحم من العيش في الخيام الخالية من الخدمات الأساسيّة”.

وبين مرارة العيش في المخيّمات والصعوبات الكبيرة التي يواجهها العائدون، يبقى أهالي المدينة بين أمرين أحلاهم مرّ. وفي الوقت ذاته، تواصل سلطة الأمر الواقع إصدار تصريحاتها ومخطّطاتها متجاهلةً واجبها تجاه المدنيّين، بعد تدمير مدينتهم ومقتل الآلاف من أبنائهم، بصورةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرةٍ.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: