آراء حول أداء المنظّمات الإنسانيّة في محافظة إدلب

0

منذ 19 كانون الأوّل/ ديسمبر 2017 تصاعدت حركة النزوح عن ريف محافظة إدلب، بالتوازي مع تقدّم قوّات سلطة الأسد وحلفائها على الأرض، حيث يتوافد النازحون يوميًّا إلى مدن وبلدات وقرى ريف إدلب الشماليّ والغربيّ، هاربين من جحيم القصف الهستيريّ من قوّات سلطة الأسد وحلفائها، إلى المخيّمات أو الجبال والأودية آملين أن يتغيّر الحال وتكون عودتهم قريبةً إلى قراهم وبلداتهم.

يواجه هؤلاء النازحون مشكلاتٍ عديدةً ومركّبة؛ فهم يخرجون هائمين على وجوههم ومصدومين من هول ما رأوه من مشاهد عنفٍ ودمارٍ، وتتشعّب مشكلاتهم وتتعمّق بسبب ما يعانونه من تجّار الحروب في المناطق التي يصلون إليها حديثًا. هذا إضافة إلى عدم التنسيق بين المنظّمات الإغاثيّة العاملة في المنطقة وعدم وجود جسمٍ إغاثيٍّ مركزيٍّ وموحّدٍ يتصدّى إلى تلك الكارثة الإنسانيّة.

وللتعرّف أكثر على واقع النزوح في محافظة إدلب وواقع العمل الإغاثيّ والمؤسّسات والمنظّمات الإغاثيّة، التقت “أصوات” بالباحثة الاجتماعيّة, منتهى عبد الرحمن، فأفادتنا بما يلي: إنّ “من أبرز الأسباب التي فاقمت أزمة النازحين في الشمال السوريّ مؤخّرًا هو عدم وجود جسمٍ إغاثيٍّ موحّدٍ يستطيع تلبية الاحتياجات الطارئة في جميع مناطق الشمال السوريّ الخاضع لسيطرة المعارضة؛ فضعف التنسيق بين تلك المنظّمات وتعدّد الجهات الإغاثيّة، تسبّبَ في مأزقٍ كبيرٍ من حيث هدر الموادّ الإغاثيّة أو عدم الإنصاف في توزيع الحصص سواء بين المخيّمات أو بين الأسر، حيث لا توجد سياسةٌ واضحةٌ للعمل، وغالبًا ما يكون العمل عشوائيًّا؛ فهناك مخيّماتٌ قد تحصل على الإغاثة أكثر من مرّةٍ شهريًّا، في المقابل هناك مخيّماتٌ أخرى لا تحصل على أيّ شيءٍ. والسبب غالبًا ما يكون محصورًا في سوء التنسيق والبيروقراطيّة”.

تسترسل “منتهى” في حديثها مستنكرةً الطريقة التي تعمل بها المنظّمات الإغاثيّة وعدم جاهزيّتها لحالات الطوارئ، على الرغم من بقاء محافظة إدلب منطقةً شبه هادئةٍ لأكثر من سنتين، فتقول: إنّ “جميعنا يعلم أنّ محافظة إدلب كانت في وجه المدفع، حيث كان النظام يحشد قوّاته باتّجاهها ويرسل رسائل بشكلٍ مباشرٍ أو غير مباشرٍ عن اقتراب المعركة. وهنا تتحمّل المنظّمات الإنسانيّة العاملة في الشمال السوريّ المسؤوليّة والملامة أيضًا؛ فمحافظة إدلب بقيت هادئةً على مدار أكثر من عامين, وعلى الرغم من هذا لم تعمل المنظّمات خلال هذه الفترة، كما يجب، على تجهيز مخيّماتٍ أو مراكز إيواءٍ على أقلّ تقدير. وإن سألتهم عن جاهزيّتهم أو قدرتهم على الاستجابة الطارئة لا يجيبونك”.

لم يكن هذا رأي “منتهى” فحسب، بل وافقها الرأي، عبدو جيلو، وهو ناشطٌ في المجال الإنسانيّ في ريف إدلب الشماليّ من بلدة “قاح”, حيث عقّب على كلام “منتهى” مؤكّدًا ما ذهبت إليه، فقال: إنّ “هناك سياسةً جديدةً، على ما يبدو، في ما يتعلّق بتعامل اللاعبين الإقليميّين مع الثورة السوريّة، ولاسيّما في ما يتعلّق بأزمة النازحين والمهجّرين. ولا يخفى على أحد ما حصل عند نزوح أهالي ريف حماة الشماليّ والشرقيّ، حيث كان هناك امتناعٌ واضحٌ عن إغاثتهم، كما رفضت عدّة منظّماتٍ تقديم يد العون لهم، على الرغم من ظروفهم المأسويّة. إضافة إلى امتناع تلك المنظّمات عن تقديم أيّ بيانٍ رسميٍّ للرأي العامّ المحلّيّ تبيّن فيه أسباب عدم وقوفها عند مسؤوليّاتها”.

ويضيف “جيلو” لـ “أصوات”: أنّ “سياسة التعامل مع قضايا النازحين هي التي فرضت على النازح إمّا القبول بواقع المخيّمات التي بات دعمها شحيحًا أو العودة إلى حضن الأسد ليعيش في منزله. وهما خياران أحلاهما مرّ، لعدم مراعاة الكرامة الإنسانيّة في كليهما”.

ويروي الناشط الإعلاميّ، أحمد الأحمد، وهو من أبناء مدينة “معرة النعمان” قصّة تبيّن الفساد الذي استشرى في قطاع الإغاثة، فيقول: إنّ “الفساد في إدارة المنظّمات في الشمال السوريّ، ولاسيّما في المناطق الحدوديّة، بات غير خافٍ على أحد؛ فالمساعدات الإنسانيّة تباع في السوق السوداء لتُباع من جديدٍ للنازحين بالصندوق نفسه المطبوع عليه غير مخصّص للبيع. ومن تلك القصص التي حصلت في الشمال السوريّ في الأسبوع الماضي: قام تاجر جملة في مدينة أطمة ببيع الخيام الممهورة بشعار الأمم المتّحدة مقابل 100 دولارٍ أميركيٍّ للخيمة الواحدة على مرأى ومسمع المسؤولين الأمنيّين في تلك المناطق، من دون تحريك أيّ ساكنٍ لمكافحة هذه الظاهرة، وليس هذا محصورًا في الخيام، بل ينسحب على المساعدات الإغاثيّة والطبّيّة وغيرها من المساعدات غير المخصّصة للبيع”.

بينما وجدنا أنّ فاعلين آخرين في المجتمع المدنيّ السوريّ يركّزون على أسبابٍ أخرى لضعف المؤسّسات، وعدم قدرتها على الاستجابة السريعة لحالة الطوارئ التي تمرّ بها محافظة إدلب مؤخّرًا، مع إقرارهم بما سبق وسقناه من أسباب.  ففي لقائنا مع معتصم السيوفي، مدير منظّمة “اليوم التالي”، قال: “هناك مشكلاتٌ متشابهةٌ في عمل المؤسّسات الإغاثيّة في كلّ المناطق السوريّة، ولكن إن كنّا نبحث عن المشكلات التي نجدها أكثر خصوصيّة في إدلب، وكانت العامل الأساسيّ هناك في ضعف استجابة المؤسّسات، فهي – برأيي- وجود، وسلوكيّات، هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة). فسلوكها التسلّطيّ مع المنظّمات ومؤسّسات المجتمع المدنيّ والمجالس المحلّيّة في المحافظة، انعكس سلبًا على أداء تلك المنظّمات والمؤسّسات، كما أربكت سيطرة هيئة تحرير الشام، وسلوكيّاتها، وتعامل بعض المؤسّسات، بما فيها مجالس محلّيّة، مع حكومة الإنقاذ التي أنشأتها، الداعمين الدوليّين ما أضعف عملهم وتقديماتهم”. ولكنّه أكّد على استمرار لقاء مؤسّساتٍ من المجتمع المدنيّ مع الداعمين، وضغطهم من أجل استمرار الدعم المقدّم لمحافظة إدلب.

هكذا نتبيّن أنّ تعدّد الآراء في هذا المقام، يكمل المشهد الإجماليّ من دون تعارض. فالجميع يقرّ بعدم قدرة المنظّمات والمؤسّسات العاملة في مجال الإغاثة على الاستجابة السريعة لحالة الطوارئ في محافظة إدلب، ومنهم من يركّز على أسبابٍ تكمن في بنية هذه المنظّمات (ابتداءً من سوء الإدارة وعدم التنسيق في ما بينها إلى غياب الجسم المركزيّ الذي يعدّ الخطط، وصولًا إلى الفساد الذي يعتريها)، بينما يركّز آخرون على مشكلات الواقع التي تحيط بها وتتفاعل معها.

Leave A Reply

Your email address will not be published.

%d مدونون معجبون بهذه: